| 

سيدة لم تفارق المشهد الثقافي من فلسطين وصولاً إلى بيروت وتونس، خلال زمنٍ مدته خمس سنوات، تكتشف ذاتها في المسرح، وتعتلي الخشبة بطاقةٍ وحيوية بعيدتين عن الكلاسيكية والإلقاء والأداء المتصنّع. قصتها وحدسها وعلاقتها مع هذه التجربة هي أدواتها التي تستعملها وتطير بنا من "كنبايتها".
رائدة طه قدّمت ثلاثة أعمال فنية مسرحية، كان آخرها "ألاقي زيك فين يا علي" القائم على نصها وإخراج لينا أبيض، يستضيفه مسرح بابل في بيروت.

أسرار لم نرغب بمعرفتها

يفتح المسرح أبوابه على قصة تربك رومانسية الثورة الفلسطينية، وتُسقط عنها قدسيتها في رحلة الذاكرة السوداء. تنقل رائدة تجربتها الذاتية منذ الطفولة إلى ما بعد أيام الثورة، تزخرف مسيرتها بالكوميديا السوداء ومقتطفات متنوعة من حياتها المشبعة بالتجربة الجمعية لثقافة المقاومة، متسللةً إلى عائلتها وحنينها، سخطها وإصرارها.
"كنباية" تجلس إليها الفنانة بمواجهة الجمهور، وتسرد سيرتها الشخصية عن فلسفة الغاب الإنساني. تقدّم صوراً ربما تبدو موجعة في لحظتها، لكننا سرعان ما نتفق مع الضحية على لملمة جراحها بأقل الخسائر، بعد فتح هذا السؤال اللامنتهي عن مفهوم الذكورة ومحاولات الإبتزاز وغيرها. مفهوم يكسر الصورة النمطية والمتخيلة عن واقع الثورات والإنسان.
لم تعلنها أحداثاً لما حصلت آنذاك، ولكنها تقدمها اليوم كعملٍ فنيّ مسرحي تمرّر من خلاله أسراراً لم نرغب أن نعرفها. تواجه ذاكرتها بالتخلص منها عبر إعادة سردها صوراً تأخذنا عبرها إلى المكان والزمان.

المحور الأول: المرأة

يتناول العرض المسرحي ثلاث نقاط مركزية: أولاً، المرأة الفلسطينية التي تتمثل بسهيلة، عمّة رائدة. ثانياً، عائلات الشهداء المقاومين متمثلة بعائلتها هي إثر استشهاد والدها علي طه. وثالثاً، المقارنة بين نصوص الكاتبة عن بشاعة الثورة وآلامها مع رؤيتنا لها اليوم كجميلة ورومنسية.
عمتها سهيلة قررت مقابلة هنري كسنجر في سبعينيات القرن الماضي، ربما في العام ١٩٧٤، ظهّرت صورة المرأة التي تمتلك الإصرار والعزيمة لتخرج أخيها الشهيد من ثلاجة الموتى، وتدفنه في المكان الذي يستحقه، في فلسطين. شقيقها، كان قد "عاد" على متن طائرة مختطفة من بلجيكا إلى اللدّ، لتحرير زملائه الأسرى فاستشهد في فلسطين.
رفض الاحتلال تسليم جثة الشهيد، فأصرت على مقابلة كسنجر آنذاك، وبالقوة. تريد أن تفرض عليه مساعدتها، في مشهدٍ نقلته الفنانة بشكل كوميدي. فيحلّ خبر استلام جثته في لحظة غير متوقعة من العرض. ستعيد علينا الفنانة تفاصيل استلام جثة والدها، وطريقة دفنه مروراً ببعض الأغنيات التي تحمل وصفاً يتسم بالحنية والدفء يحتضنان أرواح الشهداء.
هذه الصورة المسرحية تعيد تفكيك الثقافة الاجتماعية في فلسطين، وتعيد تركيبها في نصّ مسرحيّ مختزل ومفتوح لغير الفلسطينيين. تفكك التعويذة السحرية التي تمتلكها المرأة في إثبات وجودها وليس المطالبة به، والإثبات عن طريق التغيير وسلك دور كان حكراً على الرجل، تحرّر ذاتها ليس من خلال القانون، وإنما بالفعل، بقيادة المسيرة نحو تحرير جسد الشهيد طه من ثلاجته الباردة، وقد كان يصرخ من هناك أخرجوني.. أخرجوني، فاستجابت له سهيلة متجاوزةً قوانين الذكورة في رسم ملامح الصعود نحو الجبل.

ثانياً: العائلات

عائلات الشهداء تشهد منافسةً ما بين الأبناء في "إرسال" أبائهم للاستشهاد من أجل فلسطين. وعلى الرغم من بشاعة الموت، إلا أنه يمكن تقبّل هذه الدينامية كواقع ينتجه هذا السياق، إذ كان الأطفال على ثقةٍ أن طفولتهم ستجتاح العالم عبر مقاومة آبائهم. الأطفال وثقوا يومها بأنهم سيضطرون للسفر والحياة في كنف الثورة، وما توفره لهم من تعويضٍ عن الفقر والحياة المشحونة التي يعيشونها في بيوتهم. ظهر ذلك في مشهد تروي فيه رائدة عن زميلتها سمسم، التي سرعان ما استشهد والدها لاحقاً.. وقد "حالفها الحظ" في ما بعد باستشهاد زوجها.
سلطة الأب، ورغم بروزها في ملامح مختلفة ومقننة أحياناً، تستدرج ثورة تجتاح الأطفال في عمر المراهقة للتحرّر والخروج عن سطوتهم، حتى وإن كانوا غير سلطويين. إلا أن هذه الدينامية تبلورت في عصر الثورة بين أبناء المقاومين عبر الرغبة بالتخلص من آبائهم باستشهادهم، كما كانت الحال لما تمنّت "سمسم" موت والدها شهيداً. فلسفة نفسية صادمة، وتحتمل أشكالاً عدة وصياغات أقل صدماً، ولن يستوعب مدارك الموت سوى الزوجات، والأبناء بعدما يكبرون وينقصهم كل ما غاب عنهم مع الراحل. وربما هذا ما تبحث عنه رائدة طه من مكمن النقص في أبناء الشهداء، وحاجتهم لحضنٍ واحد من آبائهم.. ذاك الحضن الذي يكسر الأضلاع ويبقى معلقاً في الذاكرة والجسد.

لا طعم للنصر في أفواهنا

المرحلة الثالثة من الحوار تراجع تفاصيل الثورة/ بأبعادها الإنسانية والسياسية. الثورة تظلم أبناءها أحياناً، والموت لا يكون مسألة عادية إلا للآخرين. هو يعني تفاصيل لحظية ويومية لأهالي الموتى، فقدان الحنان، الأب، غياب "المركزية" أيضاً، وبداية التشعب، الإنحناء الأسري، ومجهود مضاعف لسد الحاجة.
الثورة تحتمل المفاهيم الجمالية والرومنسية من المنظور الزمني فقط. يمكن تفكيكها وإعادة بنائها في سياقٍ زمني مختلف يحتمل بعض التعديلات التي تناسب التخيّل والأحلام. يمكن وصف الشهيد بالبطل الذي لا يموت، الشهيد الخالد، إبن فلسطين.. لكن، هذا لا يعني شيئا لأصحابها، أهلها، تخلف وراءها إرثاً بشرياً لأطفالٍ تعطلت أحلامهم وكبروا قبل أوانهم.
الموت فلسفة الانهزام من منظور التغيير، فالأبطال لا يستحقون الموت. هي نظرية شرقية رومنسية لم نرها في الأفلام الأميركية التي تكافئ البطل بالمزيد من الحياة. فبعد مرور ثلاثة وأربعين عاماً على موت البطل علي طه، تراه عاد ليموت فينا، ولنموت معه. لم ننتصر بعد، ولم نشعر بطعم النصر الذي دفع الشهيد عمره من أجله. وفي هذا المشهد، تراه أعاد إلينا هزيمتنا الكبيرة.

الأولاد، أين ذهبوا؟

أبناء الشهداء الذين احتضنتهم "منظمة التحرير"، أين ذهبوا؟ وأبناء الشهداء الذين تتزايد أعدادهم يومياً، أين يذهبون؟ هذه الاسئلة ليست وليدة نظرة إنهزامية بقدر ما هي أفكار لإعادة تنظيم الذات المنفردة، الخارجة عن مفهوم الجماعة، وهذا ما تفتقده الثورة المعاصرة في تكريس المفهوم الجمعي أمام التهالك الذي يعصف بالقضية وبالمكان.
العمل المسرحي "ألاقي زيّك فين يا علي" ليس إلا مرآة لأسئلة الذات المبطّنة، والمختبئة في نفوسنا من دون أن نطرق الخزان لنعلن عن وجودها. نطمها أحياناً بالوقوف على مسافةٍ بعيدة عنها، ونزيح النظر في محاولة لتجميل الفكرة. هذه ليست أكثر من محاورة محدودة الأفق والمدى، تظهر ملامحها لاحقاً لما نفهم أسباب الفشل والسقوط في فخ "التجديد الثوري"، والمراهنة على الشعارات.
وعلى خشبة مسرح "بابل" في بيروت، تلاعبت بنا الفكاهة على جسر الألم، فاستقبلنا كل هذه الرسائل ونحن نضحك.