| 

أجمل تنظير في قصيدة النثر، من الضرب غير المتكلف المحبب إليّ، قاله الشاعر أنسي الحاج في مقدمة "لن": "شاعر قصيدة النثر شاعر حرّ، وبمقدار ما يكون إنسانًا حرًا، أيضًا تعظم حاجته إلى اختراع متواصل للغة تحيط به، ترافق جريه، تلتقط فكره الهائل التشوش والنظام معًا. ليس للشعر لسان جاهز، ليس لقصيدة النثر قانون أبدي".
هكذا، يقف الشاعر الفلسطيني المقيم في السويد غياث المدهون في مجموعته الشعرية "لا أستطيع الحضور" (الصادرة عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر")، وكأنه يعتق نفسه، من دون إذنٍ من أحد، من كلّ القيود التي فرضت عليه كلاجئ في الشام، ومن ثم كلاجئ في السويد. بيد أن هذا الانعتاق يتبدى بصورة مثيرة وغير متكلفة في اللغة الشعرية نفسها. فيظهر وكأنه يسخّر القصيدة من أجل هذا المرام، الذي لا يبدو أنه يتحقق في بيروقراطيات العالم الأول أو على حدود الجغرافيا المشرقية التي تمنعه من زيارة بلده فلسطين، بل يتحقق في أبسط شيء يستطيع غياث فعله عند نافذة بيته الصغير في ستوكهولم؛ القصيدة: "لا أريد مائة عام من العزلة/ ولا "ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم/ لا أحتاج سبع سنوات في التيبت/ ولا "ستة أيام ثم استوى على العرش"/ جلّ ما أريد/ دقيقة واحدة من البثّ الحيّ والمباشر/ دقيقة واحدة live/ بلا مونتاج أو رقيب/ أصرخ فيها بحرية/ دون أن يقطع البث/ أو تقطع الكهرباء/ أو يقطع رأسي".
لكنّ هذه الصرخة لا ترفع من نبرة لغته الشعرية إلى مستوى الخطابة، بل تصل المتلقي كصرخة هادئة متمترسة بالسخرية. فيقف شخص الشاعر من وراء المجموعة ساخرًا من البشرية وذكوريتها وسلطتها وكفرها بالإنسانية، مستعينًا، من دون جهد، وبتطابقٍ شديد مع طبيعة تجربته، بلغة ومعجم حديثين، مترفعَين عن البلاغة الشعرية المتصنعة، رغم معرفته المتعمقة وانحيازه للشعر العربي الكلاسيكي. إذاً، هو الانعتاق من القيد البشري والشعري معًا. ما يعيد إلى ذهني قول أنسي الحاج في مقدمته: "إن قصيدة النثر عمل شاعرٍ ملعون. الملعون في جسده ووجدانه الملعون يضيق بعالم نقي. إنه لا يضطجع على إرث الماضي. إنه غاز. وحاجته إلى الحرية تفوق حاجة أيّ كان إلى الحرية. إنه يستبيح كلّ المحرمات ليتحرّر".
تجاوز حقل ألغام البداهة
قراءة قصيدة غياث تبدو كأنها غير واثقة الخطى ولكنها واثقة من الوصول إلى الأرض الآمنة، كأن القراءة تتمشى في حقل ألغام، تدنو من اللغة المباشرة تارةً ومن الرومانسية تارةً أخرى، ولكنها لا تقع فيها، بل تناورها أو تتحداها. وأظنها أكثر مساحات الكتابة وعورة، أن تجاور هذه اللغة، كونها ليست محرّمة ولكنها تبعث على خوف الشاعر.
إنها تجربة تمرّ من خلال مجموعة من القصائد كقصيدة "نحن": "نحن المتناثرين شظايا، الممطرين لحمًا، نتقدم بالاعتذار الشديد من هذا العالم المتحضر فردًا فردًا، رجالاً ونساءً وأطفالاً، لأننا وبدون قصد منا ظهرنا في منازلهم الآمنة بلا استئذان، نعتذر لانطباع أشلائنا في ذاكرتهم البيضاء كالثلج". هنا يضع الشاعر نفسه في امتحان قاس؛ الكتابة في ما يبدو بديهيًا، كالوطن واللجوء وغيره.. ولكنه، من خلال إسقاط تجربته على النصّ ومن خلال انعتاقه الحقيقي من جهوزية المفاهيم المرتبطة بهذه البديهيات، يعيد للقارئ صياغتها، وكأن البديهي يصبح فجأة مرآةَ أمام النفس البشرية، فيصبح صادمًا ومحطًا لإثارة الأسئلة التي ظننا أننا أجبنا عليها؛ "لو أن حمورابي لم يضع التشريع/ لو أن الأنبياء لم يكذبوا علينا/ لو أن الله لم يعط بلدي الصغير للآخرين/ لكنت أقسمت لكم به/ ولكن بما أن كل ذلك قد حصل/ فإنني أقسم بنهدي حبيبتي/ وأصابعها التي تشبه الموسيقى/ بأن هذا العالم الأجرب مثقوب من أسفله".
الكتابة في أقطاب المعنى والشكل
مع أن قصيدة غياث تعتمد الإيجاز، وهو ربما شرط أساس في قصيدة النثر، إلا أنه يقدم في بعض القصائد، كقصيدة "المدينة"، نصًا مطولاً، ذا موسيقى داخلية يصنعها الإيقاع المتقافز والنبض المتلاحق للتعابير والجمل التي تكوّن اللوحة العامة للقصيدة. هي فسيفساء من الاستعارات تكوّن هذه اللوحة الاستعارية الشاملة التي يقع هو والمدينة "دمشق" في مركزها؛ ابن وأمّه، رجل وخليلته. هي علاقة تنافر شديد الحدّة، ولكن تلاصق بالغ اللحمة. وكأن العلاقة بينهما تعيش في قطبيها إلى منتهاهما. فيقول: "هي القديمة مثل مستحاثة وأنا الجديد مثل نهاية التاريخ، أمسك ثوبها كطفل وتمسك قلبي كامرأة فنرتكب القصيدة، أنا الحالم يصطاد الشعر وهي الواقعية تنجب الأطفال ولا تربيهم، أن الفاني وهي الأزلية الباقية، أنا القدريّ المشبع بالغيبيات وهي الواقعية الملحدة، لا عزاء لي ولا ضير عليها سوى أننا صدفة عاشقان".
إذاً، هما قطبان في المعنى والشكل؛ في الأخير، يتبديان من خلال المعجم الشعريّ الذي يتبناه غياث في هذا النص، أو ربما هو المعجم السليقيّ الذي تناديه حقيقة هذه العلاقة. معجمٌ حاد، وقد أقول عنيف اللفظ، ورقيق في آن: "نحن أبناؤها العاقون الذين ضاعوا في الشمال، وهي أمنا التي لم ترضعنا سوى الخوف". يقطع غياث في هذه القصيدة حرير العاطفة بفأس الحقيقة شديد المضاء، يكسر إيقاع العلاقة الرومانسية الجاهز بمطرقة التمرد عليها والإيمان المطلق بالشكّ حولها. إنه فعل لا يلغي جوهر الأشياء ولكن يحدث تغييرًا في مناخها العام المألوف. لا يمحو عاطفته المجانية لدمشق ولكنه يسمح لهذه العاطفة أن تولد لائمة تبدو حتمية وملحة يتغذى عليها الحب. وكأن المدينة تلعنه، وهو بدوره يعلن لها اللعنة بمزاح طفل وبجدية راشد في آن، ويضمر لها حبًا لا محدودًا. ولعلّ هذه القصيدة تشكل نموذجًا للغته الشعرية العامة، في مجموعة "لا أستطيع الحضور"؛ هو الملعون باللجوء والمنافي، وهي الملعونة بقصيدته.