| 

في غرفة تعجّ بالذكريات، أخرجت جواز السفر المجدّد من حقيبتها، وبدأت تصغي لقراءة الزائر لما كتب فيه. الاسم: صوفيا إلياس إيوانس ساكورافا. تاريخ الولادة: نيسان 1957. مكان الولادة: تريكالا، اليونان. توقف الصوت حينما وصل إلى المهنة. تناقلت عيون الحاضرين مفاجأته بين بعضهم، قبل أن ينفجروا بالضحك. حسنا، لم تنته القصص الطريفة إذاً.
باتت مسيرة حياة صوفيا ساكورافا نوعاً من ذاكرة جماعية لمحيطها. إنها جغرافيا حياتها، لكنهم كانوا في كل بقعة منها. ربما هذا شأن المشاهير مع رفاقهم، حينما يعرجون على بعض محطاتها البارزة، في سياق الحديث عن فلسطين. فهم يروونها كما لو أنها نوادر، لا تتقصد صناعة الكوميديا، لكنها تأتي نتيجة طبيعية لأفعال فريدة ومفاجئة وأصيلة. أصحاب تلك الأفعال، في عالم تسوده التوسيات، هم نوادر بالفعل. هكذا يضحك زوجها كوستاس، ومساعدتها، وآخرون حولها، بينما تجلس أمامهم في غرفة صغيرة من مكتبها في مقر البرلمان الأوروبي.

"حركة تحرير" بين أعلام "سريزا"

على جدران الممر، نشرت أعلام حزب "سريزا" (اختصار لـ "تكتل اليسار الراديكالي"). بات اسمه على كل لسان في أوروبا بعد فوزه في الانتخابات اليونانية الأخيرة، وتعهده بالخروج من شروط الانقاذ المالي وإنهاء التقشف الواسع الذي فرضه الدائنون الدوليون على اليونان.
أعلامه منشورة في الجناح الذي يضم ممثليه في البرلمان الأوروبي، ومنهم صوفيا بطبيعة الحال. إنها سياسية معروفة في اليونان. قبل أن يصوتوا لها في الانتخابات الأوروبية ربيع 2014، سبق لمواطنيها أن انتخبوها أربع مرات لتنوب عنهم في البرلمان الوطني. هنا، في بروكسل، صار اسمها مرتبطاً بدعم القضية الفلسطينية، وهو موقف يتبناه حزبها "سريزا".
حين قرر البرلمان الأوروبي الاعتراف بالدولة الفلسطينية، في تشرين الثاني الماضي، كانت صوفيا من بين المطالبين بعدم التقليل من أهمية ذلك. كانت تخاطب بشكل خاص نواب تيار عريض يمثله "المسيحيون الديمقراطيون" (اليمين الوسطي)، وهم من قللوا من أهمية الاعتراف لأنه غير كامل.
قالت لهم من على منبر البرلمان أن القرار لمس مسألة جوهرية، والحديث الآن عن دولة: "من الآن فصاعداً، حينما يتركز النقاش على المفاوضات بين الاسرائيليين والفلسطينيين، سنكون مدركين أننا نتحدث عن مفاوضات بين محتلّ ودولة محتلة"، مواصلة بنبرتها الصارمة: "حينما نتحدث عن صراع، فنحن نتكلم عن جيش محتل وحركة تحرير". وختمت قولها هذا بتذكير نواب أوروبا بحصتهم من المسألة: "بتأخرنا لسنوات، قمنا بتقويض السلام والاستقرار في المنطقة".

أبو عمار: "حقاً ستفعلين ذلك من أجلنا؟"

في غرفة الذكريات، لا تزال هنالك مكانة خاصة للعام 2004. إنها السنة التي عرف فيها العالم أجمع عن قصة صوفيا وفلسطين. في شهر أيار، وقفت المرأة ذات القوام الطويل والمشدود مفاجئةً الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. كان يعرف بقدومها طبعاً، وهو كان آنذاك يعيش مع المرض والحصار الاسرائيلي لمقره في رام الله. مع ذلك، لم يستطع منع نفسه من التعجّب. خلال حوارها مع "السفير"، تتذكر صوفيا بدقة تلك اللحظة: "أخبرني بأن ما سأفعله هو هدية كبيرة يقدمها صديق من اليونان، لكنه عاد ليقول لي: حقاً ستفعلين ذلك من أجلنا!".
بعد أشهر، كانت قصة صوفيا تتناقلها وسائل الاعلام في جميع أنحاء العالم، مع صورها وهي تحمل الرمح بجانب العلم الفلسطيني. فهي قد كانت شخصية شهيرة قبل سنوات طويلة من دخولها مسرح السياسة: دخلت عالم ألعاب القوى وعمرها 15 عاماً، لتصبح بعدها بطلة اليونان في رياضة رمي الرمح. الانجاز الذي مرّت عليه جميع الصحف التي أعادت سرد قصتها، كان تحطيمها الرقم القياسي العالمي في العام 1982، ليبقى مسجلاً باسمها لثلاث سنوات.
في تلك السنة، فازت أيضاً بالميدالة البرونزية خلال البطولة الأوروبية، وقبلها بذهبية ألعاب البحر المتوسط. ركضت ورمت الرمح أيضاً في ملعب المدينة الرياضية في اللاذقية لمّا استضافت ألعاب المتوسط سنة 1987، لتتوج هناك بالبرونزية. بقي الرقم القياسي في اليونان باسمها لسنوات طويلة، حتى بعد اعتزالها، حتى العام 1999.
في العام 2004، كان العالم ينتظر متابعة الألعاب الأولمبية التي ستحط في أثينا. وصوفيا كانت قد قررت ما ستفعله قبل عام من ذلك، ولم تخبر به إلا أقرب الناس إليها. كان عمرها 46 سنة، لكنها أرادت العودة إلى الملاعب لتشارك باسم "فلسطين". تقول وهي تتذكر تلك الأيام: "كنت رياضية، وأكنّ احتراماً كبيراّ للأفكار العظيمة حول الألعاب الأولمبية: السلام بين الأمم والتضامن. لم أكن مجرد امرأة مع سجل كبير، بل كنت مؤمنة بتلك الأفكار وأخدمها". تترك الوقت لزوجها كوستاس ومساعدتها فوتينه لنقل كلامها إلى الانكليزية، فمستوى اجادتها لها لا يريحها كي تحكي كما تريد. احتكاك صوفيا بالقضية الفلسطينية يعود إلى شبابها. فإلى جانب احترافها الرياضة، كانت ناشطة سلام معروفة. تواصل سرد القصة: "في تلك السنة، كانت الألعاب ستعود إلى اليونان، التي هي مهدها، وكانت تلك فرصة كبيرة لاعطائها معنى خاصاً بعدما طغى عليها الجانب التجاري. أردت جعل العالم يتذكر كيف أن هناك اعترافا بحق بلاد هي فلسطين بالمشاركة في الالعاب، لكن لا اعتراف بحقها في دولة".

"يسألون ما يريدون، وتجيب بما تشاء"

كانت المشاركة بحاجة إلى الجنسية. ولذلك، زارت صوفيا رام الله لتحصل عليها من ياسر عرفات. يروي المقربون منها كيف عادت للتدريب بعد انقطاع طويل. إنها قصتهم أيضاً، فهم يضحكون حينما يتذكرون السرية الشديدة التي أحاطوا بها الأمر. أرادتها مفاجأة. أيام وأيام قضوها معها في الجبال التي كانت مسرحاً مخفياً، فرؤية سكان أثينا الرياضية المعتزلة تعود للتدريب كانت لتحدث ضجة أكيدة.
كانت صوفيا وقتها معروفة أيضاً كسياسية، بعدما انتخبت للمرة الأولى للمشاركة في البرلمان اليوناني. استعادة اللياقة الاحترافية في ذلك العمر كانت مشقة كبيرة، لكنها كانت تريد أن تحقق نتيجة مشرفة، وألا تكون المشاركة مجرد حضور رمزي.
بعد أشهر باتت وسائل الإعلام تركض لتعثر على الرياضية العائدة، فقصتها فيها من الفرادة والدراما ما جعلها حدثاً أول قبيل الالعاب الاولمبية. نقلت وكالات الانباء الدولية كلماتها، وهي تقدم مشاركتها: "أعتقد أن القيمة العالمية الثابتة، المتمثلة في حق الحياة والحق في وطن، ستتجلى في السير تحت العلم الفلسطيني". أخبرت الجميع أنها تبذل كل جهدها في التدريب، وقالت لهم أن رمية رمحها ستكون هذه المرة "أقوى وأعلى وأبعد".
قبلت اللجنة الاولمبية الدولية طلب مشاركة صوفيا، وباركتها بوصفها تجسد روح السلام التي ترمز لها تلك الألعاب. هكذا، مثلت الرياضية العائدة فلسطين في عدة مناسبات، قبل أن تخوض المرحلة التمهيدية للأولمبياد. كان كل شيء يسير وفق المأمول، حتى جاءت المفاجأة في اللحظات الأخيرة.
قبل الافتتاح بساعات، أعلنت اللجنة أنها ستمنع مشاركة صوفيا الرمزية، وبررت ذلك بأنها غير مؤهلة. أثار الإعلان ضجة، ولاحقت وسائل الإعلام رد فعل صوفيا من القرار. جابت قصتها العالم مجدداً، مع صورتها وهي تحمل جوازها الفلسطيني، إلى جانب عباراتها الغاضبة. كانت تردّد إتهامها للجنة الأولمبية الدولية بأنها "تفتعل الحواجز لتقوم بعملية إبعاد سياسية غير مسبوقة".
رغم كل شيء، حققت المبادرة ما هو مطلوب. تعود الضحكات لتظلل حديث من حول صوفيا الآن، وهم يتذكرون القاعدة التي تصرفت على أساسها. كانت تريد لفت انتباه العالم لقضية فلسطين، وكان في خدمة ذلك وسائل إعلام تهرع لنقل القصة بكل اللغات العالمية. يقول شريكها كوستاس: "كانت قاعدتها أنهم يسألون ما يريدون، لكنها تجيب كما تشاء". كانت تريد سرد حكاية الحقوق الفلسطينية المهدورة، فتقود كل سؤال لتروي فواصل منها. لا يهم إن كان السائلون يستفسرون عن تدريباتها أو لياقتها أو أي شيء آخر.
لكن الغضب لم يكن من لا شيء. بعض من عاشوا تلك المرحلة أكدوا لنا، رافضين الكشف عن هويتهم، أن خبر إلغاء المشاركة شاع قبل يوم من إعلانه. نقلوا لنا أنهم اطلعوا على الخلفيات، وأن السبب الجوهري هو اعتراض سجله رئيس قناة تلفزيونية أميركية شهيرة، كانت تمتلك حقوق بث منافسات الالعاب. لم تعلن هذه المعلومات حينها، لكن من ينقلها الآن يشرح أن مدير تلك القناة أبلغ اللجنة الاولمبية إنه لن يسمح ببث أي لقطة لصوفيا وهي تشارك باسم فلسطين، "ليس خلال المنافسات، ولا حتى خلال المسير الافتتاحي خلف علم فلسطين"، كما ينقلون عنه قوله للجنة الدولية. طبعاً، هذا الغضب مفهوم، إذ يمكن تخيّل أن المعلقين التلفزيونيين كانوا سيضطرون لتوضيح ملابسات قصتها في كل مرة تظهر فيها.

عسل بشهده في مطار بن غوريون

القاعدة الدائمة مع الاعلام: "إسأل ما تشاء وستسمع قصة فلسطين"، اتبعتها صوفيا في مناسبات أخرى، لم تكن قليلة على كل حال. زارت فلسطين مرات عديدة، وكانت لها لقاءات بعرفات. في أول سفر لها إلى هناك، وجه لها الرئيس الراحل دعوة للزيارة. أوصتها الخارجية اليونانية بحرص ألا تتحدث عن التفاصيل، وخصوصاً وجهتها، حين تصل إلى مطار تل أبيب.
كان زوجها كوستاس برفقتها، ولا ينسى ما حصل: "طبعاً، الاسرائيليون يسألون عن كل شيء، كل تفصيل. سألونا إلى أين سنتجه، فقلت لهم إننا مدعوون من صديق. سألونا من هو الصديق. نظرت إلى صوفيا، وكرّرت عليها السؤال. قالت لي، قل لهم لدينا دعوة من الصديق الرئيس ياسر عرفات". يضحك الآن، لكن تلك الاجابة جعلت السفير اليوناني، الذي كان ينتظرهم في قاعة الوافدين، مشغولاً لساعات كي يتمكن من إدخالهم.
في مرة أخرى أوقفوهما لأنهما كانا يحملان عبوة معدنية ملؤها بالعسل. أصر الأمن الاسرائيلي على فحص العبوة في غرفة الأشعة، بعدما شكّ بالشهد المترسب أسفلها. أصرّت صوفيا على أن ترافقهم، لكن عبثاً. حين عادوا، أشاروا لهما بأخذ العبوة، فرفضت ذلك باصرار: "قالت لهم إنها لا تثق بهم، وتشك في أنهم ربما وضعوا شيئا في العسل لأنه هدية للرئيس عرفات. قالت لهم خذوها وكلوها أنتم". كذلك، ساعات من الانتظار. وفي كل مرة، الصحافة تنتظر في أثينا لمعرفة ما حدث. بعد كل تلك الجولات والضجة حولها، يقول كوستاس ضاحكاً: "صاروا يفتحون لنا البوابة، ولا يفتشوا حتى حقائبنا".
آخر زيارات صوفيا كانت خلال الحرب الاسرائيلية على غزة، في أواخر 2008. لم يسمح لها بالدخول، فمكثت خمسة أيام على الحدود المصرية، قبل أن ترضخ السلطات أخيراً وتدخلها. عاشت أسبوعاً في أجواء الحرب هناك. تقول عن تلك الأيام: "لم أشعر أبداً أني ضعيفة، مشيت فوق جثث، قابلت أناساً فقدوا كل شيء، عشت تحت القصف، فهذا كله يعطيني القوة لأقول للجميع الأشياء التي تحدث هناك. لم أشعر أني مهددة من اسرائيل، لم أكن خائفة لأني مؤمنة بالهدف".
من على منبر البرلمان الأوروبي، تروي صوفيا أشياء كثيرة عن فلسطين. تقول إن المواطنة أعطتها فرصة كبيرة كي تعيش، وتعود لتروي. في إحدى الجلسات، قالت للنواب: "أخاطبكم كمواطنة فلسطينية". ليس أمراً عادياً، بالتأكيد، وجود برلمانية أوروبية فلسطينية. كيف سيكتبون ذلك على جواز السفر الفلسطيني؟ لإراحة البال، قالوا لها إن الأفضل لتجنب مطولات استجوابات المطارات أن يكتبوا "المهنة: ربة منزل". اقتنعت منهم، وهذا ما كان.
ليست مهمة، تلك التفاصيل. بالنسبة إليها، الأهم هو "الهدف. فعل كل ما تستطيع، بكل طاقتك وقوتك، لخدمة قضية فلسطين". نذكرها بجملتها في 2004، ونسألها: "يعني الفلسفة ذاتها صالحة في الرياضة والسياسة؟". يضحك الآخرون من حولها. لا يزال الرقم الوطني الفلسطيني في رمي الرمح مسجلاً باسمها منذ تلك الرمية. صوفيا لا تجاريهم في الضحك، يقولون إنها قلما تنفعل، ودمها بمنتهى البرود. لكنها تبتسم، وتجيب: "نعم، إنها فلسفة، أقوى وأعلى وأبعد...".

*رسالةٌ من صوفيا إلى "فلسطين"