| 

جرش - الأردن، تشرين الثاني 2014.
في تشرين الثاني 2014، عقد "برنامج المجاورة الفلسطينية في غصن الزيتون – جرش" تحت عنوان "مجاورة العودة"، حيث ضمّ البرنامج فلسطينيين من الأراضي المحتلّة في العام 48 (أم الفحم، يافة النّاصرة، عسفيا، بيت جن)، والضّفة الغربيّة (مخيّم قلنديا، فرخة، رام الله، جنين)، والقدس، وغزّة، ومخيّمات اللاجئين في لبنان (البرج الشمالي، الرشيدية، نهر البارد، البصّ، البدّاوي)، ومخيم اليرموك في سوريا، ومخيم غزة في الأردن، بالإضافة إلى بعض المشتركين الأردنيّين من إربد وعمّان والسّلط.
استطاع مشتركٌ واحد ووحيد من غزّة أن يصل إلى "البرنامج"، من أصل 12 مشتركاً.
وقد هدفت المجاورة إلى تأمّل العودة وتجسيدها من خلال مشاركة القصص الشخصية، زيارة مناطق حدودية كأم قيس المطلّة على طبريّا، ومنطقة البحر الميّت. وتخلّلت المجاورة عروض تثقيفية، معلوماتية بمعظمها عن المناطق المختلفة، تمت معالجتها من خلال التطرّق إلى كل منطقة، واقعها، كيف يتجسّد الاحتلال فيها، الحالة الآنية وإسقاطاتها وكيفية التعامل معها، المبادرات الشبابية في داخلها، طرق المقاومة، كما العديد من الأفكار والصّور التي لا تزال عالقة في أذهان المشاركين.

• يامن عمر:
"أنا من كفر سبت قضاء طبريا، بس جدّ جدّي إجا من قرية اسمها سيدي عيسى بولاية المسيلة بالجزائر، هرب من الخدمة بالجيش بالحرب العالمية الاولى.
أنا ولدت بدمشق وعشت حياتي بمخيم اليرموك. مخيم اليرموك أحلى مكان في العالم، كثير حلو، فيو سوق كبير كثير، وبييجوا عليه كل السوريين. على فكرة، مخيم اليرموك فيو فلسطينيين وكمان سوريين. حتى هو شكله مش مخيم زي باقي المخيمات.
كل الناس في مخيم اليرموك بحبوا بعضن. أول الثورة السورية، كنا ننزل مظاهرة ضد النظام، ونهتف، ونحمل لافتات ونروّح على بيوتنا. وبعدنا بساعة تطلع مجموعة ثانية مع النظام، يتظاهروا، يهتفوا، ويحملوا لافتات ويرجعوا ع بيوتهن. هيك بدون ولا أيّ مشكلة.
حتى لمّا النظام قصف المخيم، بتذكر مرة خلص الأكل، والناس ماتت من الجوع، رحنا عند زلمة موالي للنظام، كان عنده مخازن أكل، كنا أنا وصاحبي كثير خجلانين نروح نطلب منه، بس ما لحقنا نحكيله قام أعطانا المفتاح وقلنا خذوا اللي بدكن اياه. آخر إشي ظلّت علبة باسترما وحدة. ما عرفنا شو نقول للزلمة واحنا رايحين نرجّعله المفتاح والرفوف فاضية كلها. كل المخازن فضيت.
مرة منهن كمان، فضيت المستشفيات، بطّل في حدا يعالج حدا، والناس عم بتموت قبالنا، واللي عم ينجرح وفش حدا شايفه. المهم، رحنا أنا وصاحبي وصرنا نتدرب ع بعض نعمل إنعاش، لحدّ ما صرنا نعالج الناس احنا، كنا مكيّفين وقتها.
بعدها، أنا رحت أدرس في الجزائر، بس ما قدرت أكمّل، واليوم أنا في عمّان، وعم بقدّم طلب عشان يصير معي إقامة دائمة. إمي وإخوتي في لبنان وما بقدر أروح لهناك أشوفهن، وأبي بعده بسوريا. صرلي سنة هيك. أنا عمري 23. وبصراحة؟ لمّا أسمع كلمة –عودة- بعرفش إذا بيكون بدّي أرجع على بلدي كفر سبت في فلسطين ولا على مخيم اليرموك.
العودة على فلسطين بالنسبة إلي إنه ما يكونوا كل هالقصص، العودة هي قصص تانية زي صيد السمك بعكا وكاس عرق، أو قعدة معك بعسفيا. وأكثر من هيك، العودة هي إنه لما أرجع يكون عندي مكان أنا منه، بكرهه وبحبّه وبعمل اللي بدي اياه فيه، هيك ببساطة".
يامن هو أحد المنظمين في فريق عمل برنامج "مجاورة".

• سعيد عبد العال:
أنا أصلي من الغابسية، قضاء عكّا في فلسطين. أنا خلقت في مخيم نهر البارد وربيت فيو في شمال لبنان. كنت عايش فيو لعمر 17 سنة. هي السنة اللي صارت فيها الحرب، حرب مخيم نهر البارد سنة 2007. قبل، كان المخيم هو كل شي بحياتي، المخيم هو شبه وطن. بعرف كثير منيح انه أنا لاجئ وموجود هون، وانه في بلد بدنا نرجع عليها، بس مش كثير كان في هالرّابط مع هالبلد، يمكن لأنه ربينا بس على شعارات، وإذا انت فلسطيني يعني لازم تكون في تنظيم. لازم دايما تلحق شعارات، بس ولا مرة حسيت إنه أنا لازم أتطلع على فلسطين وأشتغل لأرجع لفلسطين، وحتى للمخيم، كان مش أكثر من إنه شي شكلي. ب 2007�520 بالزبط الساعة 3 ونص الصبح، بتصحيني إمي بتقولي: قوم!! علقت، في صوت رصاص وفي صوت قواس وصوت ضرب.
قمت.
كل الحكي كان إنه عم ندور بين مين ومين ممكن تكون المعركة، مين الأشخاص اللي مشتبكين، ما كنا متخيلين انه ممكن تكون مع الجيش. رجعت بهذا الوقت ع بيت ستي القريب كثير من طرف المخيم وكان لازم أجيبها، اتصلت فيها قلتلها يا ستي جهزي حالك جاي آخذك، الوضع أبدًا مش منيح بالمخيم، ف ستي بترد علي بتقولي ما تخاف يا ستي، الوضع كثير منيح، عم يتمرنوا يا ستي عم يتمرنوا، وما رادت تيجي لعنا. بيتنا بييجي تقريباً بنصّ المخيم، طلعنا على بيت عمي أءمن، لأنه في بيتنا أنا كنت الكبير، وأبوي وأخوي الكبير مسافرين، وأنا بس 17 سنة، بهذيك الفترة ما كنت هالحدا اللي لازم يمكن يحمل مسؤولية أو اللي بيعرف يحمل مسؤولية، أبدًا ما كنت بعرف شو بدي أعمل. في بيت عمي بقينا للساعة 9 الصبح، والمعركة بلشت تكبر، فهمت شو عم بصير بس لما بلشت أشوف الناس عم بتموت، بلشت أخاف، لانه في برقبتي عيلة ومش عارف أحميهن، وما مرقت بهيك ظروف قبل. أول 3 أيام في الحرب كنت أساعد العالم، نعبي ميّ ونحاول نأمن أكل، لأنه انقطع الأكل والميّ في أول يوم، وثالث يوم دخلت قوافل وكالة الأنوروا، ومعها خبز ودوا، وتجمعت الناس تدافش في بعضها وتقاتل، كله بده ياكل، بس أنا كنت بعيد عن القوافل حدّ باب السوق، فجأة انقصفت السيارات، والخبز صار دم، والناس تركض وتدعس ع بعضها، يعني شبه مجزرة، المنظر مرعب.
هون خلص أنا شخصياً بطلت قادر أتحمل وصرت كثير خايف، والناس بلشت تطلع من المخيم. كثير ناس كانوا يوقفوا في الشارع يبكوا ويحكوا للناس من شان الله ما تطلعوا، كثير صورة هاي الناس بعدها معلقة في راسي. وناس تقول كيف بدنا نعيد تجربة نكبة ال 48؟ من يومين أحيينا الذكرى، ونعيدها إسا؟ بس يمكن أحييناها غلط وإجت حرب البارد عشان نحييها صح.
رابع يوم، النسبة الأكبر تركت المخيم، أنا معي إمي وستي اللي ما كانت خايفة أبدًا، إخوتي الثلاثة وواحد منهن مكسورة إجره، وبنت عمها لإمي. قلت لإمي خلص بدنا نطلع من المخيم، ما بعرف لوين بس بدي أطلع، ما عدت أقدر أظل، عبطتها وصرنا نبكي. يعني خلص تجربة ستّي وجدي رح نعيدها، وعم تنعاد معنا بطريقة مختلفة، ستّي ما قبلت تطلع بالبداية، بدهاش تعيد التجربة، مش رح ترجع تطلع من نهر البارد زي ما طلعت من فلسطين، وبنفس الوقت طلعنا على مبدأ أسبوع وراجعين على نهر البارد. الأسبوع مدّ لليوم. 8 سنين. أجبرت ستي وأهلي يطلعوا من المخيم. طلعنا باتجاه الحاجز وبلشت مرحلة جديدة، إجا الاعلام بده يحكي مع إمي قمت وقفت بوجه الكاميرا، ما تحملت ينشفق علينا.
مشينا لحدّ ما وصلنا مخيم البداوي، وهون كانت الصدمة، عجقة الناس وما في مكان تمشي، يعني نكبة فلسطين بس بطريقة ثانية، يعني لازم نسجل إنه احنا نازحين، ف كلمة لاجئ اللي ع هويتي عشتها. ووقتها، ما كنت قادر أحطّّ عيني بعين حدا من أهلي، خصوصا ستي، يعني أنا السبب بلجوئها الثاني. حسّيت بالنزوح بس لما نمت أول يوم وشفت إمي عاملة من كيس الحفاظات مخدتها. وإخواتي كنزاتهن مخدة ونايمين ع فرشة وحاطينها بالعرض.
مرة كنا عم ناكل، وأخوي الصغير عم يتطلع بمنقوشتي ، كان جوعان، أعطيته منقوشتي.
إمي كانت كل الوقت تلملمنا بحضنها، عشان إذا متنا نموت كلنا سوا، ما حدا يظل عايش بدون الباقي.
يا ريتني ما طلعت من نهر البارد.
بعدين صار كأنه نهر البارد بوابة العودة لفلسطين. وصرنا نعمل مسيرات عشان نرجع ع نهر البارد، بس مرة منهن ضربوا رصاص.
حرب مخيم نهر البارد قتلتني، ما قدرت أكفي تعليمي، مادياً ونفسياً، فهمت شو يعني ذليل، شو يعني محتاج. وكلمة لاجئ كثير صعب معناها لما تعيشها، بس كل هذا خلاني أفكر بفلسطين.
بعد فترة سمحولنا نفوت ع بيوتنا نطلّع اغراض إذا فيه، فتت ع المنطقة اللي ربيت فيها، رحت ع الأرض، كنت مبسوط وأبكي وأخبط ع حالي، يعني ذكريات وحياة صارت موجودة بين التراب، فطلعت ألولح بإيدي. بيتنا كان في الأرض.
أخذت حجر بس بعدين ع الطريق كبيته، شو بدي فيه، يمكن ما يكون من بيتنا أصلاً.
بعد 8 سنين من الحرب، اليوم، نازح، كالعادة قيادتنا بالصف الأول، حقنا انسلب، بيتنا كانت مساحته 130، واليوم مناخذه 60 ل 65 وعم يتفاضوا يزيدولنا شوي هيك شفقة.
لما شاركت بـ"مجاورة"، كانوا 5 أيام بس، بس عشت فلسطينيتي مية بالمية، بالحكي، بالتصرفات، بالصداقة. هاي الفترة خلتني أعرف حبي للأرض. حكينا عن العودة، وشفت فلسطين بعيون الناس. شفت فلسطين بعيون رأفت الرافض للتجنيد اللي ما بيشوف حاله هالشي العظيم بس أنا بشوفه بطل، وعساف العائد إلى علّار، اللي بس يحكي ع بلده بيتلبك. والضربة الأولى كانت لمّا وقفنا ع الجسر نودّع قسم من الفلسطينيين، قديش خلتني أفكر فعلياً باستراتيجية للعودة، ولو شخصية. لما وقفت ع البوابة، الحلّ اللي كان عندي إني أبكي، والشعور لليوم مش عارف أوصفه.
لمّا رجعت ع لبنان، حسّيت الغربة، وحسيت إني طولت كثير بلبنان، وبطلت أتطلع ع فلسطين كأنها حلم العودة، فلسطين عودة، بدنا نرجع. طب أنا هاي أرضي.
بعد "مجاورة"، صار عندي صحاب وإخوة وعيلة بكل فلسطين. ما بدي أنطر بعد، بدي أرجع. رح أشارك بلقاء لأهل الغابسية لتصوّر العودة، وهذا رح يصير حقيقة. واليوم، اللي بعرفه إشي واحد، انه هاي أرضي وحق العودة مش قرار منستناه من حدا، هو حقنا وإحنا صحاب القرار، لا أمم متحدة ولا سُلطة ولا دولة ولا سباط أحمر كمان".

• منير فاشة:
"ولدت في القدس عام 1941، يعني سنة الـ 48 وقت اللي بسموها –نكبة- كان عمري 7 سنوات، كلمة نكبة عربياً ولغوياً ممكن أنها تشير لزلزال يعني انتكب الناس من زلزال. هلأ في فرق كبير بين كلمة نكبة وكلمة جريمة، جريمة معناها في فاعل وفاعل عن سوء نية. اللي صار في فلسطين سنة 48 هو جريمة وليس نكبة. بتذكر بعض الأحداث الكبيرة مثل الانفجار في أوتيل سميراميس، وفي أوتيل الكينغ ديفد، لأنه كان أبي عنده تاكسي، فكان لما يصير في حادث من هذا النوع ياخذني أنا وإخواتي ونروح نتفرج. يعني كان دائماً يحاول أنه يخلينا نشوف شو اللي عم بيصير والخبر ما يكونش بس خبر وإنما يكون نوع من الخبرة. فبتذكر كل هذا الكلام، بس كمان بتذكر أكثر إنه كل ما يصير نوع من القصف من مستوطنة قريبة مننا، بيقور حاييم قريبة من بيتنا، يعني ما كنش في طبعا ملاجئ عند العرب، كانوا أهلي يفيقونا من النوم ويوقفونا تحت الأبواب لأنه باعتقادهم إنه إذا انهد البيت بيظل حلق الباب ممكن يحمينا، فهذه بتذكرها تماماً.
بعد مجزرة دير ياسين اللي صار أن الإسرائيليين أو وقتها كانوا اليهود، قتلوا كل أهل القرية ما عدا بعض الفتيات والفتيان، حطوا الفتيات والفتيان في زي Pick-ups ولفوهم في القدس وصاروا يقولوا إن أي واحد ما بيترك رح يصير فيه هيك رح يصير فيه زي ما صار في دير ياسين. فطبعا أبي وأمي خافوا، فقالوا ننزل على أريحا عند أقاربنا لأسبوع أسبوعين ومنعاود نرجع. يعني عمره واحد ما ترك بيته على أساس أنه مش رح يرجع. بس ما رجعنا.
بعد أسبوعين من حرب الـ 67، رحت على بيتنا في القدس، كان لي 19 سنة ما دخلت البيت وما وصلت المنطقة. راح معي واحد يعني صديق، وقلت له أنا كل اللي بعرفه أن البيت موجود على خط الحديد سكة الحديد. فظلينا نمشي، لمّا وصلنا سكة الحديد وكملنا، وصلت البيت وعرفته مع أنه كان عمري سبع سنوات آخر مرة لما شفته. فأنا يعني ذهلت أنه لسه البيت موجود وشجرة الليمون أمامه اللي كنت ألعب تحتها بعدها موجودة. كل الذكريات رجعت، فأنا دقيت على الباب، طلعت امرأة قلت لها أنا ولدت في هذا البيت وبدي أشوفه. صارت ترجّ، كانت حاملة مكنسة وبدها تكنس، قالت لي مش إحنا اللي أخذناه الحكومة اللي أخذته راجع الحكومة. هذا بعد أسبوعين من انتصار الحرب. قلت لها أنا مش جاي آخذه هلأ جاي بس لأنه عاطفياً مرتبط بهذا البيت حابب أني أشوفه. فهي خافت كثير وصارت يعني ترجّ أكثر وتصيح. فجاء الجيران والتموا، وفي واحد جاء ومعه بارودة، جارها وقال لها أنا بدخل معه يعني ما تخافيش، برضه ما قبلت، بعدين سألتني: أنت عربي؟ قلت لها: آه أنا عربي طبعاً، قالت لي: لا هذا البيت كان لمسيحيين. قلت لها: أنا عربي مسيحي، قالت لي: لا بس العرب المسلمين الفلاحين. قلت لها: العربي ممكن يكون مسيحي، ممكن يكون مسلم، ممكن يكون درزي، ممكن يكون يهودي، العربي مش لون واحد. قالت لي: لا هذا معناه البيت مش إلك. واحدة ثانية سألتني: أنت من بيت مين؟ قلت لها: من دار فاشه، قالت: صح، عارفين لمين البيوت، المهم قلت لها بالآخر أنا عربي ولا مش عربي هذا بيتنا وأنا ولدت فيه وبدي أشوفه وبرضه رفضت. ما دخلتني.
بعد عشرين سنة، بـ 1987، رحت دقيت على الباب طلعت لي نفس المرأة، قلت لها هذا البيت أنا ولدت فيه وبدي أشوفه، قالت لي برضه نفس الشيء. يعني خافت بس هذه المرة ما خلقتش يعني حوار، بس سكرت الباب.
رجعت سنة 2007، رحت يعني كل عشرين سنة. سنة 2007، رحت ما كانش في حدا، بس هاي المرة كانت معي زوجتي وكان معي أخواتي وعم بطلع لسه على البيت ولا شفت المرأة جاية من بعيد قلت لهم هاي هي، بس ما حبيتش أسألها لأنه كانوا معي.. فما سألتهاش هاي المرة. وما دخلت.
إمي بنت هذا البيت بعرق جبينها، كانت خياطة، أخذلها أكثر من عشرين سنة عشان تبنيه، وفي الآخر ماتت سنة 1984 بدون ما تشوف البيت اللي بنته. أنا قعدت في "هارفرد" 15 سنة، خمس سنين درست وعشر سنين اشتغلت، ما بقدر أقول أو أتذكر أي قول كان فيه حكمة، أمي ما كانت تحكي عن الحكمة لكن في كل تصرفها وفي كل إدراكها وفي كل علاقاتها وكيف ربتنا كان في حكمة. وهذا أنا اللي بدي أقوله، إن الغرب مبهر في التكنولوجيا، مبهر في العلوم، مبهر في كثير من الأشياء اللي عملها، لكن يفتقد الحكمة.
حصلت على الدكتواره بالتربية من هارفرد سنة 1988 وماجستير بالرياضيات من فلوريدا. لكن عام 1997 لما رحت على هارفرد كأستاذ زائر أولاً وبعدين بقيت عشر سنوات، العبارة اللي قرأتها في هديك السنة وألهمتني واللي بشتغل عليها من الـ 1997 لحد الآن وراح تظل بقية حياتي، هي عبارة للإمام علي: "قيمة كل امرئ ما يحسنه"، فش أجمل من هيك، يعني انت قيمتك مش في شهادتك ولا في بيتك ولا في كل الأشياء الثانية، انما في ما تحسنه، وكل إنسان يحسن شيئا.
اللي تعلمته من فلسطين إنه العيش بأمل أجمل من العيش بتوقعات، لهيك أنا أملي كبير، أملي كبير لسبب بسيط: لأن الأمل لا تستطيع أن تبرهنه وليس قضية عقلية.
أول مرة انتبهت للفرق الشاسع بين المجاورة والمحاورة كانت عندما قرأت مذكرات "واصف جوهرية" عن القدس. عاش "واصف" فترة حكم العثمانيين وفترة الاحتلال الانكليزي وكتب مذكراته. يذكر مثلاً كيف أن من بين أول القوانين التي وضعها الانكليز بعد احتلالهم للقدس في العام 1917 كان المتعلق بدخول ساحة الأقصى، حيث خصصوا أياماً للمسلمين وأخرى للمسيحيين وأياماً لليهود بحجة المحافظة على حقوق الجميع! قبل قدوم الانكليز، كانت ساحة الأقصى مكاناً لجميع الناس من دون حراس. لاحظي ما فعله الانكليز: حوّلوا الساحة من مكان يؤمه الرجال حيث يتحادثون، وتؤمه النساء من مختلف الخلفيات والأديان والمذاهب حيث يتجاورن ويجدلن أنسجة على شتى المستويات وحيث يتجاور الأطفال ويلعبون… حوّلها الانكليز من ساحة تجسّد التعددية إلى ساحة تكرّس الطائفية، واستبدلوا المجاورة إلى محاورة لفظية تؤدي في أغلبها إلى كراهية وتمزيق كما يحدث في المؤتمرات. ومن هون إجا تسمية البرنامج اللي عم نعمله كل فترة: مجاورة".
منير فاشة هو عضو مجلس إدارة "الملتقى التربوي العربي"، يسكن اليوم بين رام الله وأريحا.

• محمود عساف:
" اسمي محمود عسّاف، عمري 27 سنة، بعيش بمخيم قلنديا، انخلقت فيه وبعيش فيه وما عشت بمحل ثاني، بس أنا أصلي من بلد إسمها علّار. أنا واحد من الفريق التنفيذي للملتقى التربوي العربي/ فلسطين، وواحد من منظمي "مجاورة العودة".
العودة الأولى لعلّار كانت في أيلول 2014، زرت بلدي لأول مرة وأنا عمري 27، وبس لعدة ساعات، قلبي كان يدق كثير كثير ومتوتر لدرجة إني حاسس إنه فعلا ركبي كانت ترتجف بس ما بدي أبيّن هذا التوتر للمجموعة إلي كانت معي، ما بعرف ليش خبيت مشاعري وتظاهرت إني طبيعي هذا الشعور كان وأنا جنب سامر بالسيارة متجهين لعلار! بالطريق، واللي هي مش أقرب طريق لعلار من القدس، كانت أحراش القدس كأنها بتقول يا هبايل ضحكوا عليكم وحكولكم رام الله والبيرة مدن، ما كنت بتخيل إنه في أحراش بالقدس وتكون بكل هالجمال والروعة. ولما وقفنا ع مطلة، شفنا البحر منها وهي على الشارع والشارع على راس جبل وتحته واد كله أحراش، طبيعة بجمال ما بعمري شفته واقعياً وكنت بتمنى لما أشوفه بالأفلام إني أروح ع مكان مثل هذا.
كملنا الطريق لعلار ولما دعاء صفت السيارة واللي هي قائد المسير نزلت من سيارة سامر وأنا بتفرج فيها وكنت بستنى فيها تقول لي حاسس إنه إحنا تايهين، بس هي قالت لي "ولك محمود إحنا بعلار" وابتسمت.
تفرجت حولين المكان طبعاً، إحنا على راس جبل وهالجبل قباله جبل ولحد الجبل الي قباله والواد الي بينهم علار. تفرجت كثير وأنا بتمنى بعقلي وبقول يا رب تكون علار وما نكون مخربطين. تفرجت بعد شوي وشفت بيوت قديمة. ولما مشينا شوي، شفنا بقايا الكنيسة اللي كانت بالقرية وأنا بقول طبعاً بعقلي لأني ما حكيت شي فعلياً: يا الله جدي كان بشبابه هان!
بدينا نزول من الجبل اللي إحنا فيه وأنا مسحور بجمال الطبيعة وحاسس الفرحة مش واسعتني إنه آه والله انها حلوة والحمد لله انه أصلي من بلد بهذا الجمال! كنت متخيل علار وبحبها من قبل ما أشوفها، بس مكنتش متخيلها بهذا الجمال وهاي الروعة. ومش لرمزية اللجوء وإنها بلدي اللي مهجر منها شفتها حلوة، بس هي والله بتجنن بطبيعتها بشجرها بالواد اللي هو ع الأغلب زيّ ما كنت بسمع من سيدي إنه علار التحتى والجبل علار الفوقا كان نفسي أشوف بصل مزروع عشان سيدي كان يحكي إنه البلد كانوا يسموها علار البصل لإنه علار الفوقا كانوا يزرعوا بصل كثير. بس لما فكرت شوي، تذكرت إنه اللي كانوا يزرعوا بصل هلقيت عايشين بمخيمات!
مشينا وأنا بتذكر مرة فكرت إنه لما أزور علار شو رح يوقفني عن البكا. والغريب إنه كل المشاعر اللي كنت متخيل أحسّها ما حسّيتها ما حسّيت إني ضحية أو يمكن ما كنت بدي أبين إني ضحية والأصدقاء اللي معي يطبطبوا عليا ويواسوا فيا. شي وحيد حسيت فيه إنه حاسس بطاقة كبيرة، وجاي ع بالي أكمل مشي بكل متر بالبلد، وكان نفسي أركض أركض أركض لحد ما ينقطع نفسي، وبدي أكون خيالي ورومانسي شوي، حسيت إنه نفسي أطير بعرفش كيف حست هيك بس كان نفسي أطير!
وصلنا شجرة ضخمة. بدون تفكير، لقيت حالي بشعبط وبتخيلش إنه حد شاف هالشجرة وما شعبط عليها. وتخيلت لو إني ولد صغير وتربيت هان، قديش كنت رح أتشعبط ع هاي الشجرة أنا وصحابي بعلار... يمكن كنت رح أشرد من المدرسة وآجي أشعبط أو يمكن كنا عملنا مرجوحة عليها، أو يمكن كنت رح أتسابق أنا وصحابي الي كانوا رح يكونوا بعلار أنو بيتشعبط على راس هاي الشجرة أسرع يمكن كنت رح أوقع عنها وتنكسر إيدي! الله أعلم شو كنت رح أعمل عند هالشجرة لو ما تهجرنا! إنقطع هالخيال وهالتفكير لما شفت صهيوني حافر نجمة سداسية على غصن من أغصان هالشجرة، حسيت بقديش الواقع مؤلم وهذا القذر حفر مكان كان ممكن أكون انا حافر حرف اسمي فيه! دورت على شي حاد وخربت النجمة.
مشينا شوي ولقينا عين ميّ بسيطة، إذاً هاي العين الي كانت ستي تنزل تعبّي منها واللي حكت اسمها عين البلد. كان نفسي هالعين تكون كبيرة، كان نفسي لو إنها نهر، وقتها كنت رح أصدق لما ميسم حكت إنها بتستنى بنهر النبيذ أو نهر العسل كنت وقتها رح أصدق انه اه إحنا بالجنة!
مشينا ولقينا بقايا بناء مهدوم، صرنا نتساءل أبسر شو هذا البنا؟ واحد من الاجابات اللي انطرحت إنها خربة، تذكرت "خربة التنور" اللي كان يحكي عنها سيدي! ممكن تكون هي خربة التنور وهذي بقاياها! واحنا بنتساءل شو هذا البنا، كنت بفكر إنه يا رب ليش بعرفش شو هذا البنا! ليش مش أنا اللي مستضيف صحابي على البلد أو ليش معشتش هان عشان أستضيف تجوال عندي بعلار! وأحكيلهم إذا كانت هاي خربة التنور أو أي شي ثاني!
مشينا شوي لقينا نخيل. دعاء حكت هي نخيل ممكن يكون في جنبه دير لأنه الأديرة عادة ما بكون جنبها نخيل. ولما رحنا عشان نشوف الدير، ولما وصلنا النخيل، تفاجأنا بغابة. هاي الغابة عبارة عن مساحة أرض بقدرها بدونمين مزروعة نخيل بشكل متناسق حوالي بين كل نخلة ونخلة ثلاثة متر، أول شي خطر ببالي إنه يا الله! في مكان زي هيك بالكرة الأرضية! مش معقول قديش هالغابة رائعة. وقتها ميسم قالت عن نهر النبيذ ونهر العسل.. ووقتها سامر قال حاسس إنه علار ثاني أهم مكان بعد الكعبة! من جواي، شو فرحت لما سمعتهم بيقولوا هيك وحسيت بنوع من العزّة، علارنا جميلة يا أهل علار، علارنا جميلة.
بعدها مشينا بالبلد وكنت حاسس بطاقة كبيرة نفسي ألعب وأركض لحد ما وصلنا عند شجرة صبر عليها صبرة وحدة مهند قطفها وحملها ودخلت بإيده شوكة فأخذتها ملك من طرفها من فوق وسحلت الصبرة. فبردة فعل تلقائية اللي بتيجي بدون تفكر، ملك لقفت الصبرة بإيدها الثانية، فكانت إيد ملك أشبه بعلبة دبابيس. حسيت بشوية مسؤولية إنه ملك ضيفة عندي بالبلد، ليش هيك صار! بديش هيك يصير..

• محمد حواجري - فنّان من غزّة:
تلك هي قصّة العودة إلى غزة بعد "المجاورة". وقد كان من الصعب التواصل مع محمد بعد المجاورة، بسبب مشاكل الكهرباء في غزّة المحاصرة.
"أنا رجعت إلى غزة ورجعتي كانت ولا في الأحلام وغريبة جداً ومفاجئة جداً. بعدما انقطعت السبل، أنا قررت أن أعلن عن جائزة لمن يستطيع مساعدتي بالعودة إلى غزة. وكانت الجائزة هي أحد أعمالي الفنية. كان الإعلان يوم الأحد الماضي، وتفاجأت من بعض الناس اللي تواصلوا معي للمساعدة وحاول بعضهم فعلاً مساعدتي، ومنهم من له شأن مرموق. ولكن المحاولات فشلت لأن ظروف خروجي من غزّة كان عبر معبر رفح البرّي، وكان من المستحيل أن أدخل من معبر آخر، وخاصة معبر يكون تحت السيطرة الإسرائيلية. ولكن القدر أكبر من ذلك. إذ اتصلت بي سيدة أعمال من رام الله، وقالت لي إنها تستطيع أن تساعدني بالدخول والعودة إلى غزة. وفعلاً، قالت ونفذت. خلال أقل من 24 ساعة، كنت في غزة لا اعرف كيف وما هي الطريقة ولكنها كالسحر. وأيضاً، قالت لي إنها تساعدني بدون أن تفكر بجائزة الإعلان الذي نشرته على صفحتي على "فايسبوك"، وهي كانت مؤمنة بمشكلتي ومتعاطفة معي".

• دالية نصار:
"اسمي دالية نصّار، وعمري 23 سنة. عايشة حالياً بين رام الله والقدس، مجبورين نقعد في بيت في القدس أوقات كثير مشان نحافظ ع الهوية، بس حياتنا وشغلنا ب رام الله.
أنا انولدت في القدس لأم مقدسية وأب رفيدي. أبوي إجا من عيلة كثير كثير بسيطة وملهاش علاقة بالسياسة حتى، سيدي أبو أبوي تجوز ستي في القدس، هي مقدسية كمان، كان عندهن محل صغير، وسكنوا في بيت في المصرارة.
كان لسا أبوي مش مولود وستّي حامل فيو، وكان عندها ولدين وبنت. دخل الجيش الإسرائيلي ورموا قذيفة ع البيت في المصرارة، ستي وسيدي قدروا يحملوا عمي وعمي الثاني وما قدروا يحملوا عمتي، فوقعت من القذيفة ع الدرج ومن يومها صار عندها مشاكل عقلية في المخ. فاضطرت ستي بعد سنين إنها تبعثها للعلاج في لبنان، ووقتها ما كان وسائل اتصال بين لبنان وفلسطين. حطوها في مأوى هناك وانقصف المأوى بعد سنين، وما عرفوا هي ماتت هناك ولا وين، وهاي أول قصة كانت تربطني مع اللجوء والعودة.
بعدين أبوي كبر شوي، بس ظله صغير وأزعر، بتذكر لهلأ بس يحكيلي عن طفولته وعن احتلال الضفة، قلي كيف كانت القوات الأردنية تقول للشعب إنه إذا شافوا أي مظليين ييجوا يخبروهم، فأبوي كان يظل في الشوارع يدور ع المظليين عشان يخبر القوات الأردنية وطبعاً ما بينوا بالمرة. تم اعتقاله وهو صغير، في ال 67، وكان من أول المعتقلين الأمنيين في سجون الاحتلال. وأول محكمة انعملت لإلو، أول محكمة إسرائيلية، مهو وقتها مكنش معروف، يستخدموا القانون الإسرائيلي أو القانون الأردني ولا القانون البريطاني. مجمل سنوات اعتقال أبوي هي مقطّعة 13 سنة، وكانت بأول سنوات الاحتلال فكانت أكثرها قمعًا وتعذيبًا. بعرفش اذا اليوم في أي شخص فينا ممكن يتحمل قدر التعذيب اللي عاشه أبوي واللي عاشوه الأسرى بتلك السنوات. يعني أبوي كان يقولي إنه لما تثلج الدنيا كانوا يطلعوهم برا مشلحين ويقعدوهم ع حديد، عشان يلزق جسمهم بهذا الحديد. وكل ما يناموا يضربوهم، كانوا يناموا على بساطير، مخدتهم كانت بسطار، مكنش في مخدات ولا حرامات، مكنش في أي إشي.
إمي.. ما بعرف شو بقدر أحكي عنها أكثر من إنها هي مها نصّار، محدّش بيعرف شو يحكي عنها أصلاً. اسمها دايمًا مرتبط بالنسبة لإلي بابتسامة راحة بتيجي من الناس لما يعرفوا إني بنتها. كل ما حدا يعرف إني بنتها بقولش اشي، بس بيتطلع علي وبيبتسم. مها نصار المناضلة الفذة، عضو اللجنة التنفيذية للجبهة الشعبية، من مؤسسات "إتحاد لجان المرأة الفلسطينية"، الإم اللي كانت تجبرني آكل النمل في الذرة مشان في ناس بالصومال بيتمنوا يلاقوا نملة ياكلوها، الإم اللي كانت تحممني أنا وأخوي وإحنا صغار مع بعض مشان أهل غزة مقطوعة عنهم المي، الإم المضربة عن الطعام في أقبية التحقيق لشهر كامل، الإم اللي كانت تروح من رام الله لمستشفى هداسا للعلاج الكيماوي من السرطان، وترجع لعملها السياسي والجماهيري بدون ما تتذمر أو تتوجع، الإم اللي توفت في الـ 2008 وتركت وراها سيرة كبيرة وأولاد 4 أحلامهم كبيرة، كلها بتنصب في الآخر بفلسطين المحررة ولابقة للأجيال الجاي.
من هون بقدر أبلش عن حالي أنا، العودة كانت بتشكل إلي واجب وطني وأنا مقصرة فيه، إيش معنى أنا هون واللاجئ الفلسطيني مش هون؟ العودة هي مش بس عودة الفلسطيني ع بيته اللي طلع منه من عكا أو طبريا، العودة هي الأحلام الكبيرة اللي جوا كل واحد منا، إنه نقدر نحلم بإشي أكبر من بيت انولدنا فيه وانحرمنا منه.
بس رحت ع "المجاورة"، فلسطين والعودة صاروا إشي أكبر بنظري، وصارت العودة هي عودتنا لذاتنا، صرت أقدر أشوف بعيون سعيد ووائل ويامن الوجع هذا، إنك بعيد عن حلمك، بعيد بالمسافة وبالأمتار بس. صدقًا، تعبت نفسيًا من إني أتطلع في عيونهم حتى، تعبت من المجاورة ككل، إني كمان أقدر أشوف رأفت الفلسطيني اللي مجبور يتجند، اللي كان ممكن يكون هو الجندي اللي بيدخل بيتنا وبفتشه، كان ممكن يكون هو اللي سرق من بنت أختي الطفولة لما اعتقلوا أبوها ل 3 سنين. وبس روّحت، وقفوني المخابرات الاسرائيلية عند الجسر، واحد منهم كان درزي، كنت بتطلع عليه وبشوف رأفت، بشفق عليه وبحقد عليه وبسأله بعقلي: وين رأفت اللي فيك؟ كيف قادر تحكي عربي وتكون واقف هون قبالي؟
وجربت كثير بعدها إني أكتب إشي عن "المجاورة"، وأنا بعادتي بعرف أكتب كثير بس معرفتش أكتب ولا إشي لانه أوقات لما تكون المشاعر كثير قوية كثير جواك بتعرفش كيف تطلعها لبرا. بس الاشي الوحيد اللي بقدر اقوله إنه العودة هي احنا لما نكون مع بعض. لما نقدر نلمس العودة رح نعود".

باريس - فرنسا، كانون الأول 2014:
• ر.ع - لاجئ سياسي:
"سنة الـ 2001، انسجنت أمني، وطالت المدة لـ 10 سنين. نقّلوني بين كل سجون الاحتلال، من عوفر للجلبوع لمجدو لوين ما بدك، شو بتتوقعي مني؟ أنا من جنين، ولما كنت أروح على المدرسة، كان في حاجز بين بيتنا والمدرسة، شو بدك من ولد كبر وهو يتفتش كل ما يروح على المدرسة؟ اه بدي أضرب حجار، عم بقارنوا بين دبابات وأسلحة ووراها جنود لحجار؟ ووراها ولاد صغار؟
لما كنت أفوت ع الداخل بتعرفي كيف كنت أفوت؟ كنت أزوّر هويّات. ومرة منهن، قعدت في حيفا عدة أشهر، زبّطت بيت مهجّر في وادي الصليب وسكنت فيه. وكان عندي كثير صحاب هناك. في مرحلة وأنا في السجن، كان مسجون معي شاب اسمه وئام عماشة من الجولان السوري المحتل، وكنا مضربين عن الطعام مع بعض. كنا نخبّي الملح في الفرشة عشان ما نموت من الجوع.
الأسرى لما يتحرروا كثير الناس بتحتفل فيهن وبتمجّد فيهن، بس ولا مرة بيعرفوا شو هذا الأسير عن جد مرق. وفي الآخر بينسوه، هيك كأنه لم يكن. وهيك صار معي، بعد ما طلعت بعد عشر سنين، انتسيت.
مكنش بنفع أظل في بلدي، رحّلوني من البلاد. فقدّمت لجوء سياسي على فرنسا، واليوم صرلي هون 3 سنين. أنا هون زيّ أيّ مواطن فرنسي، معي إقامة دائمة، ودفتر عيلة، وشهادة ولادة وكل إشي، ظل ناقصني الجنسية. والحصول على جنسية مرتبط باتقاني للغة، بس مش شكلي رح أتقنهاز كرهان كل إشي هون. بس بتصدقي؟ الظلم وين ما أروح. أول ما وصلت لهون، بعدني فايت ع المطار، صار في سوء تفاهم عشان اللغة، قاموا اعتقلوني أربع أيام. وقبل فترة كمان، كنت مطلّع معي سوريين في السيارة على ألمانيا، ومكنتش عارف إنه لازم يكون معهن تصاريح، قاموا لمّوني ع الحاجز واعتقلوني مدة 4 أشهر. الله وكيلك، وراك وراك.
المهم، بعد ما وصلت على باريس بفترة، تجوزت، وعاشت مرتي معي هون.
نيالك انت، جاي لهون بإرادتك، وجاي سياحة ومبسوطة، تخيلي إنك مجبورة تظلك هون وانت بدكيش! وحياة الله، الكل بييجي على باريس عشان جمالها، أنا مش شايفه! خذيني ع الكرمل، ولا على نزول طبريا من المغار مثلا، وبديش بعد إشي غير هيك.
على فكرة، من يومين صرت أب. بس ما شفتش بنتي، لأنه مرتي قررت إنه العيشة هون مش عاجبتها، وانفصلنا، ورجعت ع البلاد. طب أنا بقدرش أرجع. شايفة؟
بس بتعرفي؟ رح أرجع شي يوم حتى لو ممنوع، وآجي أزورك في عسفيا، بتشوفي!".