| 

عقوبات متتالية تشنّها حكومة الاحتلال الإسرائيلي على القيادة الفلسطينية منذ وقّعت الأخيرة على ميثاق روما تمهيداً لرفع قضايا في محكمة الجنايات الدولية ضد الجرائم الإسرائيلية.
العقوبات التي بدأت منذ أكثر من شهرين وتصاعدت قسوتها بالتزامن مع الحملة الدعائية للانتخابات الإسرائيلية، شهدت ذروتها المرحلية مع حجز المستحقات الضريبية "المقاصة". هذا الحجز أدخل فلسطين في حالةٍ من الشلل الاقتصاديّ، بعدما حرمت 180 ألف موظف يعتمدون على خزينة الدولة من تقاضي رواتبهم كاملة.
والمقاصّة هي أموال الضرائب والجمارك التي تقوم إسرائيل بتحصيلها نيابةً عن السلطة على البضائع والسلع الواردة أو الصادرة من فلسطين وإليها عبر الحدود الدولية، مع اقتطاع نسبة 3 في المئة من قيمتها مقابل جبايتها. وتقدر قيمتها بـ 500 مليون شيكل شهرياً، أي ما يعادل نسبة 70 في المئة من الايرادات العامة للسلطة، و60 في المئة من رواتب موظفيها (180 مليون دولار شهرياً).

الانتقام

يقول المختص في الشؤون الاسرائيلية فايز عباس لـ "السفير"، إن حكومة الاحتلال أرادت من الخطوة العقابية الانتقام من الفلسطينيين جراء توقيعهم على ميثاق روما، وتلويحهم بالذهاب الى "الجنايات". كما استغلت الخطوة في الحملة الانتخابية لرئيس الوزراء الإسرائيلي، زعيم حزب "الليكود"، بنيامين نتنياهو، المقررة في السابع عشر من الشهر الجاري.
ومن ضمن أهدافها، بحسب عباس، إن "إسرائيل تريد أن تعطي شعوراً للمواطنين بأن السلطة لا تساوي شيئاً بدون إسرائيل، وأنها من تتحكم بشرب وأكل الفلسطينيين"، بالإضافة طبعاً إلى توجيه رسالة واضحة إلى القيادة تقضي بعدم توجهها في المستقبل إلى الأمم المتحدة للمطالبة بقرارات تصب في مصلحة الفلسطينيين.
وحاول المستوى العسكري الإسرائيلي التأثير على نتنياهو في اتخاذ قرار يقضي بالإفراج عن الاموال، لكنه فشل "لأن نتنياهو لا يهدف إلا إلى الانتقام من الفلسطينيين لا أكثر"، يقول عباس.
وعن موعدٍ متوقّع للإفراج عن المستحقات الضريبية، يقول عباس إن "الافراج عن الأموال ليس مرهوناً بوقتٍ معيّن في ظل عدم وجود ضغطٍ حقيقيّ في الوقت الحالي من الإدارة الأميركية على حكومة نتنياهو".

الردّ الفلسطيني

بغرض الخروج من الأزمة الحالية، اتخذ المجلس المركزي لـ "منظمة التحرير الفلسطينية" قراراً أوصى من خلاله اللجنة التنفيذية بوقف أشكال التنسيق الأمني كافة مع سلطة الاحتلال الإسرائيلي، في ضوء عدم التزامها بالاتفاقات الموقعة بين الجانبين، ومن ضمنها اتفاق باريس الاقتصادي الذي لا تلتزم به اسرائيل.
لكن مصادر إسرائيلية استبعدت لجوء السلطة إلى تلك الخطوة، معتبرةً أنها تأتي في إطار الضغط على تل أبيب للإفراج عن الأموال، بحسب الإذاعة العبرية.
كما حمّل "المركزي" خلال دورته العادية الـ 27، سلطة الاحتلال مسؤولياتها كافة تجاه الشعب الفلسطيني في دولة فلسطين المحتلة كسلطة احتلال، وفقاً للقانون الدولي.
إلى ذلك، أعلنت "اللجنة الوطنية العليا ضد الإجراءات العقابية الإسرائيلية" عن تأسيس "لجنة لمقاطعة المنتجات الإسرائيلية"، رداً على قيام سلطات الاحتلال بمنع تحويل أموال الضرائب.
وقررت اللجنة منع دخول بضائع ست شركات إسرائيلية إلى الضفّة الغربيّة، وهي: "تنوفا"، "اوسيم"، "عيليت"، "بريجات" للعصائر، "يعفور"، "شتراوس"، بالإضافة إلى منع دخول الفواكه الإسرائيلية، والمنتجات الزراعية التي يقوم المزارعون الفلسطينيون بزراعتها.
وفي تصريحات صحافية، شرح رئيس اللجنة العليا محمود العالول أن هذه حملة "شعبية وليست رسمية"، وتأتي للرد على "قرصنة الاحتلال". وأوضح أن قرارات هذه اللجنة العليا تعتبر لاغية في حال تم الإفراج عن أموال الضرائب الفلسطينية من قبل الاحتلال.
وهنا، أكّد فايز عباس أهمية الاستمرار في الحملة، إذ إن الشركات الست عندما تشعر بخسائرها، ستضغط على حكومة نتنياهو للإفراج عن المستحقات، موضحاً أن السوق الفلسطينية هامة بالنسبة إليها، فكمية استهلاكها تكاد توازي تلك الاسرائيلية.

السلطة والشلل الاقتصادي

استبعد المحلّل الاقتصادي نصر عبد الكريم أن يؤدّي حجز "المقاصّة" الى انهيار السلطة، "وانما سيؤدي الى شلل اقتصادي لأن المشكلة سياسية - قانونية وليست اقتصادية"، مرجّحاً حلها في الفترة المقبلة.
وفي محاولةٍ لمنع الانهيار والمحافظة على دوران العجلة الاقتصادية، "تقوم السلطة منذ شهرين باقتراض الأموال من المصارف، لتأمين جزءٍ من رواتب الموظفين، قد يطال نسبة 60 في المئة منها"، يقول المحلّل الاقتصادي.
ويتجلى فحوى هذا الكلام عند النظر إلى المحال التجارية في مدينة رام الله مثلاً، التي تحوي أكبر عدد من الموظفين بالمقارنة مع المحافظات الأخرى، نظراً لكونها العاصمة السياسية، إذ باتت الحركة داخلها ضعيفة جداً، على الرغم من حملة العروض التي تطلقها لتشجيع المواطنين على الشراء.
ولفت عبد الكريم "السفير" إلى أن الوضع، في حال استمراره كذلك، سيتسبب بعجز المواطنين عن دفع الضرائب والرسوم، "وسترتفع معدلات البطالة والفقر، وستكون غالبية المؤشرات الاقتصادية سالبة خلال الربع الأول من العام الجاري".

"الصندوق الدوّار"

بناء على ما تقدّم، يؤكد المحلّل الاقتصادي نصر عبد الكريم أن "أيّ حلول اقتصادية لا يمكن أن تحلّ أزمة الرواتب من جذورها"، لافتاً إلى أهمية "تبني سياسات اقتصادية راهنة تساهم في مواجهة الأزمة الآتية مستقبلاً".
ويورد جملة حلول يرى أنها من الممكن أن تساهم في حلّ الأزمة مستقبلاً، منها: اتباع سياسة تقشف من خلال ترشيد النفقات وتقليل الاعتماد على الاقتراض والمساعدات، وتوسيع القاعدة الضريبية عبر تشجيع دفع الضرائب، وإدارة القروض البنكية، كما تفعل السلطة اليوم، من خلال الاقتراض لتوفير 60 في المئة من رواتب الموظفين.
ونوّه بحلّ استراتيجي هام وهو "الصندوق الدوار" الذي اقترح إعادة تفعيله عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" نبيل شعث، خلال جولته الأخيرة في أوروبا مع الرئيس محمود عباس، لمواجهة القرصنة الإسرائيلية لأموال الضرائب الفلسطينية.
و "الصندوق" هو اتفاق قائم منذ العام 1995 بين السلطة الوطنية وأوروبا، تم العمل به لمدة عشر سنوات. من خلاله، تقرض الدول الأوروبية السلطة مبلغاً مالياً، يتم تحصيله في ما بعد من أموال السلطة المحتجزة لدى إسرائيل.
كما أكّد عبد الكريم على ضرورة تفعيل "شبكة الأمان العربية" المتفق عليها مع الدول العربية، بقيمة 100 مليون دولار شهرياً.

مخاطر اجتماعية

يشرح أستاذ علم الاجتماع في "جامعة بيرزيت" نادر سعيد، بأن عدم وجود استقرارٍ ماليّ سيؤدي إلى درجةٍ من التوتر داخل الأسرة، لاسيما لدى الأب الذي سيجد نفسه في ضائقة مالية. ما سيزيد من درجات التوتر النفسي والاجتماعي، وقد يؤدي الى العنف.
ومن المخاطر الناجمة عن استمرار حجز الأموال، يزداد فقدان الاقتناع بالدولة، ما يقلّل الحس المدني لدى الأفراد ويعيدهم الى أفكار العشيرة والقبيلة.
وفي السياق ذاته، لفت سعيد "السفير" إلى أن قلة الأموال تضطر النساء عادةً الى العمل في بيوت آخرين، وقد تزيد أحياناً الضغوط على الأطفال حيث أنهم سيضطرون للعمل في الشوارع أثناء دراستهم. ما يرفع من نسبة عمالة الأطفال، ويؤدي إلى مشاكل في السلوك.
وعن الحلول المتاحة للخروج بأقل أضرار ممكنة من الأزمة، قال إنه "من الصعب أن يكون لدى المجتمع سكينة من دون الإحساس بالأمان الذي توفره الدولة او العمل الكريم. ربما يمكن التخفيف من حدّة المشكلة عبر زيادة برامج التوعية والإرشاد الاجتماعي، وإبقاء النقاش مستمراً في الأزمة للتشارك".
كما سيكون من واجب "مؤسسة الشؤون الاجتماعية" زيادة المساعدات للمحتاجين، بالإضافة الى دورٍ متوقّع من القطاع الخاص، "حيث تقع عليه مسؤولية كبيرة للتخفيف من الضائقة المالية من خلال المسؤولية الاجتماعية".



الإجراءات العقابية بسبب "روما"

اتخذت إسرائيل سلسلة إجراءات انتقامية بحق الفلسطينيين، منذ توقيع السلطة على "ميثاق روما" الذي يخوّلها محاسبة إسرائيل على جرائمها في محكمة الجنايات الدولية. ومن إجراءات هذه السلسلة، نذكر:
• أولاً: المطالبة بديون تبلغ قيمتها أربعمئة مليون دولار، هي حصيلة استخدام الطاقة الكهربائية لسنوات عدّة. وهنا، تجدر الاشارة إلى أن شركة الكهرباء الاسرائيلية قطعت التيار الكهربائي مرتين عن مناطق في شمال فلسطين بذريعة تراكم الديون، كما هدّدت بقطع الكهرباء عن مناطق واسعة في الضفّة الغربية. وقد دعا "المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في اسرائيل - عدالة" الشركة الكهربائية إلى التوقف عن قطع الكهرباء عن بعض مدن الضفّة الغربية، لا سيما أن الضفة منطقة محتلة تخضع للسيطرة الإسرائيلية. ما يزيد من مسؤولية إسرائيل في الحفاظ على استمرار الحياة فيها.

• ثانياً: الضغط على الكونغرس الأميركي لوقف المساعدات الاقتصادية والمالية، عملاً بالقانون الذي يجمّد هذه المساعدات في حال توجه الفلسطينيين إلى المحكمة الجنائية الدولية.

• ثالثاً: الاستعداد لرفع شكوى ضد المحكمة الجنائية، والطعن في قانونية عملها، بعدما رفض "مجلس الأمن" طلب السلطة الفلسطينية إقامة دولة مستقلة. ومعنى ذلك أن يتعذّر على رئاسة المحكمة اعتبار السلطة دولة. والسلطة، في هذه الحال، لن تستفيد من التوقيع كونه لن تستوفي شروط "ميثاق مونتفيديو" المتعلق بتعريف الدولة بأنها إقليم بحدود دائمة ومُعتَرَف بها.

• رابعاً: الادعاء بأن الجسم القضائي غير موجود في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة، بسبب هيمنة السلطات الإسرائيلية على التحقيقات والإجراءات الأمنية. ولذلك، سيتعذّر على "محكمة لاهاي" الاستناد إلى الهيئة القضائية الفلسطينية.