| 

ولدتُ في مخيم عين الحلوة. أو، بالتحديد، ولدتُ في مستشفى حمود في صيدا قبل العودة بي إلى المخيم. أمي ورثت قوتها من عائلة قومية عربية لجأت بسبب النكبة إلى حمص، حيث درست والتحقت بالحركة لتلحق بأبيها وتتعرف على أبي. وأبي بدوي، ورث عن أمه وأبيه (الذي قتل على يد الإنكليز في فلسطين) الإصرار على تحرير فلسطين التي سلبت لتصبح إسرائيل الدولة. لي أخت تكبرني وأخوان يصغرانني. لي عدد لا يحصى من أبناء وبنات العموم والعمات والخالات والأخوال في مخيم عين الحلوة، ومخيمي اليرموك والست زينب، ودمشق (أيّ خارج المخيم). وككل فلسطيني يحترم نفسه، عندي ما يفوق العدّ من الأقارب في المهجر، حيث لم أعد أستطيع الجزم مَن إبن مَن أو مَن أبو مَن.
كبرت بين جدّتي وعمّاتي في المخيم، وبالطبع مع عرّ أولاد العائلة. أكلت أطيب الطبيخ من يدي جدّتي وعمّاتي، ولبست ما لبسه الجميع. لعبت بمراجيح العيد، ودخت حتى المرض في "الشخطورة" في بحر صيدا. وبعت "الهيطلية" والترمس مع جابر وسامح أمام المنزل لكي نتمكن من دفع اللازم لنحضر أفلام "بروسلي"، وشحذت الباقي من عمومي، لكي نحضر الأفلام الهندية مع هلا، هنادي، وزينب. إبن سعود، وهو أيضاً من عربنا (عرب غوير أبوشوشة)، كان الوحيد الذي يمتلك فيديو وتلفازاً كبيراً. فكان، بالنسبة إلينا، سينما الشارع التحتاني من المخيم.
اختبأت بملاجئ الحارة مع الجميع. وكالجميع، عشت انفصام الشخصية في كل عودة إلى بيروت (حيث انتقل أهلي للعيش). وفي كل يوم إثنين، اضطررت أن أصمت لكي أخبئ لهجتي الفلسطينية في مدارس بيروت والبقاع والزعرورية؛ إليها انتقلنا في كل مرة هروباً من حدثٍ ما أو عدوّ جديد.
كبر الزين وصار غنيم، وسافرتُ للدراسة في فرنسا. ومرّت سنون، وحصلت على باسبور فرنسي بعد دهرٍ من الزواج برجل فرنسيّ، والدراسة والعمل وإنجاب أجمل طفلين ممكن أن تحلم بهما فرنسا العظمى.. خليطٌ رائعٌ بين روح فرنسا وأحشاء فلسطين.. وبالطبع، بعد دفع الكثير من الضرائب وحفظ النشيد الوطني من دون الإعجاب بمعناه.
غيّر الباسبور مجرى حياتي. لم أعد أتوقف عند حدود كلّ بلدٍ أدخله أو أخرج منه لأشرح أنني، رغم كوني لاجئة، لكنني أيضاً طالبة جامعية في مدينة بوردو الفرنسية ومضطرة للسفر. ولم يعُد أحد يظن أنّي خطفت طفليّ الفرنسيين؛ بصراحة، كنت أفهمهم إذ أن لوني الأسمر الداكن وبياضهما الحاد بالمقارنة معي، كانا دوماً يوحيان بأنني مربية طفليّ ولست أمهما. ولكن، بفضل شمس لبنان الحارقة الملوّنة، وإصراري على عدم استخدام أي واقٍ لحمايتهما من الإحمرار والتحميص، أصبحا تقريباً بلوني. ولم أعد أخيف أيّ شرطي طلب باسبوري فحصل مني على مجلد بني غريب عجيب لم يره من قبل فظن أنني من كوكب آخر. ولم أعد مضطرة للوقوف ساعات في صفوف مهينة للحصول على تأشيرة، هذا إذا حصلت عليها. ولم أعد ممنوعة من السفر إلى 90 في المئة من الدول العربية (بصراحة، لم أستطع دخول أيّ بلد عربي غير سوريا بهذه الملحفة البنية). وبعد سنوات، لم أعد مضطرة للاختباء في الحمام عند كل زيارة رسمية قد تتسبّب لي بمشاكل في عملي، كوني موظفة فلسطينية، وبالتالي غير مصرحٍ عنها ولا قانونية. وأصبحت، بالمقابل، مضطرة لدفع الثمن الغالي للحصول على الإقامة والعمل كفرنسية في لبنان.
أذكر مرة، في إحدى الوظائف التي شغلتها، كانت لي زميلة لم تعتد خلال سنة كاملة عملنا فيها سوية على فكرة أنني فلسطينية ومن عين الحلوة (أمضيت على الأقل ساعتين أشرح لها أنني لا آتي بالسيارة كل يوم من فلسطين إلى لبنان، وأن عين الحلوة تقع في صيدا، أيّ في لبنان)، وأنني أتقن الفرنسية وقادرة على العمل في جريدة فرنسية (مثلها بالضبط)، وأنني لست أمشي مع كلاشينكوف على كتفي. أما فكرة وجود رجل فرنسي خاطر وتزوّج من فلسطينية مثلي فكانت شبه خيالية بالنسبة إليها. وحين رأت يوماً هذا الزوج، لم تستطع أن تخبئ صدمتها من أنه بالفعل موجود. أما عندما رأتني بعد عشرة أعوام من عملنا في المكان ذاته، وسألتني عن زوجي وأطفالي، فلم تستطع هذه المرة إخفاء ارتياح بدا جلياً في صوتها (غير لئيم، ولكن منطقيّ بالنسبة إليها) عندما أعلنت لها أننا انفصلنا منذ سنين. وكأن كلمة "آه voila شفتي" كادت تهرب من فمها.
لطالما ظننت أنها قد تموت بسبب نوبة قلبية لو عرفت أنني أقمت عرسي على سطوح بيت عمّي في المخيم. للحقيقة، كان وجه عريسي شاحباً حينها. ولكن، بعد القليل من الدربكة والحماس، بدأ يشعر بالارتياح. فكان لي أحد أجمل الأعراس في المخيم. وغطّى عليه بعد سنوات زواج أخي فوق سطح دار جدّتي، من شابة دنماركية. يومها، انضمّ إلى قبيلتنا والأصدقاء، أكثر من ثلاثين شاباً وصبية من أصدقائها، فباتت حارتنا تشعّ بضوء شعرهم الأشقر وبياض وجوههم، واختلطت صرخاتهم الدنماركية بزغاريد العائلة والجيران.
الباسبور الفرنسيّ كان أيضاً مفتاحي لاكتشاف فلسطين. فذهبت برفقة أختي الألمانية الجنسية واكتشفت منها ما استطعت. وتألمت من شعورٍ بالغربة. وابتسمت عندما رأيت ما وصفته جدّتي. وضحكتُ عندما نطق أول فلسطينيّ (في قلب فلسطين) بكلمة بذيئة. وبكيتُ عندما لم أرَ الأم. وضِعتُ عندما سُئلنا أنا وأختي عن لهجتنا (ألستما فلسطينيتين مثلنا هنا؟). لماذا يصرّ الجميع على القول إن لهجتنا غير فلسطينية تماماً؟ البعض حتى قال إننا نتكلم كاللبنانيين. أنا؟؟ نحن؟ ذهلنا من هذا التشبيه، وضحكت ضحكة صفراء. لو تدرون كم المشاكل الذي تسببت به لهجتي الفلسطينية في لبنان.. وها أنتم تتهموني بلغتي. وارتبكت عندما لم أجد مكاناً لي. وتفاجأتُ بالحاجة إلى العودة إلى عين الحلوة.
وقفت بين أمّ لم ترغّبني من زوج، ولم تطلبني من رب، لكنها أجبرت على تحمّلي (مع كلّ نقها اليومي: "أنا ربيتك وأنا علمتك وأنا تحملتك وأنا أويتك")، وأم بيولوجية لم تتعرّف على رائحتي ولا على ما حاولت حفظه من لهجتها ولا حتى على لوني الآتي من شمالها ولا حزني من الغربة عنها. لم أستطع أن أحلم إلا بالعودة إلى مخيمي... إلى عين الحلوة.
هناك، نطقتُ أولى كلماتي من دون خوفٍ من اللهجة، وتذوّقت الخبيزة من جدّتي، وسرقت أول شفّة قهوة بالهال من جدّي. هناك، ركضت حرّة في زواريب عارية ولكن دافئة. هناك، في عين الحلوة، أحببت ابن الجيران، وقصقصت البزر، وقرأت روايات "عبير"، ودبكت ودربكت في الأعراس. هناك، هتفت لفلسطين واختبأت في الملجأ العفن، ولكنني نمت أيضاً بهدوء. هناك الآن أريد أن أدفن.. في هذا المخيم الذي يحاول أهله الصمود والابتسام، في مخيمٍ ما زالت تملأه الزغاريد في الأعراس، والحب في الزواريب، والفرحة في العيد، والحزن في كل مرة نرمي عليه اللوم في المصائب، في عين الحلوة الذي بدأت فيه كل الحكايات لكلّ ثورات فلسطين.
عين الحلوة، فلسطيني الممزوجة بروح لبنان وأحشاء فلسطين.