| 

كأنني أزور اللدّ والرملة للمرةِ الأولى، أقِف في المكان، أنظر في جميع الإتجاهات. أرى النصف العربيّ ماثلاً أمامي بكل تفاصيله، أحياءُ فقرٍ في معظم البيوت العربيّة، أطفالٌ يلعبون في باحات البيوت أو قرب الشارع الرئيسي.
أقترب أكثر إلى المدينة في اللدّ، فأرى جزءًا من المعالِم التاريخيّة القديمة، أسترِدّ بلحظاتٍ حضارة عمرها سبعة آلاف عامٍ وأكثر. أنظر إلى البعيد، أعود إلى العهود القديمة، إلى زمن البيزنطيين والرومانيين، والحضارة الإسلامية، والعباسيّة، والأموية، وأعرّج في خيالي إلى زمن العثمانيين. وفي المدينتين، ترى فلسطين، كأنها لم تزل رغم بعض الآثار التي تآكلت بفعل الزمن. وألمح من البعيد أحياء عربيّة دمرها الاحتلال وترك فيها البؤس والفقر، وأحياء تحتاجُ إلى عملٍ شاق لإعادةِ إعمارها، بينما تكتسح العمارات الشاهقة الأحياء اليهودية.
هُناك، في ذاك الحيّ المتناسِق والمبني بنمطٍ متشابِه، تحضر أمام كل عمارةٍ ساحةٌ للعب الأطفال، ومصفّات للمركبات. هكذا مررت مِن الحي اليهودي الجديد بذهني إلى مركز المدينة، حيثُ كانت اللدّ والرملة عامرتين بالحياةِ والأملِ قبل النكبةِ.
اللدّ قبل النكبة: تُسابِق الزمن
ارتبطت المدن الفلسطينية الساحليّة بمسارٍ من التغيير والمُشاركة والإلفة. في اللد والرملة ويافا وعكا، تأسست مسارح تعمّرت بروادها، وعُرفت الأرض بزراعةٍ حقولٍ من الحمضيات. وازدهرت هذه المدن بالتجارةِ الداخلية والخارجية، وصدّرت يافا البرتقال إلى الدول العربيّة. ومُدّت سكة حديد، ربطت البلاد شمالاً وحتى القدس، وكان مسارها يمتد بين اللد والرملة باتجاه الجنوب. في المُقابل، كان المسار يُستكمل شمالاً باتجاه بيروت وبلاد الشام والعراق. كما اشتهرت اللد قبل النكبة بمطارٍ مركزيّ في المدينة، في إشارةٍ إلى حجم التطوّر الذي لحق بالمدن الساحليّة على نمو التاريخ.
ففي العام 1934، قررت حكومة الانتداب البريطاني بناء مطارٍ في اللد، لتأمين هبوط وإقلاع الطائرات من فلسطين إلى أوروبا وسائر البلاد في الغرب. وحمل المطار اسم "مطار اللد"، واختير موقعه شمالي المدينة على بعد نحو 4 كيلو مترات. انتهى العمل فيه بعد ثلاثة أعوام من المباشرة، وأصبح أكبر مطارٍ في فلسطين تستعمله المطارات المدنيّة والعسكريّة. وتحوّل إلى مركز هام للمواصلات الداخلية والخارجية، ومن خلاله ازدهرت حركة التنقُل جوًا وبرًا وبحرًا (نظرًا لقربها من مدينة يافا).
إلى ذلك، اشتهرت مدينتا اللد والرملة بالسوق الأسبوعي وعمره مئات السنين. وكان يُعقد أسبوعياً في كلّ يوم اثنين، ويفده تجار الماشية من جميع أنحاء فلسطين. بعد الاحتلال، أقفل السوق بسبب إغلاق الحدود وتحديد حركة الفلسطينيين.
انتشرت المدارس في اللد والرملة، وكذلك كان لهما مسرح. وزراعياً، احتوتا بيارات الليمون والبرتقال، أشجار النخيل والزيتون والتوت. وتميز أهل المنطقة بصناعة الصابون من زيت الزيتون، وصدّر اللداويون محاصيلهم إلى دولٍ عربيّة.
"داني"، أو كيف احتُلت بلدتا اللد والرملة
قرّر الإسرائيليون في يوم 9/7/1948 احتلال مدينتي اللد والرملة، والانطلاق منهما إلى مواقع الجيش الأردني لفتح طريق القدس بالقوة. وكانت المدينتان هدفًا مغريًا لقلّة القوات المدافعة من جهة، ولقربهما من مراكز القوات الإسرائيلية الرئيسية من جهة أخرى. كما أعطى الإسرائيليون الأسبقية لاحتلال اللد والرملة من أجل القضاء على تجمّع سكانيّ عربيّ قريب من تل أبيب، والقضاء على فكرة المناطق المحددة في التقسيم، والحصول على مكاسب إقليميّة واستراتيجيّة، وتخفيف الضغط عن القدس.
أطلق الجيش الإسرائيلي عمليته العسكرية تحت اسم "داني"، وقد تجندت لها "قوة البلماخ" المؤلفة من 6.500 عسكريّ، ومزودة بالدبابات والمدرعات والمدفعية البرية والجوية. وكانت النتيجة البديهية نجاح الإسرائيليين بتطويق المدينتين، وعزلهما. ولم تستطع القوات العربية المدافعة الصمود طويلاً أمام هجمات الدبابات والمدفعية الاسرائيلية. فاحتلت الأخيرة القرى ومطار اللد، ثم أسقطت مدينة اللد في العاشر من تموز العام ذاته، بعدما قتل الجيش الإسرائيلي خمسمئة مواطن عربيّ من سكان اللدّ، منهم 500 استشهدوا في مذبحةٍ نُصبت لهم في مسجد المدينة.
في صباح اليوم التالي (11/7/1948)، عقد اتفاق بين القوات العربية والإسرائيليين على تسليم مدينة الرملة بشروط مكتوبة، منها عدم التعرض للمواطنين، أو المساس بالأملاك. فاحتل الإسرائيليون الرملة، وجمعوا شُبان المدينة، وساقوهم مرفوعي الأيدي إلى مكان جمع الأسرى في مركز شرطة الرملة. بقوا فيه حتى السابعة مساء. في 13 تموز، طلب الإسرائيليون من السكان إخلاء الرملة، فرفضوا. أُجبروهم على الرحيل، وأركبوهم بسيارات حملتهم الى آخر نقطة باتجاه الشرق. هناك، تركوهم يسيرون على أقدامهم، واستمرت عملية الترحيل ثلاثة أيام. وصل معظمهم إلى الضفة الغربية.
راهن الرملة: "غيتو" عصريّ في الأحياء العربيّة
اليوم، يقيم في اللدّ حوالي 30 ألفاً من العرب، وفي الرملة 25 ألفاً. ولما يسأل أهل المكان عن واقعهم، يحكون عنه ثم يصمتون عاجزين عن فهم قسوةٍ فيه قبل نقلها. في واقعهم هذا، ازدهارٌ وبناءٌ راقٍ وشاهِق تشهده الأحياء اليهوديّة، مُقابِل حصار وغيتو وألواح حديديّة تفصل بين نمطي الحياة في اللدّ والرملة.
عن الرملة، تتحدث المهندسة بثينة ضبيط: "هذه المدينة تعطي مثالاً واضحًا لخرق حقوق الإنسان. وهي واحدة من أكثر المدن تهميشًا في البلاد. لا حاجة لنا لتأكيد القول بالأرقام، إذ تكفي صورة من مركز المدينة وأحيائها العربية لنلمس حجم معاناة سكان هذا المكان".
في الرملة التي كانت مدينة مركزية منذ أكثر من 400 سنة، كان يسكنها 20 ألف فلسطيني قبل تهجير أهلها في العام 1948، بقي منهم فيها اليوم 900 مواطن. معظم سكّان هذه المدينة زجوا في البلدة القديمة، في حي "غيتو". هو مجمّع سكاني لأهل الحيّ الذين حوصروا بعد الاحتلال، وهو الباقي من 3800 مبنىً قديما تعرضت للهدم. يبقى اليوم ما بين 800 و1000 مبنى مهددة، تحت سلطة "عميدار" (شركة حكومية إسرائيلية منوطة بصلاحيات في السكن).
الخطورة في ما تشهده الرملة تكمن في الفصل المتعمّد والتمييز بين العرب واليهود. وحي الجواريش يقدّم مثالاً حياً عن التضييق الذي يتعرض له العرب، إذ تم فتح "شارع 431" الذي يغلق الممرّ على الحي من الناحية الجنوبية. مأساة أبناء الجواريش تتلخص بأن الشارع الجديد يخفيهم. لن يتم الاعتراف بوجودهم، ولا بمستقبلهم هنا.
راهن اللد: الإنسان فيها غير مؤثّر
يشرح الأسير الأمني السابق مخلص برغال (53 عامًا) المشهد في اللد، اليوم: "يبلغ عدد المواطنين في اللد اليوم 90 ألفاً، بينهم 30 ألف مواطن عربي، أي أن العرب يشكلون ثلث عدد السكان. لكنهم يعيشون في ظروفٍ معيشية صعبة. الأحياء العربية مهملة بالكامل، وعلى جميع المستويات، بما فيها البلدية وجهاز التعليم وسلطة أراضي إسرائيل والبنى التحتية والحكومة المركزية. الإنسان فيها غير مؤثر، قلّة هم المتعلمون والأكاديميون وسط انعدام برامج ممنهجة. يوجد نصف مركز جماهيري للعرب، ما عداه لا نوادٍ، ولا مراكز ثقافية. معهدٌ واحد للموسيقى، "إطار"، موجود في الرملة. ويغفل الاسرائيليون الحياة الإجرامية التي تنمو في اللد والرملة وانتشار المخدرات نتيجة الظروف الحاكمة.. حتى قرّر كثيرون من اليهود الهروب من المكان، والانتقال إلى بلداتٍ يهوديّة آمنة مثل شوهم وموديعين".
ومع ذلك، تراهم يبقون في هذه المدينة. يشرح برغال ذلك: "لولا ما يربطنا بالمكان، لهرب المواطنون العرب مثل اليهود إلى عالمٍ أكثر أمانًا. لكنّ كثيرين تربطهم علاقة خاصة روحية ومعنويّة بالمكان، فأنا أشعر بكل خطوةٍ وحجرٍ في المكان يخاطبني، خاصةً أنّ منطقة المنتزه في وسط البلد كانت بملكية العائلة (40 دونمًا) زُرعت بالمشمش، وتحولت اليوم إلى حديقة عامة. لا يمكن لهذه الأرض إلا أن تشدني، فأشعر بارتباطٍ وثيق بها وكل معلمٍ ترسّخ في ذاكرتي".
يبتسم وهو يعود يفكر: "لعلّ الأساليب الوحشيّة التي اتبعها الصهاينة في العام 1948 هنا كان سببها المقاومة الشرسة لأهلنا.. اللد سُميت بالدولة الثامنة خلال النكبة، في إشارةٍ إلى الدول العربيّة السبع التي ساندت الفلسطينيين في زمن النكبة، وإن بشكلٍ غير كافٍ".
"نكاد نكون غزّة"
الأحياء العربيّة في اللد والرملة مهملة، أو بطيئة التطوّر بشكل حاد بالمقارنة مع الأحياء اليهودية. حي "المحطة" في اللدّ مثلاً، هو حيٌ فقير يحاذي سكة الحديد، تميزه شوارع سريعة تهدد أمن المواطنين.
عن نوعية الحياة هذه، تشرح عضو البلدية السابقة مها النقيب: "كل شيء في هذه الحياة صعب. موجودون في غيتو يكاد يُشابه حياة أهل غزّة، نظراً لانعدام البنى التحتيّة، وعدم وجود تراخيص بناء، وتهميش ممنهج من قبل بلدية اللد. حاولت المقاومة، كنتُ عضو بلدية مُعارِضة لعدة أشهر، قبل أن أنسحِب بعد الهجوم علي واستهدافي مِن قبل الإسرائيليين اليهود. وسبب تمسّكنا بالمكان هو أنّني أنا مثلاً من سكان اللد الأصليين، تاريخ العائلة يمتد إلى مئات السنين، وكذلك الحال بالنسبة إلى عائلة زوجي. ليس لنا مكانٌ آخر. عائلتنا تهجرت في النكبة إلى مخيمات الأمعري في رام الله، وإلى الشونة، بينهم والدي الذي عاد واستعادَ بيته غصبًا عن الاحتلال".
وتفنّد الصعوبة كما يلي: "الحالة الاجتماعية والاقتصادية قاسيّة جدًا في اللد، وخاصةً في حي دهمش الذي أسكنه: أطفالٌ بلا أطر ترعاهم، وهناك انعدام ميزانيات للمدارس، ونقص في الغرف الدراسية، وسوء حالٍ للأطفال بسبب عمليات الهدم، ملاحقة البلدية في اللد والرملة للمواطنين العرب في السكن والإقامة في تجاهلٍ تام لحقوق الإنسان، ونقص في الكثير من الخدمات، بالإضافة إلى ازدياد جرائم القتل وسط إغفالٍ وإهمال من الشرطة، وانعدام فرص العمل للرجال والنساء في المنطقة، وارتفاع نسبة البطالة، وعدم تشغيل العرب في المؤسسات الرسمية والشركات الإسرائيلية، وإخطارات الهدم المستمرة".