| 

قال ديك الجنّ: "لا تفتح النافذة، ففي القلب يتسع الأفق". في السياق الفلسطيني، تبدو فلسفة الشاعر الحمصي ضربًا من الاستسلام الأخلاقي والسياسي. لا أجرؤ أن أفتح نافذتي المطلّة على بحر حيفا وأن أقول لِـ "ميس" أن تراه وتشمّه وتسمعه في خيالها. لأن الفلسطيني يحارب من أجل أن يفتح نافذة حقيقية على فلسطين؛ المكان، وليس أن يراها في مخيلته وقلبه فحسب. ولكن، في الفيلم التسجيلي "حبيبي بيستناني عند البحر" للمخرجة ميس دروزة، يتبدى فتح النافذة في المخيلة/ "الحلم" كحقّ شرعيّ، إن لم يكن مطمعًا فرديًا وجمعيًا أعلى، يتبناه الفيلم حدّ الإيمان به كسلاح يشهره الأقوياء في وجه حاضرٍ ذي نوافذ محكمة الإغلاق وتاريخ مبتور القدمين..
قدما ميس تخطوان على الرمل، يخرج صوت أمها بثقة وهي تصف، بعد سؤال الابنة، العاطفة التي يتركها البحر في نفسها، فتجيب: "بحسّ بحريّة رهيبة". مشهدٌ يقودنا إلى مفتاح الفيلم؛ كتاب رسم وشعر للأطفال، عنونه بـ "حسن في كلّ مكان" صاحبه الفنان الفلسطيني حسن حوراني، الحبيب، المسافر في كل مكان، والذي تقف شخصيته بغير مرئيتها وعدم وضوح تضاريسها سواءً للمخرجة التي لم تلتق به قطّ أو للمشاهد. وكأنها مفتاح النافذة أيضًا؛ النافذة التي أطلّ من خلالها على البحر فقتله عام 2003 في حادث غرقٍ مأساويّ، هو الذي افتتح رحلة المخرجة في فيلمها: "كان دائمًا يغلق عينيه/ لا لينام/ بل ليرى/ كان المسافر يغلق عينيه وقت السفر/ لأنه يرى كل ما يحب بالقلب". تعود كلماته وترافق ميس في خطاها إلى مخيم اليرموك فالضفّة فالقدس فيافا فعكّا.
وتمرّ من مخيم العروب قرب الخليل، ويجلس حازم على سطح أحد بيوته المتلاصقة وهي تسد الأفق. يضع رجليه في وعاء ماء، بينما مكبرا صوتٍ يبثان صوت البحر الممنوع، ويغمض عينيه. لا يكتفي حازم بأن يعيش هذا الحلم في يقظته اليومية، بطبيعية شديدة تخلو من أيّ تصنّع أو إدّعاء، بل يذهب فيه أبعد من ذلك حين يقول لميس: "إذا بروح ع البحر، بخاف أبطل أحلم". وكأنها اللحظة التي يغدو الحلم فيها أكثر واقعيةً وحميميةً من الواقع نفسه. وكأنها اللحظة التي يبدو فيها الأفق الذي يفتحه القلب أشد وضوحًا وأعمق نقاءً من الأفق الذي تكشفه النافذة.
شمال المخيم، في القدس، وعند أحد سفوح سور قديم لمدينة لم تستفز مقدساتها ورمزيتها ثقيلة الظلّ كاميرا المخرجة بقدر ما استفزها ناسها الذين يستفيقون كل يوم في أكثر بقع العالم توترًا وشحنًا. تلتقي ميس بثلاثة شبان في زاوية معتمة، وبفكاهة لا تخلو من الجديّة يتحدثون عن خشيتهم من اللحظة التي تتحرّر فيها فلسطين بينما هم يتفرجون جانبًا بعكاكيزهم وهرمهم. ويقولون إنه الحلم الذي يصممونه على مقاس مزاجهم وزمنهم، ويرون فيه أمرًا في غاية الطبيعية. يطل "أبو سمرة" ليؤكد، من دون نية مبيّتة، على واقعية هذا الحلم، حين يصف شعوره بملكية المكان وهو يتجول في أحياء اليهود، بينما يصله شعور الإسرائيلي الذي يتجول فيها بريبة دخيل. وبكلمات أشدّ مباشرةً، يقول إن الامتحان الأكبر للحلم لا يكمن في لحظة تحققه المستقبلية إنما في قدرتنا على معايشته في لحظتنا الراهنة.
لم تسأل ميس شخصيات فيلمها عن مخيلتهم وواقعهم بشكلٍ مباشر، ولكنهما ظهرا متطابقين حدّ تشكيل الخيط الرفيع ولكن المرئي الذي يربط البشر بالمكان، والبشر بالبشر، والمكان بالمكان. وبالتالي، شكّل رابطًا وثيقًا لخطاها من الشتات إلى المناطق المحتلة عام 48، تمامًا كما فعلت نصوص حسن الحوراني وحوارات المخرجة معه، وهي تضع أمامنا بين مشهد وآخر، ورق رسم أبيض، تخطّ عليه بالفحم والألوان المائية، أجزاءً من مخيلتها عن البحر والطريق إليه/ إلى حسن الغائب.
شمال القدس.. يافا، تصل ميس إلى المكان الذي عاش فيه المسافر حسن دقائقه الأخيرة قبل أن يذهب إلى سفره الأخير. يطل هناك يافيّ تسأله المخرجة برومنسية تبدو متعمدّة الذكاء عن بيارات البرتقال، فيجيبها بنفي لا يخفي استهزاءه؛ "بتحكي جد ولا بتمزحي؟". ثم بالرومنسية ذاتها تقول له: "يافا عروس البحر!"، فيردف بلكنته اليافية: "زمان مسمعناش نكت زيّ هاي!". عندما تنكسر الصورة الأولى وتصطدم بالواقع فتتناثر، تُشفّ مقدرة الحلم على معاودة بنائها، وعند أكثر المساحات الفكرية واقعيةً.
هكذا يقول نائل، شمالاً إلى الناصرة؛ إن الرومانسية ليست فكرة مسطحة، فقد تكون شكل تعبير عن حلم طبيعي/ واقعي. وهو يمايز بين هذا الطبيعي الذي يمكنه من زرع بيارة برتقال في يافا وبين العادي الذي فرضه الاحتلال.
قدما ميس تخطوان على الرمل، صوت أمها يعود مرةً أخرى، وهي تحاول تذكر ما قالته عن البحر في جوابها عن سؤال ابنتها، فلا تسعفها الذاكرة وترمي بكلمات أخرى. تعرف ميس أن "الجواب الأول أحلى"، وأن البدايات دائمًا أجمل. يعود ذهنك شمالاً إلى الشام، من دون إشارة من المخرجة، إلى استحضار الشخصية الأولى؛ محمد، الذي ترك مخيم اليرموك ليعيش في مخيم اللاجئين في السويد، مخلفاً وراءه أصدقاء وأقرباء تحت التراب، ودمار حارة كان عرسه آخر أفراحها.
إن كانت النهايات، قبل الاصطدام بالواقع بلحظة، على هذه الشاكلة، وإن كانت البدايات "الأجمل" تشبه الأحلام، أحلام حازم وأبو سمرة ونائل ومحمد المرادفة للواقع، المتكئة على طبيعيتها المستمدة من طبيعيته، العاجزة إلا من تشويه حدودها معه، إلا من الالتصاق به حد التطابق، فاتركونا نحلم؛ "نغلق عينينا، لا لننام، بل لنرى"..