| 

بعد انقطاع دام أكثر من سنتين، تفاجأ الغزيون عقب انتهاء الحرب بعودة بعض البضائع الإسرائيلية إلى المحلات التجارية. أثار ذلك حفيظة الكثيرين، ما دعا "المجلس التنسيقي الشعبي لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية في القطاع" إلى إصدار بيانٍ يعبّر فيه عن "استهجانه الشديد" لعودة إغراق الأسواق المحلية بتلك المنتجات. وطالب البيان إدارة المعابر بالتراجع عن قرارها بالسماح بالاستيراد من الشركات الإسرائيلية.
وكانت وزارة الاقتصاد في حكومة غزة ـ سابقاً - قد انتهجت سياسة إحلال الواردات التي تقضي باستبدال المنتجات المستوردة بالمنتجات المحلية، ومنعت على إثرها تلك البضائع من الدخول بهدف تشجيع المنتجات الوطنية وإحلالها مكان المستوردة.

الوزارة، أمام نتائج الحرب

يوضح مدير دائرة الاتصال والإعلام في وزارة الاقتصاد في غزّة طارق لبد لـ "السفير" موقف الوزارة من بيان المجلس، شارحاً أن قصف الاحتلال الاسرائيلي لعدد كبير من المنشآت الصناعية تسبّب بعجزها عن تزويد السوق بمتطلباته، فاضطرت الوزارة بعد الحرب للسماح للتجار بإعادة استيراد البضائع التي منعت دخولها سابقاً. وشمل السماح أيّ منطقةٍ في العالم، ولم يفرض عليهم دولة محددة، مؤكداً أن الوزارة فرضت ضرائب تصل إلى ثلاثة أضعافها على المنتجات الإسرائيلية، في محاولة للحدّ من دخولها إلى الأسواق المحلية.
ويؤكد لبد أن هذا القرار أتى لسدّ احتياجات السكان، وينفي ما يشاع عن أنه يخدم هدف زيادة تحصيل أموال الضرائب التي تجنيها الوزارة، منوهاً بأن المنتجات الإسرائيلية التي دخلت القطاع محدودة.
من موقعه، يقرأ المدير التنفيذي لاتحاد الصناعات في غزة خضر شنتورة الحال كالتالي: "عودة دخول المنتجات الاسرائيلية، سواء بكميات قليلة أو كبيرة، في ظل تنامي حملات المقاطعة في دول عربية وأجنبية عدة، لها تأثيرات سلبية وتضرّ بقطاع الصناعة الفلسطيني". يعتبر أن الوزارة اتخذت هذا القرار "بشكل فرديّ من دون العودة إلى الاتحاد أو إلى جهات أخرى، على خلاف ما قامت به عند اتخاذها قرار احلال الواردات".
واعتبر شنتورة في حديثه مع "السفير" أنه "كان بإمكان الوزارة منع دخول المنتجات الإسرائيلية والاكتفاء بالسماح بالاستيراد من الدول العربية أو حتى الأجنبية لسدّ العجز المحلي".
على مستوى نظري، يعتبر المحاضر بقسم الاقتصاد في "الجامعة الاسلامية" د. محمد مقداد أن الوزارة لم تكن تمتلك أي خيارات بعد الحرب سوى السماح للتجار بالعودة لاستيراد البضائع التي منعتها أو قننت من دخولها إلى القطاع سابقاً. وعزا عدم تحديد الوزارة لجهة الاستيراد "إلى الحاجة لتسهيل الاستيراد على التجار بحيث يتمّ سدّ عجز السوق المحلي بأسرع وقت".
يستهلك الغزيون المنتجات الإسرائيلية لعدم وجود بديل بجودة ملائمة، "ولذلك هم مضطرون إلى شرائها"، بحسب مقداد.

ما هي سياسة "إحلال الواردات"؟

أقرّت الحكومة في غزّة سياسة إحلال الواردات في العام 2013. يشرح لبد أنه أتى "على خلفية دراسة للواقع الصناعي الغزي ومدى قدرته على انتاج بضائع تتوفر فيها الشروط الثلاثة التي تعتمدها هذه السياسة، وهي السعر، والجودة، والكمية". وكانت الوزارة قد قررت تطبيق سياسة إحلال الواردات على مراحل عدة، فكانت البداية من الصناعات الغدائية والأثاث المنزلي والمكتبي والملابس، وكان من المقرر أن تكون المراحل التالية خاصة بالصناعات الأخرى، إلا أن "الحرب أوقفت العمل بها موقتاً".
ولكن، تعرّضت سياسة احلال الورادات في قطاع غزة خلال فترة تطبيقها لمعوّقات قد تبدو بديهية، نظراً لوقوع القطاع تحت الحصار منذ سبع سنوات. ويوضح مقداد أن المعوقات "تمثلت في إغلاق المعابر ومنع دخول المواد الخام، ما أثّر على جودة المنتجات المحلية وسعرها"، منوهاً بأن "هذه السياسة لا تناسب وضع قطاع غزة المحاصر، خاصة في ظل منع الاحتلال الاسرائيلي تصدير أي من منتجاته إلى دول العالم وإغلاق المعابر بصورة متعمدة".
حاولت الوزارة التغلّب على مشكلة منع الاحتلال دخول المواد الخام، من خلال الاعتماد على الأنفاق الحدودية بين قطاع غزة وجمهورية مصر العربية. إلا أن أوضاع مصر حالت دون ذلك، وفق لبد.

ضرر من اتفاقية باريس

تنص "اتفاقية باريس" الموقعة بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي على ربط الاقتصاد الاسرائيلي بالفلسطيني، وتحظر على الفلسطينيين استيراد عشرات السلع إلا من خلالها. ويرجع مقداد سبب توفر بعض المنتجات الاسرائيلية في الاسواق الفلسطينية بشكل دائم إلى تلك الاتفاقية.
كما يبيّن مقداد لـ "السفير" أن الاتفاقية، من الناحية الرسمية، "تنصّ على سياسة السوق المفتوح وفرض سياسة الرأسمالية في أراضي السلطة الوطنية، ولكن اسرائيل تقيد حركة التجار الفلسطينيين مادياً وتمنعهم من السفر".
ويتفق رأي وزارة الاقتصاد مع مقداد حيث تؤكد مصادر الوزارة أن الاتفاقية تساهم في تعزيز تبعية الاقتصاد الفلسطيني لذاك الاسرائيلي، وتضرّ ببالاقتصاد الفلسطيني أكثر مما تنفعه.
يشار هنا إلى أن الوضع الاقتصادي خلال فترة تطبيق سياسة احلال الواردات كان منتعشاً على مستوى الصناعات الغذائية بدرجة كبيرة، وبدرجة أقل على مستوى الملابس. ما ساهم في نمو الاقتصادي الفلسطيني، وتطوير القطاع الصناعي، وتوفير فرصة عمل لما يزيد عن 13 ألف عامل.
حددت الوزارة مدة زمنية لعودة العمل بسياسة احلال الواردات، ويوضح لبد أن الفترة مرهونة "بدخول أموال المانحين وإعادة بناء المصانع التي تدمرت بصورة تمكنها من استئناف عملها كما كان سابقاً". ويشرح أن الوزارة "تعقد اجتماعات بشكل دائم مع جهات دولية وعربية ومحلية من أجل إيجاد حلّ سريع لإعادة بناء المصانع وتزويدها بالمعدات والآلات اللازمة".
وكان الاحتلال الاسرائيلي قد دمّر خلال الحرب الاخيرة على قطاع غزة ما يقارب 860 منشأة صناعية، يتراوح دمارها بين جزئي وكلّي. وبلغت قيمة الخسائر مليار دولار، وفقاً لإحصائيات اتحاد الصناعات في غزة.