| 

في ظلّ الأحداث التي شهدتها مدينة القدس بعد استشهاد الطفل محمد أبو خضير، لجأ الاحتلال إلى سياسة تهجير الفلسطينيين عن المدينة، معتمداً بذلك على قانون الطوارئ البريطاني الصادر في العام 1945، كمحاولة منه لإعادة ضبط الأمور، والمحافظة على أمن المنطقة، بحسب أدبياته.
إذ ورد في قرارات الإبعاد التالي: "حسب صلاحيات قائد الجبهة الداخلية، وطبقاً لبند (6) و(108)، (109) لقانون الدفاع (ساعة الطوارئ) 1945، وبحسب اعتقاد قائد الجبهة بأن هذا الأمر ضروري للحفاظ على أمن وسلامة المجتمع والحفاظ على النظام العام".

أن تستيقظ فجأة في مدينةٍ أخرى

فارس عويسات هو شاب مقدسي يبلغ من العمر 22 عاماً، وهو قريب الشهيدين غسان وعديّ أبو جمل اللذين نفذا عملية المعهد اليهودي في القدس، خلال تشرين الثاني الماضي. أبعده الاحتلال عن قرية جبل المكبر الواقعة في جنوب شرق مدينة القدس لمدة ستة أشهر، إذ صدر قرار الإبعاد في 24 كانون الأول 2014، وتنتهي مدة نفاذ هذا القرار في 22 أيار 2015.
يروي عويسات لـ "السفير" أحداث اليوم الذي تسلم فيه قرار الإبعاد: "يومها، سمح الاحتلال بدفن أبناء عمي الشهيدين غسان وعديّ أبو جمل، وكان ذلك بعد حوالي 36 يوماً من احتجاز جثمانيهما. كنت قد أنهيت عملي في مستشفى في تلّ أبيب متوجهاً إلى قريتي لحضور التشييع. في الطريق، اتصل بي ضابط المخابرات الإسرائيلي وطلب مني التوجّه إلى مركز تحقيق المسكوبية".
لم يعر عويسات كلام ضابط المخابرات أهمية، لأنه ملّ من استدعائه واعتقاله مسبقاً، وقرّر عدم الذهاب. وبعد انتهاء تشييع جثمان الشهيدين أبو جمل، كانت عقارب الساعة تشير إلى السادسة ونصف صباحاً عندما وصل فارس إلى بيته، توجه إلى غرفته ليأخذ قسطاً من الراحة، أطفأ هاتفه ونام.
بعد حوالي الساعة، رنّ هاتف المنزل. أجاب والده، فطلب المتحدث أن يتحدث إلى فارس. ذهبت والدته لتوقظه، وقالت له إن هناك شخصاً يريده. تفاجأ فارس بالضابط الذي تحدث معه سابقاً، وقال له: "ألم أقل لك أن تحضر إلى "المسكوبية"؟ إذا لم تأت، فسأبعث الشاباك لاعتقالك". سأله فارس حول سبب استدعائه، فأخبره الضابط بأنه سيعرف حالما يحضر إلى مركز التحقيق.
توجّه فارس إلى المركز، وقبل أن يصل إليه، أمسكه ثلاثة رجال واقتادوه إلى غرفة صغيرة في المركز. حضر الضابط ومعه ورقة، وضعها أمام فارس، وقاله له: تجيد قراءة العبرية، صحيح؟ أجابه فارس بـ "نعم"، وبدأ بقراءة الورقة ليتفاجأ بأن الاحتلال أصدر قراراً بإبعاده إلى الضفة. وفي حال مخالفة القرار، سيتم اعتقاله وزجّه بالسجن.
سأل فارس ضابط المخابرات عن السبب، فوضع الأخير مجموعة من الصور لشخصٍ لا يظهر وجهه وأخبره بأنه هو صاحب الصور. قال له إن له ملفاً سريّاً، وفي حال تم إبعاده عن جبل المكبر والقدس، سيهدأ الوضع. زعم أن فارس هو المخطط والمحرّض "لكل تلك الفوضى" والمواجهات التي تحدث في جبل المكبر.
في اليوم الذي قرّر فيه الاحتلال تسليم جثماني غسان وعديّ أبو جمل، صدر أيضاً قرارٌ يقضي بإبعاد ستة مقدسيين عن المدينة، مراهناً على أن إبعادهم هو جزء من الحلّ الأمني. إذ كانت القدس تشهد حالة من الغليان، وكان يتوقع الاحتلال بعد تسليم الجثمانين أن تعود القدس وتشتعل من جديد. فكان الإبعاد هو الوسيلة الوحيدة للاحتلال.
وأشار عويسات إلى أنه يعتبر سياسة الإبعاد ناجحة، "لأن الإبعاد أحياناً أصعب من الاعتقال". ففي حالة الاعتقال في القدس، يكون المعتقل على علم بمصيره، ينتظر حكماً وموعداً للإفراج. لكن سياسة الإبعاد من الممكن أن تستمر حتى بعد انتهاء الحكم، فيستأنف الحكم ويتم تمديده، أو يعتقل المبعَد ويتحوّل حكمه إلى إداريّ. يقول عويسات: "صعب جداً أن أبُعَد عن مدينتي، لأن القدس شيء غالٍ عليّ، ما زلت غير مستوعِب أنني بعيد عنها".

التهجير الذي يستهدف القدس

حول سياسة الإبعاد، أوضح محامي "مؤسسة الضمير" محمد محمود لـ "السفير" أن الخطورة تكمن في جعل الإبعاد سياسة متبعة بشكل كبير إلى حد ما، بحق كل من يحاول أن يعبّر عن رأيه ويمتلك صوتاً مناهضاً للاحتلال يريد إعلاءه ضد هدم البيوت والعقاب الجماعي وغيرها من السياسات.. علماً أنه سلاح يتم استخدامه ضد المقدسيين بشكل عام.
وشرح محمود أن الاحتلال، من خلال هذه السياسة، يسعى إلى تفريغ القدس شيئاً فشيئاً، وهو بشكل أو آخر تهجير غير مباشر، تهجيرٌ بأساليب حديثة، "وإن كان الأسلوب يختلف عن التهجير في 1948 و1967 الذي يقع ضمن سياسة الإبعاد الجماعي، ويختلف بالشكل عن سياسة الإبعاد الفردي، إلا أن المضمون هو ذاته، وهو تهجير قسري".
وأكّد محمود أن الاحتلال أصدر قرار الإبعاد بحقّ أشخاصٍ يدّعي أنهم يشكلون خطراً عليه نتيجة آرائهم، وأنهم "من الممكن أن يؤثروا على الآخرين بآرائهم". ومن بين المبعدين، هناك أسرى محرّرون وناشطون مقدسيون.
ويشرح المحامي لـ "السفير" بأن قرار الإبعاد "ليس قراراً قضائياً، وإنما هو قرار إداريّ يصدر عن قائد المنطقة الداخلية، ولا يصدر عن المحكمة. فيتم استدعاء الشخص، وتسليمه قرار الإبعاد، ويزوّد بخريطة تحدّد الأماكن التي يجب أن يتواجد فيها".
ويحق للمبعَد أن يعترض أو يستأنف القرار خلال سبعة أيام من إصدار قرار الإبعاد، ولكن الاعتراض يتم بعد أن يبعَد. إذ يتوجب على الشخص أن يخرج من القدس في اليوم الذي يتسلم فيه القرار، ومن ثم يحق له أن يعترض. وهو إجراء غير قانوني، بحسب محمود.
وخير دليل على ذلك تجربة المبعَد داود الغول الذي سعى لاستئناف القرار (إذ يحق له ذلك، حسبما جاء ضمن قرار الإبعاد). لكن الاستئناف بقي حبراً على ورق، إذ حكمت محكمة الاحتلال بإبعاد الغول عن الضفة والقدس، وحُصر حضوره في مدينة حيفا كعقاب له.

مبعَد ومراقب!

لا يقتصر الأمر على الإبعاد، إذ يحتاج المحتلّ أن يعرف ما يفكر به المبعَد خلال الإبعاد، وبأي أفكار سيعود إلى المدينة. واستخدم الاحتلال ومخابراته "فايسبوك" كإحدى الوسائل في استكشاف نشاطات المبعَدين، وتمّت محاولات للاتصال بهم والتحادث بشكل ودّي ومغفل لمعرفة ما إذا كانوا سيعودون أنشط من السابق، ويستمرون في نشاطاتهم ضد الاحتلال.
وقد أشار مدير "مركز معلومات وادي الحلوة" جواد صيام لـ "السفير" أن "الاحتلال يستخدم قانون الطوارئ في كل السياسات المتبعة بحق مدينة القدس وسكانها، كهدم البيوت وسحب الهويات"، مبيّناً أن الإبعاد سياسة قديمة يقوم بتفعيلها في الفترة الزمنية التي تشهد أوضاعاً "غير مستقرة"، وذلك ضمن السياق الأكبر القاضي بتهجير المقدسيين.
وفقاً للتفسير الدولي، فإن الإبعاد القسري يعني نقل الشخص رغماً عنه داخل أو خارج حدود الوطن. وهو تحديداً ما يعتبر ممارسة قسرية غير قانونية للأشخاص المحميين، ويمثل انتهاكاً لاتفاقية جنيف إذ تعتبر المادة 147 سياسة الإبعاد جريمة حرب: "يحظر النقل الجبري أو الفردي للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة الاحتلال أو إلى أراضي أي دولة أخرى محتلة أو غير محتلة أياً كانت دواعيه".
لقد أبعد الاحتلال عدداً من الفلسطينيين خارج الوطن، ومنهم مَن أبعد داخل الوطن، إلى الضفة وغزة مثلاً. وبحسب احصائيات نشرها مركز المعلومات الوطني الفلسطيني، فإن الاحتلال أبعد ما بين العامين 1967 و1992 ما يقارب 2216 فلسطينياً.