| 

مبكراً، أدركت الحركة الصهيونية أهمية امتلاكها أجهزة مخابرات قوية. إذ سبق انشاء دولة اسرائيل بتسعة وعشرين عاماً، تأسيس أول جهاز مخابرات للتجسس على الفلسطينيين والعرب. ثم تبعه تأسيس عدّة أجهزة أتت كلّ حلقة منها كمقدمة تمهّد الطريق بالخبرات للخطوة التالية.
كرست أجهزة المخابرات الصهيونية جهودها لجمع معلومات تفصيلية حول القرى والعائلات الفلسطينية. ورافقت ذلك حرب نفسية مدروسة لتفتيت النسيج الاجتماعي، وإثارة النعرات بين المسلمين والمسيحيين، تمهيداً لتنفيذ التطهير العرقي.
ينشر ملحق "فلسطين" تباعاً سلسلة مقالات تعالج تلك الأجهزة الاستخبارية، بدءاً من "شاي"، جهاز مخابرات "الهاغاناة" وأهم أقسامه "المستعربون". وبعده، سنتطرق لمخابرات "الأرغون"، ثم ننتقل للحديث عن "الشاباك" و"الموساد" و"أمان"، وهي أجهزة المخابرات التي نشأت بعد الإعلان عن تأسيس إسرائيل، بالاعتماد على ذلك التراث الاستخباري.


في اجتماع اللجنة التنفيذية الصهيونية الكبرى في لندن في نيسان/أبريل من العام 1919، تحدّث حاييم فايتسمان، وهو أحد قادة الحركة الصهيونية آنذاك ورئيس دولة اسرائيل لاحقاً، عن ضروة إقامة جهاز استخباري يهودي صهيوني: "خلال فترة وجيزة، سيتوجب علينا إقامة قسم تجسس يهودي عام، لمعرفة كل مخططات الأحزاب وطريقة تعاطي الشعوب وكل مكون من نسيجها، ولمعرفة ما هو مهم بالنسبة إلى دولة اليهود. علينا إقامة قسم تجسس دولي. ينبغي أن يكون رجالنا في كل مكان، بغية الحصول على المعلومات المتعلقة بالأحداث التي تُهمنا".

"نيلي" أولاً
قبل دعوة فايتسمان هذه، نشطت في فلسطين "نيلي" وهي منظمة صهيونية أسسها المهاجرون اليهود عام 1916، تخصّصت بالتجسس على الجيش العثماني لمصلحة الجيش البريطاني، وسهلت عليه مهمة احتلال فلسطين. فقد أمدته بمعلومات حيوية عن مواقع الجيش العثماني الدفاعية في غزة وبئر السبع، ما ساهم بانتصار الجيش البريطاني في المعركة التي وقعت بين الطرفين في العام 1916، في جنوب فلسطين.
عمل فايتسمان بدأب لتحقيق دعوته لبناء جهاز استخباري صهيوني في فلسطين، ونجح بالفعل في اقامة علاقات ذات طابع استخباري بهدف جمع معلومات عن الفلسطينيين والعرب. وضع فايتسمان نصب عينيه العمل على تفتيت الشعب الفلسطيني، فخصص ميزانيات لتمويل جواسيس كلفهم بإثارة النعرات بين سكان المدن والفلاحين، وبين المسلمين والمسيحيين، واشترى ذمم صحافيين لنشر اليأس في قلوب الفلسطينيين عن طريق مقالاتهم. بل وصل الأمر حدّ شراء صحف تصدر بالعربية في يافا لتحقيق هذه الغاية.
"نيلي" لم تكن خاضعة لسلطة القيادة الصهيونية. فهي مبادرة شارك فيها حوالي أربعين شخصاً، ونجحت السلطات العثمانية بتصفيتها بعد حوالي عامين من انطلاق نشاطها. ولكن أهارون أهرنسون، احد قادة المنظمة الذي أفلت من أيدى السلطات العثمانية، تمكّن من تشكيل "المكتب اليهودي"، وكان مقره في مدينة يافا. منه أدار عمليات التجسس خلف خطوط الجيش العثماني، وهي مهدت الطريق للهجوم البريطاني الكبير على فلسطين في العام 1918.

استخبارات محورها اللغة العربية
استجابةً لدعوة فايتسمان، تم تشكيل "مكتب المعلومات" في نهاية العام 1919. وهو جهاز استخباري ترأسه احد قادة "نيلي" ليوبا شينيؤرسون، واتخذ من مدينة يافا مقراً له. جمع المكتب في البداية معلومات عن ملاك الأراضي، ثم الحركة القومية العربية والوطنيين الفلسطينيين، وعن كميات السلاح المتواجدة عند الفلسطينيين، وعن نيات الفلسطينيين المتعلقة بخطط شن هجمات. وتم نقل تلك المعلومات الى الانتداب البريطاني، واعتمد "المكتب" في عمله على يهود يجيدون اللغة العربية. وفي نهاية العام 1920، تمّ تفكيك المكتب بسبب نقص الميزانيات.
في شهر كانون الأول / ديسمبر من العام 1929، تم تشكيل "خدمة المعلومات التابعة للمكتب الموحد". وكان هذا الجهاز الاستخباري خاضعاً للوكالة اليهودية، وجمع معلومات عن القرى الفلسطينية، ونشر جواسيسه ايضاً في الدول العربية المجاورة لفلسطين. واعتمد على التنصّت على الخطوط الهاتفية، وتحليل مضمون الصحف العربية، وشن حرباً نفسية ضد الفلسطينيين. تم حل هذه الجهاز في العام 1931.
في العام 1933، قررت "الوكالة اليهودية" إنشاء مؤسسة استخبارية اطلقت عليها "القسم العربي" عمل ضمن القسم السياسي في الوكالة، وترأس هذا القسم الياهو ساسون. وبالتوازي مع ذلك، سادت قناعة لدى قادة "الهاغاناة" ترى ضرورة انشاء جهاز استخباري مستقل لجمع المعلومات وتحويلها الى هيئة أركان المنظمة وقادة الفروع في المدن الكبرى. وكان ذلك جزءاً من عملية استخلاص العبر من فشل "الهاغاناة" بتوقع ثورة الشعب الفلسطيني.
في تلك الفترة، امتلكت "الوكالة اليهودية" جهازين استخباريين عملا بالتوازي في فلسطين: "القسم العربي" وكان خاضعاً لـ "الوكالة اليهودية"، و "خدمة المعلومات" التابعة مباشرة لـ "الهاغاناة". وكانت "الخدمة" تركز على جمع المعلومات ذات الطابع العسكري. وإلى جانبهما، عمل جهاز استخباري آخر بشكل منفصل كان تابعاً لمنظمة "الأرغون" التي انشقت عن "الهاغاناة".

بعد الفشل في توقع ثورة 1936
هذه الأجهزة الاستخبارية الصهيونية فشلت بتوقع اندلاع ثورة الشعب الفلسطيني في العام 1936، واستمرت على حتى 1939. هذا الإخفاق دفع بالحركة الصهيونية إلى التفكير بإنشاء جهاز استخباري أكثر احترافاً يغطي نشاطه كامل الأرض الفلسطينية.
في أواخر العام 1940، شُرع بإنشاء جهاز استخبارات قُطري موحد أطلق عليه اسم "شاي"، وهي اختصار مكون من الأحرف الأولى من جملة "شيروت يديعوت" باللغة العبرية أي، "خدمة المعلومات". وكان من المفترض في البداية أن يعمل "شاي" تحت إمرة "الوكالة اليهودية"، ولكن الأخيرة تعهدت لاحقاً بأن يعمل "شاي" أيضاً في مجال جمع المعلومات التي تحتاجها "الهاغاناة". وأصبح "شاي" خاضعاً للقيادة العامة لـ "الهاغاناة"، ومع ذلك واظب على تقديم تقارير استخبارية للوكالة.
المهمات الرئيسة التي ألقيت على عاتق "شاي" كانت التجسس على الفلسطينيين والعرب في الدول المجاورة، وجمع معلومات حول نيات حكومة الانتداب، وتقديم العون في مجال تهجير اليهود سرّاً من أوروبا إلى فلسطين. وشارك "شاي" في الحرب التي شنتها "الهاغاناة" على التنظيمات العسكرية الصهيونية المنافسة، فسلّمت قوائم بأسماء عناصرها للمخابرات البريطانية وتم اعتقالهم.

أقسام جهاز "شاي" الأربعة
يتضمن "شاي" أربعة أقسام رئيسية، هي:
- القسم العربي: مهمته التجسس على الفلسطينيين، وجمع معلومات مفصلة عن القرى والفلاحين، وإعداد قوائم بأسماء المجاهدين الذين شاركوا في ثورة 1936 تميهدًا لاستهدافهم وعائلاتهم. كذلك، شارك القسم العربي بالتخطيط للهجمات الإرهابية، وقد نفذ المهام الملقاة على هذا القسم ضباطٌ أتقنوا اللغة العربية.
- القسم الاقتصادي: مهمته جمع معلومات اقتصادية، وقد شمل عمله التجسس على حكومة الانتداب البريطاني وشرطتها.
- القسم الداخلي اليهودي: تخصص بالتجسس على التنظيمات اليهودية العسكرية التي انشقت عن "الهاغاناة"، مثل "الارغون" و "ليحي".
- القسم الشيوعي: عمل في مجال التجسس على اتصالات "الحزب الشيوعي الفلسطيني" بالاتحاد السوفياتي والعرب المعادين للحركة الصهيونية.
يذكر أن غالبية ضباط "شاي" عملوا في صفوف الشرطة البريطانية، ونشروا مخبريهم في أنحاء فلسطين. وكان أغلبهم من اليهود الذين كانوا يعملون ضمن حكومة الانتداب وشرطته وجيشه وفي خدمة البريد والتلغراف. وبذلك، نجح "شاي" بالتنصّت على الاتصالات، كما أفلح بزرع أجهزة تنصّت في مقر اللجنة العربية العليا، وهي الكيان الذي مثّل الفلسطينيين خلال فترة الانتداب وقد ترأسه الحاج أمين الحسيني.

التصنّت.. سلاحٌ أول
زرع "شاي" رجاله في قطاع الاتصالات، ما وفر له القدرة الى التنصّت بشكل متواصل على الخطوط الهاتفية للزعماء الفلسطينيين وكبار موظفي الانتداب. وتعدت قدراته ذلك إلى حد التقاط الاتصالات اللاسلكية التي تبادلتها الحكومة البريطانية في لندن مع إدارة الانتداب في فلسطين.
وامتلك "شاي" جهاز تصوير وثائق، نجح بفضله بتصوير الوثائق الهامة التي كانت تصل الى البريد أو الشرطة او الدوائر الحكومية التابعة للانتداب، عن طريق مخبرين يهود أو بريطانيين. وقد بلغ نجاح "شاي" في هذا المضمار ذورته عندما تمكن جواسيسه من تصوير كتاب قواعد فك الشيفرات المخصص لتحليل الرسائل المشفرة المتبادلة بين وزارة المستعمرات البريطانية في لندن وحكومة الانتداب في القدس.
عشية صدور قرار الأمم المتحدة في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 1947، القاضي بتقسيم فلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني إلى دولتين إحداهما عربية والأخرى يهودية، توقع دايفيد بن غوريون، رئيس اللجنة التنفيذية لـ "الوكالة اليهودية"، دخول المشروع الصهيوني في صراع مع قوى عسكرية عربية نظامية. فأصدر تعليماته الى "الهاغاناة"، وخصوصا "شاي"، بالاستعداد لمواجهة التحديات الكبرى المقبلة. فتم ادخال تغيرات كبرى على عمل الجهاز وتكريس موارد مالية وبشرية أكبر ليكون جهاز الاستخبارات الرئيسي للدولة التي تلوح في الأفق، وليتمكن من جمع معلومات عن الجيوش العربية النظامية.
وبعد الإعلان عن إنشاء دولة إسرائيل، عُيّن إيسار هرائيل قائد "القسم اليهودي" في "شاي" رئيساً لجهاز المخابرات الإسرائيلية الداخلية "الشاباك"، الذي كُلف بملف الأمن الداخلي لجهة إحباط الهجمات. وتركز نشاطه على محاربة التوجهات القومية والوطنية للفلسطينيين داخل الخط الأخضر، ومكافحة التجسس السوفياتي والعربي.