| 

تتعدد الوثائق التي يحملها الفلسطيني في حلّه وترحاله، إن على مستوى جواز السفر أو غيره من الأوراق ذات الصلة. المشهد قد يكون "سريالياً"، ومثله تعب العيش بها.
جواز السفر بالنسبة إلى الفلسطيني الذي يوجد على أرض وطنه في الضفّة الغربية وقطاع غزّة، هو واحدٌ عموماً، مع مراعاة خصوصية المقدسيين. فالمقدسيون أصحاب الهوية الزرقاء (الإسرائيلية) يحملون وثيقة سفرٍ مؤقتة تصدرها سلطات الاحتلال الإسرائيلي، بينما المقدسيون الذين لا يمتلكون هذه الهوية، أيّ المواطنين الذين يقطنون في البلدات والقرى الواقعة في محيط المدينة، يحملون جواز السلطة ذاته الذي يمتلكه نظراؤهم في الضفّة والقطاع.
أما الجواز الفلسطيني، ومدة صلاحيته خمس سنوات إلى نوعين، فهو بدوره يأتي بنوعين: الأول مخصص للمواطن العادي، ويعرف بالجواز "الأسود" ارتباطاً بلون غطائه الخارجي، وكلفة استصداره تبلغ نحو 60 دولاراً. أما النوع الثاني فخاص بالمسؤولين وفئات محددة من الشعب، ويطلق عليه اصطلاحاً اسم الجواز "الأحمر" أو "الديبلوماسي"، بينما تبلغ كلفة استصداره 100 دولار.
وبحسب بيانات وزارة الداخلية، فإن دفاتر الجوازات كانت تُشترى في السابق من ألمانيا، قبل أن يتم احضارها خلال الأعوام الخمسة الأخيرة من فرنسا بناءً على مناقصات طرحتها السلطة، ورست على الفرنسيين. وقد تم إلغاء خانة الديانة عن جوازات السفر الفلسطينية، في العام الماضي.
كيف يصدر؟ ولماذا "أحمر"؟
تشرف وزارة الداخلية على عملية إصدار الجوازات، ومقرها الرئيس في مدينة رام الله وسط الضفة، وهي توقفت على إصدار الجوازات تماماً في القطاع منذ الانقسام الذي شهدته الساحة الفلسطينية في العام 2007، وما رافقه من سيطرة "حركة حماس" على مقاليد الأمور في غزة.
ومن الأمور اللافتة في ما يخص استخلاص جواز السفر، أن إصداره بدأ أساساً من القطاع، عقب قيام السلطة الوطنية الفلسطينية في العام 1994. واستمرت هذه الحال لمدةٍ دامت نحو 10 سنوات، "حتى تم إنشاء مركز للجوازات في الضفة العام 2005"، حسب ما يشرح وكيل وزارة الداخلية حسن علوي لـ "السفير". ويكمل علوي: "أصدرنا أول جواز في الضفة في العام 2004 -2005، وكان أهل الضفة قبلها ينتظرون 14 يوماً لاستخراجه من غزة، نتيجة بعض العراقيل المرتبطة بظروف تلك الفترة".
إلا أن الباحث في "مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية" فراس جابر يرى في وجود جواز سفر عادي وآخر ديبلوماسي "تعبيراً عن نظام إداري مشوه، له علاقة بإنتاج ميزات لفئة معينة مرتبطة وظيفياً بمراكز القوة والسلطة. وبالتالي، فإن الجواز الأحمر يتيح لحامليه التميز عن الآخرين، عبر توفير مرونة لهم بالحركة تحت سياط الاحتلال".
وعبّر عن خشيته من أن جانباً من حملة هذه الجوازات، "لا يتفهمون الإشكاليات التي يواجهها المواطن العادي في السفر، وأصبحوا غير مكترثين أو معنيين بمواجهة الاحتلال وإجراءاته، خشية فقدان مصالحهم وامتيازاتهم". ويرى جابر أنه "لا توجد معايير محددة في الحالة الفلسطينية لمنح الجوازات الحمراء"، مضيفاً أن "الدول التي تحترم نفسها تمنح جوازات ديبلوماسية لحالات واضحة محددة وذات صلة بالخدمة العامة، لكن لدينا لا توجد معايير واضحة بهذا الخصوص".
في المقابل، يرى علوي أن "لا غبار بتاتاً" على مسألة تخصيص فئات معينة بجواز "أحمر"، معتبراً أن "النظام الأساسي حدد هذه الفئات". أما الفئات التي يشملها التمييز الإيجابي، فهي: "الوزراء، ووكلاء الوزارات، وأعضاء المجلس التشريعي الحاليين والسابقين، وأصحاب رتبة لواء، سواء عاملٍ أو متقاعد، والسفراء وأبنائهم، وأعضاء محكمة العدل العليا، وأعضاء النيابة، ورؤساء الطوائف الدينية".
الجوازات الديبلوماسية لا تتيح فرصاً استثنائية أمام أصحابها، ومع ذلك، فإن حَمَلتها يبقون قادرين على اختصار معوقات آليات السفر، عبر الاستفادة من المزايا التي منحتها لهم سلطات الاحتلال الإسرائيلي تحت مسمّى "في.أي.بي"، أي "الشخصيات المهمة جداً". وتشمل التسهيلات حق التنقل بحافلات صغيرة عوضاً عن الانتظار في الدور لساعات طويلة لدى الجانب الإسرائيلي المتحكم في عملية التنقل والحركة من الضفّة إلى الأردن وبالعكس. كذلك، لا يدفع أصحاب الجواز الديبلوماسي للجانب الأردني الضريبة التي تبلغ قيمتها 10 دنانير (نحو 13 دولاراً)، وهي ضريبة يدفعها كلّ مواطن وافد إلى الأردن من الضفّة.
إذ على الرغم من أن التمييز يبدو غير مناسباً، يقول علوي إن حامليه "على أرض الواقع، لا يتلقون أية خدمة إضافية.. أما أعضاء البعثة الديبلوماسية الموجودة في الخارج فيتلقون صفة ديبلوماسيين. لكنهم، على كل حال، يبقون بحاجةٍ إلى فيزا للدخول إلى الدول المختلفة، أسوة بأقرانهم ممن لا يملكون الجواز الديبلوماسي".
لا "جواز" في القطاع
منذ الانقسام، صارت الجوازات تطبع بالكامل في الضفّة، ما أثار حفيظة أوساط قيادية في "حماس"، وأعضاء في الحكومة المقالة (سابقاً)، التي كانت تتولى تصريف الأمور في القطاع عقب الانقسام. ولم تتوان هذه الأوساط عن اتهام السلطة بوضع عراقيل أمام اصدار جوازات لمواطني القطاع، ورفض فتح أي مركز لطباعة الجوازات في القطاع. قابلت "الداخلية" في رام الله ذلك بتأكيد عدم إمكانية السماح بطباعة الجوازات في القطاع، طالما لم تتمكن "حكومة الوفاق" من تسيير الأمور هناك بعد، لتنفيذ ما تم التوافق عليه بين حركتي "فتح" و"حماس" في غير اتفاق.
وبحسب علوي، فإن كادر الوزارة (موظفوها ما قبل الانقسام) لا يزال معطلاً في القطاع، و"لا يوجد أيّ تطوّر على صعيد العمل بمستوى الوثائق الموجودة في القطاع. ونحن نقوم بإرسال كل وثائق الأحوال المدنية إلى القطاع، سواء بطاقات الهوية أو شهادات الميلاد أو الوفاة أو نماذج تباليغ الولادة أو الوفاة، لكننا لا نرسل دفاتر جوازات السفر، حصراً".
اليوم، ما عادت تستغرق عملية تجديد جواز منتهي الصلاحية أكثر من ساعتين. وتتوفر في الضفة 4 مراكز لطباعة الجوازات حالياً، إثنان منها في رام الله، وثالث في نابلس يخدم مواطني شمال الضفة، ورابع في مدينة الخليل يخدم مواطني جنوب الضفة، وتحديداً بيت لحم والخليل.
وتصدر "الداخلية" سنوياً عدداً كبيراً من الجوازات وصل مثلاً إلى حوالي 196 ألف جواز في العام 2012، من ضمنها حوالي 65 ألفاً لمواطني قطاع غزة. وقد بلغ عدد الجوازات الصادرة في العام 2013 حوالي 147 ألف جواز.
وما يسترعي الانتباه في هذا السياق هو الاقبال المتنامي في القطاع على الحصول على الجوازات بعيد الحرب الإسرائيلية الأخيرة خلال الصيف الماضي، التي استشهد من جرائها ما يزيد عن 2200 شهيد. برغم الحصار الخانق على القطاع وإغلاق كل المنافذ، وعلى الأرجح بسببه تحديداً، أكد علوي أن "هناك إقبالاً غير مسبوق على الحصول على جوازات السفر، بالتالي فنحن نصدر شهرياً ما بين 4000-5000 جواز للقطاع".
وقد أثار تنامي الطلب على الجوازات في القطاع المخاوف من لجوء غالبية من المواطنين إلى استعمال الجواز بغرض الهجرة، وتحديداً عبر مصر، في سياق عمليات تهريب إلى دول أوروبية. ما انتهى في العديد من الحالات بقصصٍ أقل ما توصف به هو كونها "مأساوية"، مع غرق العبارات والسفن التي كانت تنقل المسافرين ووفاة المئات منهم.
بيد أن الباحث في "مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية" فراس جابر يقلل من شأن هذه المخاوف، في ظل الصعوبات التي يواجهها المواطنون الغزيون للخروج من القطاع، والوصول إلى مصر. فيشرح جابر: "في ظل الظرف السياسي القائم حالياً في القطاع، لا توجد امكانية كبيرة للسفر، بحكم التعقيدات التي لا تخفى على أحد أمام وصولهم إلى مصر. ما يجعل من الجواز أحياناً أشبه بوثيقة رسمية عادية، لا حول لها في الحركة".
ويتابع نقده لأداء الحكومة تجاه جواز سفر طال نضال الشعب من أجله رمزياً ولكن أيضاً فعلياً، فيؤكد أنه "لا يوجد أي عمل رسمي جدي لتطوير وضع الجواز وتصنيفه على المستوى الدولي، اذ يصنف الجواز الفلسطيني ضمن آخر 5-6 دول عالمياً".
يشرح جابر هنا أن التصنيف الدولي يلحظ مسألة الفيزا، إن عدم حاجة حملة الجواز إليها أو حصولهم عليها بسهولة نسبية: "في حالتنا، نحن دوماً بحاجة إلى فيزا للوصول إلى أي بلد باستثناء الأردن. أما إجراءات الحصول على الفيزا فطويلة ومرهقة، ومكلفة. لذا، فإن موقعنا في التصنيف، يعني أن النظام السياسي لا يقوم بما عليه لتسهيل حياة الفلسطينيين".
وإذا كان الحال احتلالاً وتصعب المسألة في ظله، فهو ينتقد عدم مبادرة الدول العربية بشكل عام، إلى إلغاء مسألة "الفيزا" أمام سفر الفلسطيني إليها، أو "بإمكانها منح الفلسطينيين تأشيرات لمدد معينة على الأقل للتسهيل عليهم. وللأسف أيضاً، بحكم وجود الاحتلال، ليس بالإمكان إبرام اتفاقيات ثنائية مع الدول غير العربية لتيسير عملية السفر بشكل متبادل".
خصوصية القدس: بي سي بي. وسواها
يحمل الكثير من مواطني الضفة، خاصة المقدسيين، جوازات سفر أردنية. فالمقدسيّون الذين يعيشون داخل المدينة، يحملون ثلاثة أنواع من الوثائق، أولها: الهوية الزرقاء الصادرة عن وزارة الداخلية الإسرائيلية، وهي تمنح حامليها مكانة "مقيم مؤقت". الوثيقة الثانية تصدر عن الداخلية الإسرائيلية أيضاً، وتعرف باسم "سي. بي. سي"، وهي وثيقة سفر مؤقتة لمدة عامين، تتيح لحامليها السفر عبر مطار اللد. أما الوثيقة الثالثة فهي الجواز الأردني المؤقت، ومدته خمسة أعوام.
ويفرض الاحتلال على المقدسيين في حالة السفر برّاً إلى الأردن (الممر الوحيد إلى العالم بالنسبة إلى مواطني الضفة الغربية)، دفع مبلغ يزيد عن 100 دولار، يشمل بدل ضريبة وتصريح سفر، ما يعتبره جابر إجراءً منهكاً بلا جدوى: "عادةً، الدول لا تفرض ضريبة خروج على مواطنيها. فلماذا تفرض مثل هذه الضريبة علينا؟ أعتقد أنها آلية فقط للجباية المالية، وتنغيص حياة المقدسيين".
ويشرح جابر، وهو مقدسيّ، أن الكثيرين من حملة الهويات الزرقاء يفضلون مواجهة التعقيدات الإسرائيلية في السفر جوّا عبر مطار اللدّ (بن غوريون) على السفر برّاً عبر الأردن، "ولو أن ذلك لا يعني أن كل الأمور على خير ما يرام في المطار وأن السفر مريح. العرب يتعرضون للتفتيش الجسدي، وغيره من الآليات التي تعتبر مهينة وغير انسانية، عدا التحقيق معهم أحياناً من قبل ضباط مخابرات". لكن إجراء منع السفر في الحالة الجويّة يستدعي عقد محكمة سلفاً، بينما سلطات الاحتلال أرجعت جابر عن الحدود البريّة، حتى بعدما استوفى رسوم دولة الاحتلال كاملةً. أرجعوه عند وصوله إلى آخر شباك اسرائيلي، قبل الانتقال إلى الجانب الأردني من معبر "الكرامة".
أما وثيقة السفر "سي. بي. سي." فهي تصنّف أقل من جواز سفر، وتتضمن إشارة إلى أن حاملها "يملك فيزا إلى إسرائيل لمدة عامين". ويشرح جابر أن "الميزة الوحيدة التي تتيحها هذه الوثيقة للمقدسيين هي استخدام المطار. لكن، بالمجمل تبقى الحاجة للحصول على فيزا، فلا يمكن مقارنة هذه الوثيقة بتاتاً بالجواز الاسرائيلي، وتصل فترة صلاحيته إلى 10 سنوات، الذي يتيح لحامليه دخول أميركا وأوروبا ومعظم دول العالم بلا فيزا".
وتزيد كلفة الحصول على هذه الوثيقة عن 100 دولار، ما ينطبق أيضاً على الجواز الأردني.
أما إصدار الجواز الأردني "فلا يتم إلا في الأردن، ويستلزم استخلاصه مدة أسبوع. وإذا تم احتساب نفقات السفر كاملةً إلى الأردن للحصول عليه، فإن المبلغ يصل أحياناً إلى نحو 300 دينار (قرابة 400 دولار). فلماذا لا يصار إلى إصدار هذه الجوازات في المحكمة الشرعية الأردنية الموجودة في القدس؟".
ويخلص جابر إلى أن التعقيدات التي يواجهها المقدسي تعني أن "سفره طويل، ومرهق، ومكلف جداً".
من جهته، يرى وكيل وزارة الداخلية أن الوضع الفلسطيني الحالي، بما فيه مقام جواز السفر، يفترض أن يشهد تحولاً "لا سيما إثر اعتراف نحو 140 بلداً بفلسطين كدولة". وقال: "إننا أمام منعطف غير عادي في ظل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، وهناك العديد من القضايا التي لا ندري ماذا سيحصل بخصوصها، مثل تغيير ترويسة جواز السفر من "السلطة الفلسطينية" إلى "دولة فلسطين"، خاصة أن هناك 140 دولة تعترف بنا كدولة، فهل يعقل أن تظل معاملاتنا تصدر باسم السلطة؟". وتابع: "كل الوثائق الموجودة حالياً هي من ضمن ما تم الاتفاق عليه للمرحلة الانتقالية من أوسلو التي كان يفترض أن تنتهي العام 1999. أعتقد أننا الآن أمام منعطف حقيقي، خاصة بعد تصريحات أقطاب الحكومة الإسرائيلية بأنه لن تكون هناك دولة فلسطينية". وتساءل: "هل هناك جواز في الدنيا يقول إنه صادر بناء على اتفاقية الحكومة الذاتية الفلسطينية، وفق اتفاقية أوسلو؟".
وختاماً، لفت إلى أن الوزارة عمدت عقب تنامي معاناة اللاجئين الفلسطينيين في غير دولة، مثل سوريا والعراق خلال السنوات الماضية، إلى إصدار جوازات خاصة بهم، لتسهيل حركتهم.