| 

يضطر أهل غزة اليوم إلى بيع قطع من أثاث المنزل، كسرير النوم وكنبة الجلوس، ومصاغ الزوجة، بثمنٍ زهيد لسد رمق الأسرة. كما دفع ضيق العيش بالعائلات الغزّية إلى ما هو أبعد من ذلك من أجل توفير بعض الحاجيّات الأساسيّة لأطفالهم، ومن أجل كَفِّهِم عن التسوّل.
حكايات أسامة وهاشم وآمنة وسواهم، ومعظمهم موظّفون حكوميون تابعون لحكومة غزّة السابقة، تسلّط الضوء على استحالةٍ تصيب العيش في القطاع المحاصر. فالموظفون فيه لا يتقاضون رواتبهم أيضاً.

نفترش الأرض بالذكريات

اضطرّ أسامة، المُتزوّج حديثاً، إلى بيع غرفة نومه التي لم يمضِ على شرائه لها عام واحد بعد، بسعرٍ بخس، لتأمين النفقات المعيشيّة اليوميّة، وسداد جزء من المستحقات الماليّة المتراكمة عليه لصاحب الشقّة التي يعيش فيها بالإيجار. وقد تردّت أوضاعه المعيشيّة بفعل عدم تقاضي موظّفي حكومة "حماس" السابقة أيّ رواتب من "حكومة الوفاق الوطني" التي تم تشكيلها منتصف العام الماضي.
يقول أسامة الذي يعمل مدرّساً، لـ "السفير": "أعيش في شقة بالإيجار، ويتعيّن علي دفع مبلغ 200 دولار أميركي شهريّاً لصاحب البيت، لكننا لم نتلقَ رواتبنا منذ أكثر من ثمانية أشهر، وكل ما نتقاضاه هو بعض السلف المالية التي لا تتجاوز قيمتها 200 دولار كل أربعة أو خمسة أشهر من "حركة حماس". لم يعد أمامي خيار سوى بيع أثاث غرفة نومي لتسديد جزء من الديون المتراكمة علي، وتدبّر أموري بما يتبقى من المال".
كلّفت غرفة نوم الشاب أسامة عند شرائها قُرابة 1500 دينار أردني، بينما باعها قبل أيّام بمبلغ 700 دينار أردني فقط، أي قُرابة نصف المبلغ. على الرغم من ذلك، ليس حزيناً على الخسارة الماليّة بقدر حزنه على فراق غرفة نومه التي يقول: "لي فيها ذكريات جميلة لن تُعوّض أبداً".
يوضح أنه بات يفترش الأرض بعد بيعها، لافتاً إلى أنه "إذا بقيت أوضاعنا كما هي بلا رواتب، سأضطر لبيع الثلاجة والغسالة قريباً".

كيلو طماطم

الموظّف هاشم علي حاله ليست أفضل بكثير، إذ يقول لـ "السفير" إنه يتعمّد الذهاب إلى عمله مشياً على الأقدام من أجل توفير بعض النقود لأشياء يعتقد أنها أكثر ضرورة من المواصلات التي تقلّه من منزله إلى مكان عمله.
يشرح هاشم: "أحاول توفير ما أستطيع من المال لأجل احتياجات الأسرة الملّحة، لذلك أخرج من منزلي أبكر من موعد العمل بساعة، وأسير على الأقدام لمسافة تُقارب أربعة كيلومترات، وأوفر قُرابة خمسة شيكل يوميّاً (أقل من دولار ونصف) فأشتري بها مثلاً كيلو بطاطا أو طماطم للبيت. هكذا نتدبّر أمورنا في ظل أزمة الرواتب".
أما آمنة إبراهيم فقد لجأت إلى بيع مصاغها الذهبي من أجل تدبّر الأوضاع المعيشية الصعبة التي تعاني منها الاسرة، خاصة بعدما فقد زوجها عمله في مصنع للباطون ـ الأسمنت المسلّح - استهدفته الطائرات الإسرائيلية خلال الحرب الأخيرة على غزة.
تحكي لـ "السفير": "الحياة في غزّة صعبة للغاية، وزوجي يبحث عن عمل منذ أن فقد عمله السابق، لكن من دون جدوى. فالآلاف يصطفون على بند البطالة، ما جعلنا نبيع أولاً طقم الكنب الخاص بنا، ثم لجأنا لبيع بعض الذهب الذي كنت أحتفظ به ليوم صعب".

قصة 42 ألف موظف

تعكس حكايات موظّفي حكومة غزّة السابقة، والعاطلين عن العمل في القطاع، حجم المعاناة التي يتجرّعها سكّان القطاع عموماً البالغ عددهم حوالي مليون وثمانمئة ألف نسمة. يعيشون، منذ فرض الحصار الإسرائيلي على القطاع، في ظل أزمات ماليّة خانقة ومتعدّدة، انعكست على الوضع الاقتصادي الفلسطيني المدمّر أصلاً، جرّته إلى مستويات خطيرة للغاية، لا سيّما بعد الحرب الإسرائيليّة الأخيرة على القطاع في الصيف الماضي.
يُعاني الموظّفون، وبشكل خاص، الذين عيّنتهم حكومة غزّة السابقة، بعد استنكاف موظّفي السلطة، إثر المواجهات والقطيعة بين حركتي "فتح" و "حماس" صيف العام 2007، يُعاني هؤلاء الموظّفون من أوضاع اقتصاديّة متردية للغاية، نتيجة عدم صرف حكومة التوافق الوطني رواتبهم أسوة بزملائهم التابعين لحكومة رام الله السابقة. وحتّى الآن، ما زال ملف هؤلاء الموظفين عالقاً. وبين الفينة والأخرى، تعمد "حركة حماس" إلى صرف سُلف مالية مجتزأة لهم كي يتدبروا أمورهم لحين حل الأزمة بشكل نهائي.
يبلغ عدد هؤلاء الموظّفين حوالي 42 ألف موظّف عيّنتهم "حماس" خلال فترة حكمها قطاع غزّة بين عامي 2007 و2014، وقد توقف صرف رواتبهم منذ تولّي "حكومة الوفاق الوطني" الحكم في حزيران/يونيو 2014.

الأحوال بالأرقام

إن التراكم هو ما أوصل القطاع إلى هذه الحال. يرتّب المحلل الاقتصادي الفلسطيني سمير حمتو المشكلات على النحو التالي: "الحصار الإسرائيليّ والحرب على غزّة، إغلاق الأنفاق الحدوديّة مع مصر ومعبر رفح البري، فضلاً عن الخلافات السياسيّة بين حركتي حماس وفتح، والأزمة الماليّة التي تعصف بمؤسّسات السلطة الفلسطينيّة في الوقت الجاري". ويضيف: "تسبّب الحصار الإسرائيلي المستمر الذي يدخل عامه الثامن قريباً في خلق واقعٍ معيشي مأساوي، ومن ثم جاءت الحرب ودمّرت المنشآت الاقتصاديّة والتنمويّة كافة، ونشرت مظاهر اليأس والإحباط في كل مكان".
وبحسب مديرة المؤسسة المصرفية الفلسطينية وصندوق التنمية الفلسطيني في قطاع غزّة نبراس بسيسو، فإن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة تسبب في تعطّل ما يقارب الـ12000 عامل نتيجة تدمير المنشآت الصناعيّة، بالإضافة إلى تعطّل 1200 عامل آخر بسبب إغلاق الأنفاق الحدوديّة مع مصر.
وأضافت في مقابلة تلفزيونية: "هناك 110 آلاف متخرج جامعي بلا عمل، في حين تُخرّج مؤسسات التعليم العالي حوالي 30 ألف طالب وطالبة يضافون إلى قائمة العاطلين عن العمل. ولا توجد فرص عمل لهم لأن القطاع العام لا يستوعب وظائف جديدة، حيث أنّه متخم بموظّفي السلطة الفلسطينيّة وموظّفي حكومة حماس". وأفادت أنه في الوقت ذاته، "السلطة الفلسطينيّة لا تستطيع استيعاب أكثر من 7 في المئة سنويّاً من المتخرّجين".
نسبة البطالة تشمل كل من يبلغ 15 عاماً وأكثر ويبقى من دون مزاولة أي عمل، بحسب التعريف الفلسطيني. وهي تبلغ في قطاع غزّة 42,8 في المئة، فيما تبلغ نسبة الفقر 65 في المئة، وفقاً لإحصاءات الربع الرابع من العام 2014 التي أوردها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. وحسبما يقرأ الكاتب والمحلل السياسي سليمان النبيل، فإنّ الأوضاع المعيشية الحاليّة في غزة أصبحت أكثر سوءاً من الفترة التي سبقت العدوان الإسرائيلي على القطاع بكثير.
ويشرح في حديثه لـ "السفير" أن "معدلات البطالة والفقر في ارتفاع متزامن، وإعادة بناء عشرات الآلاف من المنازل المدمرة سيستغرق عقوداً وفق معدلات البناء الحالية"، لافتاً إلى أنه من المفترض أن تبدأ عمليّة إعادة إعمار القطاع بعد ستة أشهر من وقف إطلاق النار.
وأوضح النبيل أن الاقتصاد الفلسطيني يعاني ركوداً شديداً، وهو مُهدد بالانهيار في أي وقت، لا سيما بعد استهداف الاحتلال الإسرائيلي مئات المنشآت الحيوية الاقتصادية في الحرب الأخيرة بصورة متعمّدة.