| 

إذا شاهدتم مئات الفلسطينيين من سكان القدس الشرقية يتكدسون أمام بناية في المدينة، فاعلموا أنها إما وزارة الداخلية أو مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيليتان.
قد يبدو الوضع أفضل حالاً في مبنى بلدية القدس الغربية، باعتباره قائماً في القدس الغربية ويقدم خدماته للفلسطينيين والإسرائيليين. ولكن، بالنسبة إلى المقدسيين، فإن البلدية والداخلية والتأمين الوطني هي كابوس يستهدف وجودهم في المدينة المأمول أن تكون يوماً عاصمة للدولة الفلسطينية.
نحمل رزماً من الأوراق ونقف عند أبوابها، يومياً، لإثبات الإقامة.. فلا تُشطب.

".. ألا يزيد عن 22 في المئة"

يختصر هذا الكابوس بشكل دقيق مدير "مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية" زياد الحموري في قوله إن "البلدية والداخلية تشتركان في موضوع هدم المنازل، فيما تشترك الداخلية مع التأمين الوطني في تبادل المعلومات حول إقامات المقدسيين، وبالتالي سحب الهويات. وعليه، فإن المشترك بين هذا الثالوث هو الحدّ قدر الإمكان من عدد الفلسطينيين في مدينة القدس الشرقية، وإحلال المستوطنين الإسرائيليين مكانهم".
ويشرح مدير دائرة الخرائط في "جمعية الدراسات العربية" خليل التفكجي أن "وزارة الداخلية والبلدية ومؤسسة التأمين الوطني تعمل على تطبيق السياسات التي تقرها الحكومات الإسرائيلية والهادفة إلى تطبيق قرار اتخذته الحكومة الإسرائيلية في العام 1972 يقضي بألا يزيد عدد السكان الفلسطينيين في القدس بشطريها الشرقي والغربي عن نسبة 22 في المئة من عدد السكان".
وعلى الرغم من تعدّد السياسات الإسرائيلية المصمّمة ضد المقدسيين، إلا أن عدد الفلسطينيين اليوم زاد عن 372 ألفاً، ما يشكل نسبة 39 في المئة من إجمالي عدد السكان في المدينة بشطريها الشرقي والغربي، بحسب معطيات "جمعية حقوق المواطن" في إسرائيل.

إثبات الإقامة.. وإلا شطبها!

يقع مقرّ وزارة الداخلية الإسرائيلية في قلب حي وادي الجوز في القدس الشرقية المحتلة، على أرضٍ كان من المفترض أن تكون مدرسة، تلاصق البيت التاريخي لمفتي القدس الأكبر الشيخ أمين الحسيني. بدوره، يتحول بيت الحسيني شيئاً فشيئاً إلى مستوطنة إسرائيلية جديدة، موّل إقامتها الثري الأميركي - اليهودي إرفينغ موسكوفيتش.
مع إطلالة كلّ صباح، ما عدا يومي الجمعة والسبت باعتبارهما يومي عطلة رسمية، يكتظ مدخل المقر بالمئات من الرجال والنساء والأطفال الفلسطينيين الذين غالباً ما تكون بحوزتهم رزم من الأوراق الثبوتية عن إقامتهم في المدينة. إذ تعتبر الحكومة الإسرائيلية المقدسيين مقيمين، وليسوا مواطنين وهو ما يفرض عليهم إثبات إقامتهم في المدينة حالما تطلب منهم وزارة الداخلية ذلك.
يوضح الحموري: "لإثبات الإقامة، يتوجب على المقدسي أن يقدم فواتير كهرباء ومياه وهاتف وأرنونا (ضريبة أملاك) وعقد إيجار أو تملك وشهادات مدارس للأولاد عن سنوات عديدة ماضية، وإلا فإن وزارة الداخلية الإسرائيلية تعتبر أنه غيّر مركز حياته، ما يمهّد لشطب إقامته في المدينة".
وليس الحديث عن شطب الإقامة شعاراً وإنما هو فعل، إذ تشير معطيات مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة "بتسيلم" إلى أن دائرة تسجيل النفوس في وزارة الداخلية شطبت إقامات أكثر من 14 ألف فلسطيني مقدسي منذ العام 1967.
وقد سجلت ذروة هذا الإجراء في العام 1997 حين تم شطب اقامات 1067 مقدسياً.
وبحسب المعطيات فإن الغالبية العظمى من المقدسيين تم شطب إقاماتهم بدعوى الرحيل إلى خارج البلاد، والقسم الآخر بدعوى الرحيل إلى الضفة الغربية.

كابوس سناء ومحمد

بين المنتظرين أمام باب مقرّ الداخلية، تقف سيدةٌ فضّلت تعريف نفسها باسمها الأول، وهو سناء.
سناء تسكن في حي سلوان في المدينة، غير أن طفلها محمد يدرس في مدرسة في بلدة الرام الواقعة خارج الحدود المصطنعة لبلدية القدس الغربية شمالي المدينة. ما تسبّب بتردّدها على مقرّ الوزارة مرات عدّة، وفي كل مرة كانت تجلب أوراقاً ثبوتية جديدة.
قالت: "لقد بلغ إبني محمد 16 عاماً، ولكنهم يرفضون إصدار بطاقة هوية له بادعاء أننا نقيم في الضفة الغربية، رغم أننا نقيم في منزل عائلة زوجي في سلوان. وقد قدمت لهم الإثباتات على ذلك إلا أنهم يعتبرون أن دراسة ابني في الرام هي دليل على تغيير مقرّ إقامتنا؛ وهذا غير صحيح". وأضافت بأسى: "يطلبون مني إثبات عدم صحة مزاعمهم، وعندما أجلب الإثباتات فإنهم لا يقبلون بها ويطلبون المزيد ثم المزيد".
هذه ليست مأساة سناء فقط، وإنما هو كابوس الكثيرين في مدينة القدس الشرقية. ويقول الحموري: "إن إصدار أو تجديد بطاقة الهوية أو وثيقة السفر هو كابوس بالنسبة إلى المقدسيين، فإضافة إلى اضطرارهم للاصطفاف في صفوف طويلة أمام مقر الداخلية صيفاً أو شتاء، فإن الدخول إلى المقرّ لا ينهي المعاناة، وإنما يؤذن ببدء مأساة إثبات الإقامة في المدينة".
ويشير الحموري الذي تتابع مؤسسته ملفات آلاف الفلسطينيين المقدسيين الذين يعانون من الدوائر الإسرائيلية الثلاث، إلى أن ثمة صلة مباشرة ما بين الداخلية ومؤسسة التأمين الوطني.

.. وأنا أنتظر

مؤسسة التأمين الوطني هي المسؤولة عن التأمين الصحي والضمان الاجتماعي بما فيها مخصصات شهرية للأطفال دون سن 18 عاماً، كما التقاعد.
ويقع مقرّ المؤسسة في شارع ابن بطوطة القريب من شارع صلاح الدين، القلب التجاري للقدس الشرقية. وعادةً، يكون مدخلها مكتظاً بالمواطنين المقدسيين.
التأمين الصحي إلزامي في إسرائيل، فتعمد المؤسسة في كثير من الأحيان إلى وقف تقديم خدمات التأمين لمقدسيين في حال شكّت بإقامتهم خارج المدينة.
قصد أبو داود المقرّ في ساعة مبكرة من الصباح حتى تمكّن من الوصول إلى موظف المؤسسة في ساعات الظهر. يشرح: "أرسلت لي المؤسسة في أحد الأيام نموذجاً من 8 صفحات لتعبئته، كله أسئلة عن مكان إقامتي وأهلي وعملي وتاريخ حياتي، على أن أرفق به فواتير كهرباء ومياه وأرنونا وعقود إيجار وشهادة زواج وشهادات مدارس لإثبات إقامتي في القدس على مدى 7 سنوات ماضية".
وأضاف: "قدمت الوثائق لهم، وقالوا إنهم سيفحصونها ثم يرسلون مفتشاً إلى منزلي، قبل أن يقرروا إعادة خدمات التأمين لي وعائلتي، وما عليّ سوى أن أنتظر.. إذا كان غريمك القاضي، فلمن تشكو همك؟".
ويشير الحموري إلى وجود "تعاون وثيق بين الداخلية ومؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلي، يتبادلان المعلومات عن المواطن المقدسي. فإذا ما شكت إحداهما في أنه لا يقيم في المدينة، ترسل معلوماتها إلى الأخرى. تتعاونان للحدّ من أعداد الفلسطينيين في المدينة".

مستوطنون نعم، فلسطينيون لا

تكاد تكون إشكالية لمّ الشمل أشد صعوبة بالنسبة إلى المقدسيين والمقدسيات المتزوجين/ات من مواطنين/ات من خارج مدينة القدس، وسط قوانين وقرارات حكومية تقيد المصادقة على معاملات لمّ الشمل.
وتقول أرقام "جمعية حقوق المواطن في إسرائيل" إن "هناك 965 عائلة فلسطينية تنظر إجراءات لمّ الشمل".
ووزارة الداخلية الإسرائيلية لا تختص فقط بإصدار بطاقات الهوية وشهادات الميلاد ووثائق السفر وشهادات الوفاة، إلا أنها أيضاً مسؤولة عن مخططات التنظيم للأحياء الفلسطينية وإصدار أوامر الهدم للمنازل التي تقول إنها أقيمت بدون ترخيص.
ويشير التفكجي إلى أنه "منذ الاحتلال الإسرائيلي في العام 1967، عمدت الحكومة الإسرائيلية إلى مصادرة مساحات واسعة من مدينة القدس الشرقية، بغرض إقامة المستوطنات. وصنفت 35% من مساحة المدينة كمناطق خضراء يمنع البناء عليها ولم تترك للفلسطينيين سوى 14% من مساحة المدينة وهي المناطق التي عليها بناء أصلاً". ويشرح: "وزارة الداخلية هي المسؤولة عن المخططات الهيكلية، وبالتالي هي تسمح بالبناء في مناطق وتمنعها في مناطق أخرى وتقرر هدم منازل في مناطق تعتبر أنه يمنع البناء عليها. أما البلدية فهي تصدر تراخيص البناء وتراقب عمليات البناء في المدينة وتقرر هدم المنازل أيضاً".
وأضاف التفكجي: "في حين أن وزارة الداخلية تمتنع عن المصادقة عن المخططات الهيكلية للأحياء الفلسطينية بغرض منع البناء، فإن البلدية تمتنع عن إصدار رخص البناء، إلا ما ندر. وفي حال إصدارها، فإن تكاليفها باهظة جداً بحيث لا يقدر على دفعها الكثير من المواطنين".
وفي حين يعاني المقدسيون من الحاجة لأكثر من 30 ألف وحدة سكنية راهناً، فإن البلدية تصدر ما معدله 150 رخصة بناء سنوياً في القدس الشرقية: "بالمقابل، فمنذ العام 1967 أصدرت السلطات الإسرائيلية رخص بناء لأكثر من 63 ألف وحدة استيطانية في القدس الشرقية، يقيم فيها الآن ما يزيد عن 200 ألف مستوطن"، يشرح التفكجي. ويضيف: "ما يجري على الأرض هو تقنين وترحيل المقدسيين الفلسطينيين وإحلال المستوطنين الإسرائيليين مكانهم".

الأرنونا

يتفق الحموري والتفكجي على أن هذه القيود الإسرائيلية دفعت بالمقدسيين إلى أحد خيارين: فإما البناء من دون الحصول على رخصة بناء والمخاطرة بإمكانية الهدم، أو الانتقال إلى أحياء تعتبرها إسرائيل ضمن حدود البلدية ولكن لا تطبق قوانينها فيها، إذ يعزلها الجدار العنصري عن المدينة، مثل كفر عقب وسمير اميس وقلنديا ومخيم شعفاط ورأس خميس.
ويعزل جدار إسمنتي المدينة عن هذه الأحياء في محيطها، ويعزل تالياً ما بين 110-120 ألف مقدسي، بحسب تقديرات الحموري: "هم ثلث المواطنين المقدسيين، وهم يحملون الهوية الزرقاء، إلا أنهم معرضون لإمكانية عزلهم نهائياً عن مدينة القدس في أي وقت تختاره إسرائيل".
وأضاف: "البلدية لا تهتم بعمليات البناء الواسعة والعشوائية التي تتم في هذه المناطق وكأنها، عملياً، تقول للمواطنين المقدسيين اذهبوا إلى هناك".
وكان رئيس بلدية القدس الغربية منير بركات قد أعرب في أكثر من مناسبة عن رغبته بنقل المسؤولية عن هذه المناطق إلى السلطة الفلسطينية.
وبينما تزيد كلفة الشقة السكنية في القدس عن 350 ألف دولار، فإن الشقة في تلك المناطق قد تصل إلى 70 ألف دولار. وبالنسبة إلى الكثير من الشباب المقدسيين، "طالما أن البلدية تصدر أرنونا لهذه الشقق، رغم عدم ترخيصها، فإنها تغريهم لأنها اقل تكلفة وضمن إمكانياتهم"، بحسب التفكجي.
وتعتبر ضريبة الممتلكات "أرنونا" التي تتقاضاها البلدية شرطاً لتقديم خدمات للسكان، وهي من أهم متطلبات إثبات الإقامة في مدينة القدس. من دونها، تعتبر وزارة الداخلية ومؤسسة التأمين أن الفلسطيني غير مقيم في المدينة. ولذلك، فرضت الضرائب الباهظة على رخص البناء، فتصل قيمتها إلى ما لا يقل عن 40 ألف دولار للشقة الواحدة.
وفي حال عدم دفع رسوم "الأرنونا" أو التأمين يعرّض المقدسيون أنفسهم للملاحقة من قبل دائرة الإجراء الإسرائيلية، التي تبدأ بمصادرة أثاث المنزل أو السيارة، وتمنعهم من السفر، وتمارس الاعتقال أيضاً.