| 

العناوين العريضة للأعمال الفنية التي تتبلور حول المفاصل التاريخية للقضية الفلسطينية، تشكّل، بالنسبة إلى كثيرين وأنا واحدةٌ منهم، مثار تشكيك حول مقدرتها على المساس بأعماق هذه المفاصل، وإثارة الأسئلة الملحة فيها، وتقديمها ضمن محتوى شديد الحذر من الوقوع في الكليشيه الوطني والسياسي المسطّح. بل قد تشكّل عند البعض مادةً للتندر والتفكه حتى قبل تقديمها للجمهور.
وإن جئنا إلى المسرح كإحدى حواضن هذه العناوين، نجد أنه يواجه، إن أراد، تحديا ثانيا لا يقل ثقلاً ومسؤولية عن الأول، يكمن في رغبة صانعيه بتوسيع حدوده التي صممتها الكلاسيكية الأدواتية المسرحية، وفي مقدرتهم على تسخير وسائط فنية حديثة لمصلحة الخشبة وصورتها الشكلية، المرتبطة حتمًا بمقولتها الفكرية أو الفلسفية. هو ربط يجعل من هذين التحديين كتلةً واحدة تقف وراءها رؤية مسرحية حداثية نصبو إلى معايشتها ولمس ثمارها الفعلية على خشبات مسارحنا الفلسطينية، التي رغم صغر سنها، ننتظر منها الكثير.

«حقيقة» ما قبل النكبة

النكبة هي أحد هذه المفاصل، بل أهمها. يُظن لوهلةٍ أن تناول ما سبقها هو ابتعادٌ عن مفصل مطروق بكثرة في أعمالنا الفنية، وبالتالي، ابتعادٌ عن الشعار المستهلك الذي يكتفي بطرح قضية التطهير والتهجير كنتيجة فحسب، من دون أن يغوص في تناقضات ممهداتها ومنابتها. إلا أن هذا الظن يُقطع بيقين أننا نتعامل مع «ما قبل النكبة» بمنطق الشعار ذاته، ولكن بمعجم مختلف. فنقول إننا كنا نعيش حياةً سعيدةً، وكأنها الفردوس الذي فُقد عام 48، لنؤكد، بوعي أو بغفلة منا، فعل البتر المجتمعي والثقافي والوطني، وكأنه لا يصحّ ولا يصدّق إلا بوجود فردوس قبله.
نوافق إدوارد سعيد بأن دور المثقف هو إشهار الحقيقة، أيًا كانت، ومهما كان بعدها الفرداني، في وجه السلطان، فيما ذهب آخرون بها إلى إشهارها في وجه القبيلة. وربما يتشابه ذلك مع التعبير العاميّ «نشر الغسيل الوسخ».
مسرحية «1945»، الإنتاج الجديد لـ «مسرح الميدان» في حيفا الذي سيخرج إلى الخشبة في 26 آذار الجاري، تروي قصة قرية فلسطينية تدور حيوات شخوصها حول جمع غمار القمح ونقلها إلى البيدر، لتكون بداية لموسم حافل بالأعراس والأفراح. تبدأ حياة أهل البلدة بالتعكر، ما يؤدي في نهاية المطاف إلى إفساد فرحتهم وحلمهم في إشارة استعارية إلى قتل الحلم الفلسطيني عام 1945. هي مرحلة الانتظار الفلسطينية التي بدأ فيها وعد بلفور بالتحقق واندفعت الهجرات الصهيونية إلى فلسطين.
بالنسبة إلى منير بكري، مخرج المسرحية»، تسعى «الحقيقة» إلى معاودة بناء العلاقة بين النكبة وما قبلها، بين «الفردوس» وعملية فقده. إنه بناء يتطلب قليلاً من الشجاعة في طرح أسئلة حول عوامل داخلية مهّدت لمشهدية النكبة، ولعلها صمّمت جزءًا عضويًا منها، تتمثل بمسألة العمالة. هي أسئلة تستوقف كل واحد منا عند ما يبدو بديهيًا: «لم انتكبنا؟»، «كيف سمحنا لكل ذلك بأن يحصل؟». هذه هي الحقيقة التي يقول المخرج إننا لا نتعاطى معها بالشكل المطلوب، وربما دفناها تحت الأرض مثلما دفنت أشياء كثيرة عام 48، مثلما تقتل إحدى شخصيات المسرحية دافنةً معها سرّ خيانة الوطن لمصلحة الانتداب البريطاني.

إعادة إحيائها، لا قتلها

مقابل هذه الحقيقة المريرة، تُطل من نص مسرحية «1945» الذي كتبه عدنان طرابشة، فرحة جمعية يعيشها أهل القرية الفلسطينية في حياتهم اليومية، وفي موسم حصادهم، وعلاقاتهم المتلاصقة، وقصص عشقهم وزيجاتهم المؤجلة المترعة بالرغبة ونهفات «مجانينهم»، مصحوبةٌ بأهازيج شعبية وغناء جماعي ذي إيقاع سعيد.
إذاً، هي الفرحة في مجاورة المرارة، سبقت ومهّدت لعام النكبة، كما يقول طرابشة. ويرى فيها المخرج نقيضًا للفرحة المطلقة، فيسعى إلى إظهار النصوص الفرعية المتشعبة، وربما المتصادمة مع نص «الفردوس» في أذهاننا، مستعيناً بحقول فنية إضافية تشاركه كلٌّ بلغتها هذا السعي، كالموسيقى والفيديو آرت والحركة. وهي بدورها تجيب، بقدرتها الاستقطابية على التحدي الذي يواجهه المسرح في مقدرته على النطق بأدوات حديثة، تعمل هي الأخرى على نسف أنساقها الجاهزة وبناء معجم استعاريّ تبنيه على درب معادلةٍ فنيّة بين النص والنص الفرعي (Subtext)، ومن خلال التعامل مع التراث المرئي أو المسموع كمادة يتم تشكيلها بأدوات حداثية. وبالتالي، هي إعادة إحيائها وإخراجها من تصلبها، وليس قتلها، كما يقول مهدي عامل.
واضع الموسيقى، حبيب شحادة، يشكّل ألحان الأغاني الشعبية بهذه الأدوات. إنها منطقة تتقاطع فيها الحداثة والأصالة، فسعى إلى استحضار المزاج الصوتيّ العام لموسيقى الشام الكبرى، تلك التي تذكرنا بها القدود الحلبية أو موسيقى الرحابنة، تلك التي تعود بنا إلى حقبة زمنية كانت تشكل فلسطين فيها مركزًا في جغرافيا الوطن العربي، ثم يتصرّف بها عن طريق تفاصيل موسيقية حديثة. أما الموسيقى التصويرية فصمّمت كخيط دراماتورجي يشكّل جامعًا وحاضنًا لأحداث المسرحية، ذي مساحة موسيقية مختلفة، تتكئ أحيانًا على مزاج هذه الجغرافيا، ولكنها تجيء عبر أصوات قد تبتعد عنها، كأن تستعين بآلة البيانو التي يرى فيها المخرج استعارةً. يستعار فيها الألم والبتر عن طريق الصوت المعدني لها.

امتحانات قاسية

أما الفيديو آرت فيطمح له محمد خليل أن يشكل قيمة مضافة للمشهدية المسرحية في المحتوى أيضًا، لا أن يؤول أو يضيف قيمة جمالية فحسب، أي أن يعالج ما يتفرع من النص الأصلي، ما هو غير مرئي وغير منطوق وغير مجسَّد على الخشبة، فيتناص الفيديو معه ويحاكيه. سيعتمد تداخل الفيديو مع مجريات الخشبة على السلاسة، وكأنه، برمزية ما، يغدو إحدى شخصيات المسرحية أو تجسيدًا للا وعيها. فتشكل هذه السلاسة في الظهور والخروج والاتكاء على الرمزية أداة توائم بُعد «هنا والآن» في المسرح، ولكن توفر في الوقت ذاته بعدًا ثالثًا له. ثم يجيء التكوين الهندسي للسينوغرافيا التي استلهمتها مجدلة خوري من الأجواء والمادة والتفاصيل المرتبطة بتلك الفترة، قاعدة فيزيائية وفكرية في آن. إن هذه القاعدة تسعى إلى استيعاب الوسائط الفنية الموضوعة، على أن تتحرك جميعها في سيرورة متناغمة.
قد نكون، نحن، من يضع أمام هذه العناوين العريضة، المفصلية، امتحانات قاسية. ونحن أنفسنا نعلم جيدًا أننا لم نكتب تاريخنا بعد، وأن أناسًا آخرين كتبوه وما زالوا يكتبونه الآن. وربما نعلم، أيضًا، أن التاريخ الذي وصلنا ويصلنا لم ولن يكتبه قلمٌ واحد، هو متعدّد وغير متجانس ولا يشبه الحقيقة. هو نفسه التاريخ، غير الجاهز، غير المسلّم به، ذاك الذي يفكَك ويؤوَّل ويسأل كاتبُه أسئلةً قبل أن يكتب، حتى عن فردوسه. وقتئذٍ، قد تعبر العناوين العريضة من فوق الفخاخ

(]) مسرحية «1945» من تأليف: عدنان طرابشة، إخراج: منير بكري، موسيقى: حبيب شحادة، ديكور: مجدلة خوري، ملابس: مجدلة خوري وهيثم حداد، إضاءة: فراس روبي، حركة: سماء واكيم وسمر كينغ، فيديو آرت: محمد خليل، مؤثرات صوتية: فراس شحادة. تمثيل: إيهاب سلامة، خولة إبراهيم، ربيكا تلحمي، شادن قنبورة، شادي فخر الدين، صبحي حصري، طارق قبطي، مراد حسن، هنري أندراوس ومساعدة مخرج: خلود طنوس.