| 

لم يحالف الحظ ميشيل وجمال في العام 1987، عندما قرّرا الانضمام إلى فرقة الفنون الشعبية. فقد قامت سلطات الاحتلال حينها باعتقال المدرّب والراقص الرئيسي في الفرقة محمد عطا، قبل يوم واحد من موعد التدريب الأول، حاله في ذلك حال الكثير من أعضاء فرقة "الفنون الشعبية". كانوا يمضون أوقاتهم بين النشاط التطوعي في الفرقة والتعليم في الجامعات أو العمل، وبين السجون الإسرائيلية ومراكز التحقيق والاحتجاز. أمرٌ لم يشهده العالم، أن يشكّل الرقص والغناء تهديداً لدولة تدّعي "الديموقراطية" لا الحكم العسكري، فتحتجز وتحاكم من يرقص ويغني.
هذه حال فرقة "الفنون الشعبية" التي، منذ تأسيسها في أواخر عقد السبعينيات من القرن الماضي، لم تضع نصب عينيها فحسب الحفاظ على تراث الشعب الفلسطيني وثقافته، وإنما أيضاً إسناد مقاومته ورفدها وتعزيزها بالعمل الفنيّ والثقافيّ. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحفاظ على هوية أيّ شعب وتراثه وثقافته يختلف تمام الاختلاف في الحالة الفلسطينية عنه في مجتمعات وبلدان أُخرى. فهنا، الحفاظ يتعلق بهوية مهدّدة تُحارَب وتُسرق يومياً (ألم يُحاكم الشبان الفلسطينيون على رفعهم العلم الفلسطيني وعلى ارتدائهم الكوفية الفلسطينية؟). وتباعاً، جرت محاكمة من غنّى ومن مارس الدبكة الشعبية، وتم اعتقال كل من روّج إنتاج هذه الفرق، وخصوصاً فرقة "الفنون الشعبية". وعُدّ ذلك تحريضاً، وفق محاكم الاحتلال العسكرية
"وجع راس"
من كانوا شباباً في أواخر السبعينيات ينتقلون بين جامعاتهم ومعاهدهم وصالات التدريب المتواضعة وبين سجون الاحتلال، أسّسوا، بمبادرةٍ طوعية خلاّقة، الفرقةَ الأكثر حضوراً وتفاعلاً في الشارع الفلسطيني، ومنه انطلقت إلى العالم العربي والعالم لاحقاً. إن دافع هؤلاء الشباب والشابات، منذ اللحظة الأولى، كان اهتمامهم بحماية الفولكلور الفلسطيني من الضياع والاندثار بفعل الاحتلال، والعمل على ترسيخ العلاقة بين الجمهور الفلسطيني وتراثه. وقد تطوّر عمل الفرقة في الاتجاه نفسه مع انضمام الكثير من الأعضاء الذين ساهموا بصورة فاعلة في تكريس موقع الفن والثقافة كأداة في مواجهة الاحتلال.
شكّلت فرقة "الفنون الشعبية" بنجاحها المتسارع مصدر قلقٍ وإزعاج و "وجع رأس" كما يُقال، لضباط الاحتلال وجنوده وأجهزته الأمنية، ولما يُسمّى إدارته المدنية. فقد تخطّت هذه الفرقة حدود عملها الفني التقليدي لتشكّل أداة فعل وطني شعبي مقاوم يحظى بإجماع وإعجاب شعبيَين واسعَين، في كل من قطاع غزة والضفة الغربية والجليل والمثلث. وتمدّدت شعبيتها إلى الشتات ومدن عربية وعالمية، لتحظى في ما بعد بمكانة عالمية مرموقة، وتخرّج العشرات وربما المئات من الشباب والشابات المحترفين للرقص والغناء والموسيقى. يُضاف إلى ذلك أن الكثير من الفِرق المحلية والمدرسية والجامعية تأخذ تجربة "الفنون" غناء ورقصاً وموسيقى، مصدراً لأعمالها.
"تلحين" بيانات "القيادة الموحّدة"
كان الفعل المقاوم والتحريضي لفرقة "الفنون الشعبية" بمثابة سند كبير للفعل المقاوم الذي أنتجته فصائل العمل الوطني الفلسطيني والمنظمات الشعبية والنقابية والاتحادات. وقد عُبّر عن ذلك بوضوح في إبّان أعوام الانتفاضة الأولى، إذ استطاعت "الفنون" ترجمة بيانات القيادة الموحّدة للانتفاضة الأولى، على شكل صور غنائية راقصة مستلَهمة من التراث الفلسطيني. فتلك القيادة التي دعت جماهير الداخل الفلسطيني إلى مقاطعة العمل في المستوطنات وإلى مقاطعة المنتج الإسرائيلي وتعزيز المنتج الوطني والدعوة إلى حركة تنموية مستدامة وإلى العصيان المدني الشامل، وجدت في فرقة "الفنون الشعبية" خير من ينقل هذه التوجهات بصورة جميلة وفاعلة وسريعة. فكانت أداة فاعلة لا تقلّ أهمية عن البيانات التي كانت تحمل عناوين محددة وأرقاما والشعار الدائم: "لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة". عبر غنائيات تراثية، دعت "الفنون" إلى التمسّك بالأرض وإلى حراسة القرى والأحياء وإلى العصيان المدني.
انتشرت هذه المجموعة من الأغاني كالنار في الهشيم في مختلف المناطق المنتفِضة، في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة ومخيماتهما وقُراهما. فلم يرُق لقادة الجيش الإسرائيلي وضباطه تفاعل الجمهور مع ما تنتجه هذه الفرقة، ما دفع بهم إلى مطاردة مجموعة من أعضائها واعتقالهم ومحاكمتهم، بتهمة تداول هذه المجموعة من الأغاني "الكاسيتات" ونسخها. وهنا نذكر أن دولة الاحتلال قد طاردت أهالي بيت ساحور الذين تنادوا للعصيان المدني ضد دولة الاحتلال، طاردتهم لتربيتهم مجموعة من الأبقار ومنعهم من الاستفادة من انتاجها! فكيف الحال مع فرقة تدعو البشر إلى التمرد على الظلم والقهر وتنادي إلى الخلاص من الاحتلال وظلمه.
بعد 36 عاماً
إن مبادرة فرقة "الفنون الشعبية" بدعوة الرعيل الأول والمؤسس من راقصيها وموسيقييها لتقديم عرض غنائي راقص في ذكرى تأسيسها السادس والثلاثين، والحضور اللافت في الحفل الذي نظّمته في آذار 2015، ما هو إلاّ دلالة كبيرة على حضور هذه الفرقة في الذاكرة الفلسطينية، وتأكيد على أن مهمّتها لم تنتهِ بعد، ولا يزال أمامها الكثير لتنجزه وتطوره.
فقد ساهمت الفرقة في مسيرتها بتجسيد تاريخ فلسطين خلال مراحل متعددة، كالعثمانية والانتداب. فقد جسّد العرض الغنائي الراقص "مشعل"، الذي كتب نصّه وأغانيه وسيم الكردي ووضع موسيقاه سعيد مراد، تجربة الشاب الريفي الفلسطيني الذي هرب من الجندية العثمانية رافضاً التجنيد خلال الحرب العالمية الأولى، ليكتشف أن المنتصر في هذه الحرب هم البريطانيون الذين نكثوا بوعدهم بمنح شعبه الاستقلال. فيُقسم على محاربتهم بعدما باع مجوهرات زوجته ليشتري بثمنها بندقية يحارب بها المستعمرين الجدد لبلاده.
جسّد عمل "وادي التفاح" البطولات الفلسطينية في مواجهة الانتداب البريطاني، حاثّا الشباب الفلسطيني على التمسّك بالأرض وعدم الهجرة. بعده، جاء العمل الكبير والنقلة النوعية بالموسيقى والأزياء والرقص الحديث "مرج بن عامر"، الذي يتحدث عن السهل الأكبر في فلسطين، وعن علاقة الفلاح الفلسطيني بالإقطاعي الذي يتعاون مع المحتلّ ضد أبناء شعبه.
تعددت أعمال "الفنون"، فمن "وداي التفاح" إلى "مشعل" و"مرج بن عامر" و"زغاريد" و"أفراح فلسطينية" فـ"حيفا – بيروت وما بعد"، وكانت القواسم المشتركة بينها تتمثل في: حماية الهوية والثقافة الفلسطينية المهددة، والمساهمة في مقاومة المحتل بالتمسك بهذه الهوية ونقلها بصور فنية، كما استحضار الصور الحضارية والإنسانية للشعب الفلسطيني. وقد كان ذلك عبر مشاركة الفرقة في عشرات المهرجانات الدولية في الولايات المتحدة وأوروبا وأميركا الجنوبية، والتي حازت فيها على عشرات الجوائز القيّمة لتميّزها.