| 

كثيرون يعرفون عبارة المهاتما غاندي التي تقول: "إحمل محراثك واتبعني"، كثيرون يقدرون قيمتها المعنوية. هذه العبارة أصبحت أشبه بقاعدة نضالية يُبنى على مضمونها سلوك واضح في المقاومة الوجودية على المدى البعيد.
تلتقي هذه النظرية في فلسطين بالفنان الفوتوغرافي محمد بدارنة، الذي حمل كاميرته وراح يجول في أرجاء فلسطين التاريخية وخارجها، منادياً: "إحمل كاميرتك واتبعني"، مشتغلاً على تدريب المجموعات الصغيرة على التعبير عن نفسها أولاً، وتحمّل مسؤوليتها اتجاه مجتمعاتها تالياً. عمل مع الأطفال، ووضع حياتهم الخاصة في إطار الصورة، كحالةٍ من أحوال فكر المنظمات السياسية عند رغبتها بخلق مجموعات ناشطة في مواقع مختلفة، تلتقي على نهج ورؤية.
محتلّ أمام نفسه.. و "سناب شوت" للذات
في معرضه "ألعاب غير معترف بها" الذي استمر من 30 آذار (يوم الأرض) حتى 4 الجاري في "المركز الثقافي العربي" في حيفا، لم تتوقف الكاميرا على بعدها المفاهيمي، ولم تلغِ القيمة الإنسانية على حساب التقنية التي يمكن تقديمها واللعب فيها كأداة قادرة على التلاعب مع حقيقة ونقلها إلى غير محل. فما نجده لدى الفوتوغرافي محمد بدارنة يتضح في كيفية تعامله مع هذه الأداة، كقيمة تعيد للإنسان حضوره على الخارطة الفنية، وتستعمل وعيه في تأريخ التحولات السياسية التي تمتد بين إلغائية وحضور، كلٌ على حساب الآخر. وفيما يقدم الآخر "المحتل" كصورة من الموقع والمكان والزمان ذاتها تصبّ في سياق تجييش العدائية ضد الفلسطينيين، يعمل الحيفاوي بدارنة على تأصيل إنسانيته وإبرازها من خلال هذا الفعل الفني في ترقية الروح والأخذ بها لمساحةٍ مناقضة للمحتل تؤذي وحشية احتلاله، وتضعه أمام نفسه كمتّهم في تقييم الذات، مثلما يراه بدارنة.
إن ما يعتمده الفنان في رحلة العمل مع الكاميرا هو تحويل العالم إلى ستوديو صغير من خلال البحث عن مركّبات الضوء والتّكوين، مستعملاً اسلوب هنري كيرتيه بيرسون، المصور الذي اهتم ببناء الصورة التلقائية ("سناب شوت") قبل التقاطها. فكان يختار الأماكن مسبقاً، وينتظر تكوين المشهد تلقائياً، معتمداً في ذلك على رؤية معدّة مسبقاً لما يريد اخراجه. إن اعتبار هذه اللوحات فنا يأتي أساساً من قدرة المصور على تحويل مركّبات الصورة إلى مادة ليّنة قادر أن يبنيها كما يشاء بلا تصنّع.. هذه القدرة في خلق تصالح بين عناصر الصورة.
يذكّرنا محمد بدارنة بالمصور الفلسطيني محمود دبدوب، إبن مخيمات لبنان الذي عمل على توثيق الذاكرة الفلسطينية للأطفال والحياة، ونقل صوراً مختلفة عمّا نقله الإعلام للبيوت المدمرة وآثار المعارك والمعاناة آنذاك. ينتهج دبدوب أسلوب هنري كيرتيه بيرسون ذاته، فيبحث عن أصل القصة، وهي قصة الإنسان متمثلة بطفولتها المبتسمة، في محاولة لإيجاد بدائل للحياة بعيدة عن القنابل والتشرد. لم ينسَ ضحكات الأطفال وفرحتهم في الوقوف أمام الكاميرا أو معها عند رسم ملامح متجددة للمستقبل.
لا تسجّل إلا الضوء
بدارنة الحيفاوي يقامر باحترافيته الفوتوغرافية ويتجاهل الأبعاد المفاهيمية والمعاصرة للصورة. يستثمرها في المقاومة الفوتوغرافية للوجود بالنسبة إلى فلسطينيين يعانون كل يوم من محتلّ يعمل على هدم بيوتهم وتشريدهم من فضاءاتهم. ويستند بدارنة في مشروعه على الإنسان الحاضر الذي سيشكل في ما بعد نموذجاً خلاّقاً عن معادلة الحياة وكيفية تجاهل الأطفال لمعاناة يومية. فيتجاوزون واقعهم المرير ليتشاركوا مع أطفال العالم في البحث عن لعبة يرفّهون فيها قليلاً عن أنفسهم، بل ويخترعون ألعاباً قابلة للحياة في ظروف مختلفة عن الآخرين. فلا أساس ولا شكل لبيئتهم، حارات بلا شوارع، ومدارس بلا كهرباء، وبيوت بلا ماء، وأعوامٌ مشوهة لم تستخدم الهواتف الذكية و "البلاي ستيشن" وغيرها كأقرانهم الأطفال في أماكن أخرى.
يختلط علينا الشكل البصري في ما يقدمه بدارنة من صور.. فهل هي تقع في فضاء التوثيق، أم اليوميات، أم هي فنية بامتياز؟!
لا يمكن إلغاء كل هذه العناوين عن مشروع صورته، هي أقرب بتعريفها للـ "سوشل ميديا"، لكنها ليست من النوع الإفتراضي بقدر ما هي حقيقية تعتمد في بنيويتها على البحث والمعرفة والمشاركة. ولا يمكن فصل الصورة عن محتواها البيئي والسردي لما تخفيه من أسرار وحكايا إنسانية يرويها أصحابها. وهنا، يمكن التساؤل: لماذا لا يتم توثيق هذه القصص عبر الفيديو؟ وبدلاً من تقديم الإجابة لهذا السؤال، يجب الاحتكاك بالمعرفة التقنية لبدارنة بكاميرته الفوتوغرافية. فهي لا تسجل إلا الضوء، وما يدخل عليها من كمية هذا الضوء عبر لحظات سريعة لتخرج لنا مشهداً آخر. وربما، هنا السر في نجاح الصورة الفوتوغرافية بدلاً من سواها من وسائل الفن: أن تنقل لنا صورة واحدة معبّأة بالتفاصيل يمكن لمس ما وراءها بسهولة، يمكن لمس ما وراء سطح الصورة بسهولة. ويزيد المصور عليها طاقة وحيوية وفرح، فتكتمل الصورة من دون مشاهدة الفيلم كاملاً حتى.
الحصان، وقد أمسى وحيداً
قوة المعنى في الصورة تعتمد عند بدارنة على السياق والمفهوم للخلفية الثقافية المحيطة بالصورة. وهي تشبه قاموساً لمفردات بصرية وبيئية تتطلب الفهم الدقيق من أجل التوحد مع العمل، على الرغم من ملامسته لعواطفنا وقدرتنا على التضامن معه. لكنها خلفية تحمل في الوقت ذاته خطورة التضامن، حيث إنها بحاجة إلى فعل ومشاركة أكثر من حاجتها للتضامن. ففي مواجهة الاحتلال الوحشي واستخدامه لكافة الوسائل المتاحة من أجل صهر وتهجير الفلسطينيين، لا يحتاج الوضع إلى تضامن بل إلى عمل مقاوم ومساند لفلسطينيي الداخل، إن من خلال الصورة أو غيرها. فلا يجوز أن يتركوا وحدهم يقاتلون بلا امتداد لوجودهم بالطرق المتاحة.
الصورة حقيقة ثابتة، وهي دليل قاطع على الفعل الإنساني، ولا يمكن الاستغناء عنها واستبدالها. وقد عملت الكاميرا على تغيير جذري في مفهوم الفن، ودخلت الحداثة قبل وقتها منذ خمسينيات القرن الماضي. وهي دفعت بعجلة التطور الفني وقدرته في تحفيز العقل بالتفكير، كما في تجاوز العقل عبر تفعيل دور الإنسان الفكري كما دعا كلٌ من فرانسيس بيكون وايمانويل كانت، قبل اكتشاف الكاميرا. هي جاءت وأكدت هذا الفعل بالدعوة إلى التفكير واستخدام العقل كمحرك اساسي في فهم الوجود، لكنها أيضاً خاطبت الكثير من موارد المعرفة في وجود الانسان، أكانت حسية أو غير حسية. وعلى الرغم من التطور الواضح في مفاهيم الفن وحداثتها إلا أن الكاميرا بقيت تراوح مكانها بين الفنتازيا ودورها التقني كشاهد ومُسجل على التحولات في التجربة والقيم الانسانية، مهما تكرست أو تلاشت، بناءً على التطور الاقتصادي والاجتماعي في العالم.
يبدو أن انتشار الكاميرا حديثاً لم يساعد كثيراً على خلق مشاريع فنية إجتماعية وسياسية في فلسطين، لاشتغال النسبة الكبيرة من حملة الكاميرا على الصورة الصحافية نظراً للأحداث المستمرة في فلسطين المحتلّة، كما اشتغلوا على الصورة الجمالية غير المتسلسلة والمتكاملة لمشروع ناضج. وبقي بعضٌ يتعامل مع الصورة على مستوى بعدها المفاهيمي ولجهة تقديمها كصورة فنية خاصة لا توثق بالضرورة الحياة اليومية، وليس الكل مطالبا بذلك. لكن، في ظل وجود الكاميرا، كان من الواجب استثمارها لأفكار تساعد على نقل الداخل إلى الخارج، وتعريف العالم بحياةٍ تجري في فلسطين، بعيداً عن مقاربة الصحافة والتلفزيون. وهذا ما يكرسه الفنان محمد بدارنة لما يذهب لملاقاة الأطفال وهم يكتشفون ألعابهم غير المعترف بها.