| 

بخلاف الانطباع الناجم عن إطلاق وصف "العصابات الصهيونية" على المنظمات العسكرية الصهيونية التي نفّذت التطهير العرقيّ بحق الفلسطينيين، فإن الحقائق التاريخية تؤكد أن أكبرها، "الهاغاناه"، كانت جيشاً مكوناً من عشرات الآلاف من الجنود المدرّبين، يمتلك سلاحي طيران وبحرية، وجهاز استخبارات وقوات صاعقة، وإذاعة.
وإلى جانب "الهاغاناه"، اضطلعت "منظمة الأرغون"، التي تجاوز عدد عناصرها آلافاً عدة، و "منظمة ليحي"، بدور في تنفيذ مجازر بحق الفلسطينيين، وامتلكت الأولى جهاز استخبارات فيما نفذت الثانية هجمات ارهابية في أوروبا.
بالاضافة لاعتمادها على هذه المنظمات الإرهابية في قمع ثورات الشعب الفلسطيني خلال فترى انتدابها عليه، استخدمت بريطانيا هذه المنظمات في تنفيذ مهام حربية ضد الدول العربية.
إن التنافس بين "الهاغاناه" و "الأرغون" و "ليحي" أشعل حروباً بين هذه المنظمات، استُخدمت فيها الاغتيالات، بل إن الأمر بلغ في "ليحي" إلى السعي للتحالف من النازية، بعد تعاون أخواتها مع بريطانيا ضدها.
ينشر ملحق "فلسطين" تباعاً سلسلة مقالات تعالج هذه المنظمات العسكرية، وتوضح موقعها الفعلي على الأرض ودورها في إحلال النكبة.
في عدد كانون الثاني، قدّمنا "الهاغاناه". في عدد شباط، "الأرغون".
في عدد آذار 2015، نقدّم "ليحي".


مثلما ولدت منظمة "الأرغون" من رحم "الهاغاناه"، فإن "ليحي" جاءت ثمرة انشقاقٍ آخر، ضرب "الأرغون" إثر خلافٍ بين قياداته حول تشخيص الأولويات في ما يتعلق بالتحالف، إما مع بريطانيا أو مع ألمانيا النازية، خلال الحرب العالمية الثانية.

"وبقي رفاقه في السجن"
نجحت شرطة الانتداب البريطاني في نهاية شهر آب العام 1938، باعتقال قائد "الارغون" ديفيد رازائيل، وأعضاء قيادة المنظمة الآخرين (حنوخ كلعي، ابراهام شتيرن، أهارون حايخمان)، بعد مداهمة شقة عقدوا فيها اجتماعاً في تل ابيب.
بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، بعث قائد "الأرغون" من سجنه في القدس رسالةً إلى قائد الجيش البريطاني في فلسطين وحكومة الانتداب، تعهّد فيها بتقديم العون للحلفاء في حربهم ضد ألمانيا النازية، ووقف كل الهجمات التي تشنها منظمته على سلطات الانتداب البريطاني. فتمّ الإفراج عنه، وبقي رفاقه في السجن.
تعاظمت خلافات قادة "الأرغون" مع قائدهم الذين تركهم في السجن، بسبب قرار التحالف مع بريطانيا. وبعد ثمانية شهور، تم الإفراج عنهم، فعُقد اجتماع في تل أبيب ساهم في تأجيج الخلافات. خلاله، شكّك قادة "الأرغون" بأهلية رازائيل في قيادة المنظمة. وفي نهاية الاجتماع، استقال رازائيل من منصبه، وانتخب أبرهام شتيرن فوراً لخلافته. لكن المرشد الأعلى للمنظمة فلاديمر جابوتنسكي أعاد تعيين رازائيل قائداً عاماً لـ "الأرغون" عبر برقية بعثها من نيويورك، وطالب فيها شتيرن بالانصياع له.

المرشد الأعلى.. و "عصابة شتيرن"

رازائيل أصرّ على إيقاف الهجمات التي تستهدف سلطات الانتداب البريطاني، بل وعلى التحالف معها. لكن شتيرن كان يرى ضرورةً في مواصلة الهجمات التي تستهدف البريطانيين في فلسطين. وفي ظل هذا الخلاف الذي رافقه تنافس بين الرجلين على قيادة المنظمة، صار الانشقاق أمراً واقعاً، وانقسم "الأرغون" إلى قسمين: الغالبية كانت في البداية إلى جانب شتيرن، ولكن في النهاية انصاع معظم الأعضاء لتعليمات المرشد الأعلى للمنظمة.
احتفط رازائيل بتسمية المنظمة (المنظمة العسكرية القومية "اتسل"، أو كما تُعرف في الأدبيات العربية "الأرغون")، أما شتيرن فقد أطلق على أنصاره الذين تجاوز عددهم المئات اسم "المنظمة العسكرية القومية في أرض إسرائيل". اسمٌ تحوّل لاحقاً إلى "ليحي"، ولكن الأدبيات العربية تسمي المنظمة بـ "عصابة شتيرن".
برّر شتيرن تنفيذ عمليات السطو على البنوك لتمويل الهجمات التي تنفذها منظمته وتقديم الدعم المالي لأعضائها المطاردين، بالإشارة إلى أن رازائيل استولى على الموارد المالية للمنظمة الأم، تاركاً المنظمة الوليدة بلا تمويل. ونفذت "ليحي" عمليات سطو كانت أولها عملية السطو على "البنك البريطاني الفلسطيني" في شارع بن يهودا في تل أبيب.
وحرص شتيرن على بلورة "عقيدة قتالية" شكلت قاعدة الانطلاق لمنظمته. فتمت تعئبة العناصر فكرياً بالتحريض لإحداث ما كان يعتبره وعياً عقائدياً، كما عمد إلى تأهيل عناصر المنظمة على مستوى إتقان العمل السرّي، والتدريب على استخدام أنواع الأسلحة الفردية كافة، وتطبيق أساليب عمل المنظمات الثورية.

"مبادئ البعث".. والنازية

أولى شتيرن أهميةً قصوى إلى الجانب الإيديولوجي في تكوين "ليحي". فصاغ "مبادئ البعث" التي نشرتها الصحف السرّية التي توزع على أعضاء منظمته، ووصف "الوطن" بأرض إسرائيل بحدودها الموضحة في التوراة: "لذريتك اعطيتك هذه البلاد من نهر مصر وحتى نهر الفرات". وحدّد الهدف بـ "تخليص اسرائيل"، أي بطرد الانتداب البريطاني وتهجير السكان الأصليين الفلسطينيين. وأفرد شتيرن بنداً خاصاً لتبرير سعيه للتحالف مع النازية بهدف تحقيق أهداف منظمته.
ثيودور هرتزل، المؤسس الأول للحركة الصهيونية، سبق شتيرن و "ليحي" إلى التعاون مع مضطهدي اليهود في أوروبا. وبالنسبة إلى شتيرن، كانت المهمة الرئيسية والملحة التي تنتظر منظمته تنحصر بضمان إنشاء دولة يهودية، وليس إنقاذ اليهود الذين تلاحقهم النازية في أوروبا منذ اندلاع الحرب العالمية الثانية وحمايتهم.
كان شتيرن وقادة منظمته يعتقدون أنه بالإمكان إبرام تحالف مع ألمانيا النازية، إذا جمعت المصالح المشتركة بين الطرفين. وفي نهاية العام 1940، اقترحت "ليحي" عبر مبعوثٍ أرسلته لمقابلة مندوب وزارة الخارجية الألمانية في العاصمة اللبنانية بيروت، عقد حلفٍ مع الرايخ يقوم على تجنيد أربعين ألف يهودي من الدول الأوروبية الواقعة تحت الاحتلال النازي، للمشاركة بتحرير "أرض إسرائيل" وطرد بريطانيا منها، ولكن الفشل كان مصير هذه الجهود. فالألمان لم يرغبوا في تلك الفترة بإغضاب الوطنيين العرب.

ملاحقات يهودية وبريطانية

ضاعفت "ليحي" من هجماتها التي استهدفت سلطات الانتداب البريطاني والفلسطينيين خلال الحرب العالمية الثانية، فشنّت "الهاغاناه" و "الأرغون" المتحالفتين مع بريطانيا حرباً عليها. اعتقلت "الهاغاناه" جزءاً من أعضائها، أما مخابرات "الأرغون" فقد سلمت سلطات الانتداب قائمة بأسماء العشرات من أعضاء "ليحي" تم ترحيلهم لمعسكرات الاعتقال البريطانية في أفريقيا. ردّت "ليحي" بتصعيد عمليات الاغتيال ضد أعدائها من اليهود والبريطانيين والفلسطينيين.
صعّدت سلطات الانتداب البريطانية ملاحقتها لأعضاء "ليحي"، فاعتقلت العشرات منهم وضيّقت الخناق على زعيمها شتيرن حتى نجحت بالعثور عليه وقتله في مخبئه في تل أبيب في شهر شباط العام 1942. وشهدت المنظمة انهيارات كبرى بعد عملية الاغتيال، وتم اعتقال المئات من عناصرها، ولم يتبق خارج أسوار السجن سوى العشرات من العناصر الشابة غير المؤهلة عسكرياً.
لم يتجاوز عناصر المنظمة خارج السجن في شهر أيلول من العام 1942 الأربعين عنصراً، بحوزتهم بنادق آلية عدّة وعدد من المسدسات. ولكن اسحاق شامير الذي تولى لاحقاً رئاسة وزراء إسرائيل، ورفيقه إلياهو غلعادي، نجحا بالهرب من سجن حيفا، وإعادة بناء المنظمة وتجنيد عناصر جديدة. وقرر شامير تغيير تسمية "المنظمة العسكرية القومية في اسرائيل" لتصبح "مقاتلي حرية إسرائيل"، واختصارها "ليحي".

"مقاتلو حرية إسرائيل": اغتيالات

كان مبرر تغيير اسم المنظمة الى "ليحي" التخلص من الصيت السيئ الذي كرسته عمليات السطو والاغتيال التي نفذتها المنظمة. ولكن رفيق شامير في الهرب من السجن أصرّ على تنفيذ مخططات أعدّها للسطو، وحملة اغتيالات للانتقام من الخصوم. ما أجّج الصراع في قيادة المنظمة. وفي ربيع 1943، أصدر شامير أمراً بتصفية غلعادي بعد دعوته للمشاركته في تدريبات لعناصر المنظمة، وتمّ دفن غلعادي في جنوب تل أبيب بعدما أطلق رفاقه عليه النار.
بعد تصفية غلعادي، باتت "ليحي" أكثر انسجاماً واستعادت عافيتها. وعلى الرغم من كونها أصغر المنظمات اليهودية، فقد نفّذت نسبة 70 في المئة من مجموع الاغتيالات السياسية في فلسطين في الفترة الواقعة بين 1940 و1948.
فوز حزب العمل البريطاني بالانتخابات في العام 1945، وتأكيد الحكومة التي شكّلها على عدم إدخال أي تعديل بالسياسة الخارجية، خصوصاً في ما يتعلق بسياسة هجرة اليهود فلسطين، دفع بالمنظمات اليهودية الثلاث المتصارعة – "الهاغاناه"، "الأرغون"، و "ليحي" – إلى التوقيع في شهر تشرين الأول من العام 1945 على اتفاق لإقامة "حركة التمرّد العبري"، التي تم بموجبها شنّ هجمات استهدفت بشكل أساسيّ سلطات الانتداب البريطاني، استمرت حتى تمّ حل الاتفاق في شهر آب من العام 1946.

دير ياسين.. والقدس

خلال لقاء جمع بين يهوشوع غولدشميد قائد عمليات "الأرغون" في القدس ويهوشوع زتلر، نظيره في "ليحي"، قررا مهاجمة قرية دير ياسين عبر قوة مشتركة، بعد موافقة "الهاغاناه". وفي التاسع من نيسان 1948، هاجمت القوة المشتركة التي انضمت إليها لاحقاً قوة تابعة لـ "الهاغاناه" دير ياسين، ومارس المهاجمون القتل من دون تمييز ما بين النساء والرجال، وبلغ عدد ضحايا المجزرة بحسب إذاعة "الأرغون" 250 شخصاً.
بعد الإعلان عن إقامة إسرائيل، اجتمعت قيادة "ليحي" في الثامن والعشرين من شهر أيار العام 1948 في قرية الشيخ مؤنس، وأعلنوا عن حلّ المنظمة والانضمام إلى الجيش الإسرائيلي. ولكن حينها، القدس لم تكن خاضعة للاحتلال، ولم يتم اعتبارها جزءاً من "دولة إسرائيل" بموجب قرار التقسيم. فقررت "ليحي" السماح لوحداتها بمواصلة تنفيذ الهجمات والعمل بشكل مستقل عن الجيش الإسرائيلي حتى يتم احتلالها.
قررت "ليحي" في القدس اغتيال الوسيط الأممي الكونت فولك برندوت بعدما طلب من الحكومة الإسرائيلية الاعتراف بحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى منازلهم. في الثامن عشر من شهر أيلول العام 1948، اغتالت مجموعة من "ليحي" برندوت. وعقب ذلك، أصدرت الحكومة الإسرائيلية أمراً بحل "الأرغون" و "ليحي" في القدس، وانصاع أعضاء المنظمتين للقرار، وانضموا بشكلٍ شخصيّ إلى الجيش الإسرائيلي.