| 

غسان أبو ستة يؤمن فعلًا بأن "فلسطين حالة عشق لا تنتهي". هو المتحدّر من عائلة طبعت القضية الفلسطينية مراحل حياتها، وهو أيضاً الطالب المناضل في جامعات بريطانيا، والطبيب الذي كانت زيارته الأولى إلى غزة عائلية في العام 1979، حيث توطّدت علاقته بها، ثم قصدها في المرة التالية عند بدء الانتفاضة الأولى كطالب طبّ متطوّع، ثم في أثناء الانتفاضة الثانية كطبيب جراح متطوّع، ثم خلال ثلاثة اعتداءات على غزّة في الأعوام 2008 – 2009، 2012 و2014، مكرّساً إمكانياته ومؤهلاته العلمية لخدمة القطاع الطبي فيها.
الطفولة في الكويت
في الحديث عن الطفولة، تحضر القضية وفلسطين في كلمات الدكتور أبو ستة، فيخبرك عن ولادته ونشأته في الكويت حتى العام 1988. ضمّت الكويت وقتذاك 450 ألف فلسطيني ممن غادروا فلسطين في العام 1948، وكان الجوّ السائد مؤيدًا لقضيتهم، يمنحهم حيّزاً رحباً للتعبير عن هويتهم. يتوقف أبو ستة، في هذا الإطار، عند رفع العلم الفلسطيني في مدرسته التي كانت تملكها سيدة فلسطينية من مؤسسي حركة "فتح".
رغم أن والده لم يتعاطَ السياسة، إلا أن الجوّ العائلي الذي ترعرع فيه أبو ستة كان منغمساً فيها. وبالتالي، فمن الطبيعي أن يؤثر ذلك على حياته اليومية. ويوضح أبو ستة: "إن علاقة أعمامي الوثيقة بمنظمة التحرير، وجود أبناء عمي في غزة واعتقال عدد كبير منهم في سجون الاحتلال، كلّها عوامل جعلتنا مرتبطين ارتباطاً عضوياً بما يحدث في فلسطين".

التغيير في بريطانيا

حول فترة إقامته في بريطانيا، يتحدّث أبو ستة عن اختلاف كبير حدث في نظرة الرأي العام إلى القضية الفلسطينية وأحقيتها. فعند وصوله، يقول أبو ستة، كانت الجرائد البريطانية ترفق استخدام كلمة فلسطينيّ بتعبير "إرهابي"، وانحصر تأييد القضية الفلسطينية آنذاك باليسار البريطاني. أما عند مغادرته، بعد 26 عامًا، فقد رأى أبو ستة أن الغالبية العظمى من الطبقة الوسطى في صفوف المجتمع البريطاني باتت داعمة لحقوق الشعب الفلسطيني وأكثر معادة للإسرائيليين. وبالتالي، تسنت له خلال الأعوام الستة والعشرين هذه مطالعة آلية تغيّر المزاج السياسي في بريطانيا، ما يعتبره تطوّراً إيجابياً على الرغم من أنه لم يترجم إلى الآن في السياسات الحكومية.
ولداه بين غزة وبريطانيا
عن علاقة ولديه بفلسطين، يقول أبو ستة إنه أرادها علاقة حسية، لا فكرية وحسب. وفي هذا الإطار، يتحدّث عن تعلّق ولديه بالبيارة والشجر والطبيعة في غزّة، ما يجعل ارتباطهما بالمكان ذا صلة بطفولتهما. وهو إذ يرى أن لذلك أثراً عميقاً في الذات على المدى الطويل، يثني على أهمية الارتباط بجمالية المكان، الأمر الذي يوطّد علاقة المرء به طيلة حياته.
وعن هوية ولديه، يقول أبو ستة إنه لا يرى أيّ تناقض بين فلسطينيتهما وبريطانيتهما. وهو يعمل على ترسيخ هويتهما الفلسطينية في داخلهما ويسعى إلى تكثيف زياراتهما إلى غزّة، إلا أنه يرفض أن يزعزع ارتباطهما بلندن التي ولدا وترعرعا فيها. فيجزم أبو ستة: "ولداي فلسطينيان بغض النظر عن جواز سفرهما، ولكني لن أحاول أن أقمع علاقتهما بمكان ولادتهما، ولا أجد تناقضًا في ذلك".

عن عمّه عبد الله أبو ستة

للعم "عبد الله أبو ستة" أثر كبير في حياة العائلة، إذ يشير الدكتور غسان إلى حضور عمّه في طفولته بتأثر شديد. ثم ينتقل إلى الحديث عن مراحل عدة من نشاط هذا العم تركت أثرها في حياته أهمها: انضمام عبد الله أبو ستة إلى صفوف الثورة الفلسطينية في العام 1929، والدور الذي أدّاه كأحد قادة الثورة الفلسطينية التي اندلعت في العام 1936، وذهابه إلى غزة بعد النكبة مشاركاً في تنظيم أولى العمليات الفدائية من غزة إلى الأراضي المحتلة في العام 1948، وكونه من مؤسسي المؤتمر العام للاجئين الفلسطينيين الذي تحوّل بعد ذاك إلى "منظمة التحرير الفلسطينية"؛ وصولًا إلى استشهاده خلال أحداث أيلول الأسود في جرش.
الجراحة التجميلية مرتبطة بالحروب
كان للسياسة أثرها البالغ في اختيار غسان أبو ستة دراسة الطب. بدأت القصة لما تعرّف عبر التلفاز إلى الناشطة البريطانية الطبيبة "سوي" وهي تتحدث عن تجربتها في أثناء حرب المخيمات. بعد ذلك، وعقب ذهابه إلى اسكتلندا، تابع للطبيبة كتاباً يتناول تجربتها خلال الاجتياح، وصبرا وشاتيلا، وحرب المخيمات، والانتفاضة الأولى، لتساعد غسان في التعرّف أكثر إلى الجزء العملي المفيد من دراسة الطب على المستوى السياسيّ. وشاء القدر بعد ذاك أن يصبح غسان وسوي زميلي نضال، بحيث ذهبا معاً إلى غزة.
أما عن اللغط الذي قد يحدث عند البعض حول مدى ارتباط الجراحة التجميلية بإغاثة ضحايا الحروب، يوضح أبو ستة أن الجراحة التجميلية هي بمعظمها جراحة ترميمية، لا تقتصر على التجميل وحسب، ويشير إلى أن جزءاً كبيراً من عمليات الإسعاف مرتبط بالترميم: كالكسور وإصابات الحروب: الكسر غالباً ما يكون مكشوفاً وبالتالي لن يتماثل للشفاء إن لم تتم تغطيته بأنسجة جلدية، فضلًا عن معالجة إصابات الوجه لحماية الجهاز الحيوي والتي تحتاج إلى ترميم آني لمنع حصول الالتهابات، والحروق التي تشكل جزءاً كبيراً من الإصابات الناجمة عن التفجيرات. ولا يغفل جراحة الترميم لحماية الأطراف التي يجب أن تتم خلال الـ24 إلى 72 ساعة الأولى.
ويوضح أبو ستة قائلاً إن جراحة التجميل تطورت خلال الحرب العالمية الثانية على يد "جيليز"، الجراح المعالج لمصابي سلاح الجو البريطاني في انكلترا، وهو من طوّر رقعة الجلد وأموراً أخرى كثيرة في مجال جراحة التجميل. وبالتالي، فإن تاريخ جراحة التجميل مرتبط بتاريخ الحروب - دائماً حسب أبو ستة.

إلى غزة

ذهب غسان أبو ستة إلى غزة للمرة الأولى في العام 1979، وكانت غزة وقتذاك مفتوحة على بقية فلسطين، فاصطحبته العائلة في جولة بالسيارة من غزة إلى الناقورة ونزلوا إلى طبريا، الضفّة الغربية، وبير السبع.
أما زيارته التالية فكانت خلال الانتفاضة الأولى كطالب طبّ متطوّع. وبعد ذلك، وعند بدء الانتفاضة الثانية، عمل لستة أسابيع في "مستشفى ناصر" في خان يونس، ومن ثم عاد إلى إنكلترا لتسوية أوضاعه، وأخذ إجازة من دون راتب مدتها ثمانية أشهر، ليعود إلى غزة حيث عمل كطبيب جراح متطوع في مستشفى العودة في مخيم جباليا للجان العمل الصحي.
وخلال العدوان على غزة في الأعوام 2008 – 2009، 2012 و2014، كرّس أبو ستة إمكانياته ومؤهلاته العلمية لخدمة القطاع الطبي في القطاع. في العام 2008، تمكّن وزملاءه المتطوعين من إتاحة الفرصة للأطباء والممرضين في غزة للمشاركة ببرنامج الماجيستير في جراحة الحروق الذي تعدّه جامعة لندن عبر الإنترنت، وقد نجح 14 طبيباً وممرضاً حازوا على شهادة "ماجيستير"، ومنهم من أحرز تفوقاً.

أطباء غزّة في "الأميركية"

يوضح أبو ستة أن الأولوية الآن تكمن في التركيز على الجزء الجراحي، بحيث يسعون إلى إحضار طلاب الطب من غزة إلى "الجامعة الأميركية في بيروت" لكي يعملوا على تطوير مهاراتهم الجراحية، على مدى 9 أشهر، وذلك بالاشتراك مع "مؤسسة التعاون".
وفي الحديث عن الأطباء المتطوعين، يعتبر أبو ستة أن التفكير بـ"سوي" وزملائها يشعره بالخجل. ويخلص إلى أن ما يميز القضية الفلسطينية هو كونها قضية أخلاقية، وبالتالي، فإن ارتباط هؤلاء بها إنما هو ارتباط بالجانب الأخلاقي منها.
كما يؤكّد أنه مقتنع بأن الأطباء العرب كانوا ليشاركوا بالتطوع لو أتيحت لهم فرصة الدخول إلى القطاع. وهنا، تكمن الكارثة في حرمان الشعب الفلسطيني من مهارات الكم الهائل من الأطباء الفلسطينيين والعرب، كما يقول أبو ستة.
وعن تطوير مهارات الأطباء في غزة، يعتبر الدكتور غسان أنهم أظهروا رغبة كبيرة في التعلّم خصوصاً الشباب منهم الذين لا تتاح لهم فرصة الخروج لاستكمال تخصصاتهم. ويشير إلى أن كل المحاولات التي بُذِلت لإدخال الطواقم الطبية إلى القطاع قد باءت بالفشل.
ويتوقف أبو ستة عند الأثر الاقتصادي الناجم عن إصابات الحروب، وخاصة منها تلك التي تتطلب الجراحة الترميمية، كفقدان الأطراف مثلاً، ما يجعل المرء عالة على سواه، خاصة أن كل شخص عامل في غزة يتولى إعالة 8 إلى 10 أشخاص، فكيف بالحري إن كان المعيل هو المصاب!
// كادر//

الرعاية الطبية.. حقائق وأرقام

يظهر التقرير الصادر عن "منظمة الصحة العالمية" في العام 2014 بعنوان: "الحق بالرعاية الصحية"، أن الأسباب الرئيسية لطلب تحويلات طبية إلى مستشفى في الخارج من قطاع غزة ومنطقة الضفة الغربية هي: العلاج من مرض السرطان، طب العيون، طب الأطفال. ويتم أيضاً استصدار التحويلات من غزة لحالات: الطب النووي وطب العظام. ومن الضفة الغربية، لحالات: التشخيص عن طريق التصوير بالرنين المغناطيسي والطب الباطني. ويعود ذلك بالطبع إلى تراجع الإمكانات الطبية في هذه المجالات.
والجدير بالذكر أن المرضى المصابين بالأورام السرطانية مضطرون لتلقي العلاج خارج غزة والضفة الغربية، لأن إدخال أجهزة العلاج بالأشعة يحتاج لموافقة سلطات العدو الإسرائيلي، فضلًا عن الصيانة التقنية والتمويلات الكبيرة وهي كلها عوامل غير متوفرة. أما بالنسبة إلى العلاج الكيميائي فإن المواد المستعملة في بروتوكل العلاج غير متوفرة بالكامل.
وفي هذا الإطار، تواجه التحويلات إلى الخارج مشقة الحصول على إذن للعبور من سلطات العدو. وفي تقرير صادر عن "مؤسسة الهلال الأحمر الفلسطيني" في رام الله في العام 2013 حول إمكانية عبور المرضى إلى القدس المحتلة لتلقي العلاج، تظهر الإحصاءات أن نسبة 95.50 في المئة من الحالات مُنِعت من العبور المباشر في العام 2011، ومنعت نسبة 90.80 في المئة من الحالات في العام 2012، ونسبة 93.10 في المئة من الحالات العام 2013.
وتوضح التقارير الصادرة عن مركز "عدالة" الذي يُعنى بحقوق الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة في العام 1948 التفاوت الواضح بنسبة الحصول على الرعاية الصحية الذي يفرضه الاحتلال. فعلى سبيل المثال، وبالعودة إلى الإحصاءات التي أجريت في العام 2006، تبلغ نسبة الوفيات من الرجال الفلسطينيين للفئة العمرية 60 – 64 عاماً ضعف نسبة الوفيات من الرجال اليهود من الفئة عينها. كما بلغت في العام 2008 نسبة الوفيات من الأطفال اليهود حديثي الولادة 2.9 من كل 1000 طفل، فيما بلغت نسبة الوفيات من الأطفال الفلسطينيين حديثي الولادة 6.5 من كل 1000 طفل، أيّ ما يوازي أكثر من ضعف نسبة الوفيات لدى الأطفال اليهود حديثي الولادة.