| 

ممّا لا شك فيه أن خطوة إئتلاف الأحزاب العربية داخل إسرائيل، المدعوم من قوى المجتمع المدني، لخوض انتخابات الكنيست العشرين المزمع إجراؤها في السابع عشر من آذار المقبل، هي خطوةٌ تبدو تغريداً خارج السرب في زمنٍ طغت فيه الانقسامات في المحيطين الفلسطيني والعربي.
كأن الانقسامات السياسية والعرقية والمذهبية في بلادنا باتت هي القاعدة، والتوحّد والعمل المشترك بات الشذوذ والاستثناء. ولا يدور الحديث هنا عن الانقسام الفلسطيني-الفلسطيني ("فتح" و "حماس"، الضفّة الغربية وقطاع غزّة) الذي بات على ما يبدو أمراً واقعاً، بل يدور أيضاً عن لبنان المنقسم مذهبياً وسياسياً، وعن مصر المنقسمة سياسياً على حدّ السيف، وعن اليمن المنقسم مذهبياً وسياسياً، وعن ليبيا المنقسمة قبلياً بعدما انهارت الدولة فيها، وعن سوريا الموصومة بكل أشكال الانقسامات التي لا تخطر على البال. أما العراق فحدّث ولا حرج، مزّقته الانقسامات وحوّلت الدولة فيه إلى الجسم الأضعف، فيما تعتبر الطوائف والقبائل هي الأقوى. هي التي تسيطر على جميع نواحي حياة هذا البلد الغنيّ، الذي تحوّل إلى الأفقر في العالم بفعل طغيان كل شيء إلا الدولة والمصلحة العليا. وعن، وعن، وعن، ... عن الأماكن حيث الانقسامات في الأجسام السياسية والاجتماعية والثقافية في محيطنا العربي لا تعدّ ولا تحصى.
نعم، بدت صيغة المشهد الوحدوي الذي تجلى بالإعلان عنه من قبل القوى والفعاليات السياسية في الجليل والمثلث والنقب، غريبة وغير متوقعة وصادمة إلى حدّ ما. لم يراهن الكثير من المراقبين والمحللين السياسيين على المبادرات والحوارات التي جرت قبيل الإعلان عن التوصل إلى اتفاق "القائمة المشتركة"، معتبرين أن أجواء الخصومات السياسية التي تسود التركيبة السياسية للفلسطينيين في إسرائيل منذ النكبة لا تساعد الجيلين الثاني والثالث من القيادة على البحث الجدّي في الوحدة والعمل المشترك. لكن الأحداث جاءت معاكسة لذلك، وذكّرتنا بحقيقة بسيطة هي أن الوحدة والعمل المشترك ليسا بالضرورة على تلك الدرجة من الاستحالة، خاصة أنه لا يُعنى بالتنسيق الانصهار التام كما يُشاع ويُعتقد. إذ يمكن لمجموعةٍ من الأحزاب البحث في برنامجٍ سياسيّ واقتصاديّ واجتماعيّ وثقافيّ يمثل الحدّ الأدنى بينها، فهذا يحدث في كل العالم وفي أكثر الأنظمة ديمقراطية، وفي أقلّها أيضاً. وكيف لا في حالة فلسطينيي الداخل، وهم سكّان البلد الأصليون الذين يعانون من جميع أشكال التمييز، تمارس عليهم كأقلية، من قبل نظامٍ عنصريّ تمييزيّ إقصائيّ. كيف لا، وهذه الأقلية هي جزء لا يتجزأ من الشعب العربي الفلسطيني الذي وقع ضحية المشروع الصهيوني منذ أكثر من سبعة وستين عاماً، وهي أيضاً الامتداد الثقافي والسياسي والاجتماعي للوطن.
لست معنياً هنا بمراجعة الأسباب المباشرة التي دفعت عجلة الحوار بقوة بين المختلفين في ما بينهم على أهميتها، كنسبة الحسم المرتفعة (3.25) في هذا السياق. نسبةٌ من شأنها تغييب أحزابٍ كانت فاعلة قوية، لكن حجمها منفرداً لن يمكّنها من اجتياز نسبة الحسم الجديدة ما قد يغيبها عن المشهد البرلماني. كذلك، الضغوط التي تعرّضوا لها من قوى المجتمع المدني أو قوى سياسية ترى في توحّدهم مصلحة سياسية كبيرة تحدّ من توغل اليمين في البرلمان الإسرائيلي، وتجعل منهم قوة معطّلة وكابحة لجموح الأحزاب اليمينية. فأحزاب اليمين المتطرّف تصارع الزمن وتعمل بشراسة لزيادة تمثيلها البرلماني، عبر إقامة الائتلافات والتحالفات التي تدعو في جوهر برامجها إلى طرد العرب وتعزيز الإستيطان واستخدام القبضة الحديدية بحق الفلسطينيين. أحزابٌ أخرى تدعو إلى تبادل السكّان بين غرباء المستوطنين من جهة وسكان البلد الأصليين من جهة أخرى، وقاعدة جمهور هذه الأحزاب هم من غلاة المستوطنين في الضفّة الغربية.
كما أنني لا أقلل من شأن أو دور القوى والحركات التي لا ترى للمشاركة في الانتخابات أية أهمية سياسية أو برلمانية، وهي قوى ذات وزن شعبي، إسلامية كانت أم يسارية، وتتبنى موقفاً رافضاً للمشاركة في الانتخابات والانخراط في الحياة البرلمانية والسياسية الإسرائيلية.
على أيّة حال، لا بد لنا من أن نتذكر أن الدولة العبرية، منذ تأسيسها وبأدواتها المختلفة، مارست كل ما هو ممكن لتفتيت الأقلية الفلسطينية فيها، مرة بالتمييز السكّاني ما بين مسيحي ومسلم ودرزي وبدوي مقيم ومواطن، ومرة ثانية بتحديد مناطق فقيرة ومناطق غنية ومناطق تطوير، ومرة ثالثة عبر تخصيص مجموعة بامتيازات أكثر من نظيرتها بحكم قربها من الدولة، في مقابل حرمان مجموعة من الامتيازات لأنها لا تخدم الدولة بقدر ما تخدمها غيرها من الأقليات داخل الأقلية الواحدة.
إن ما تمارسه الدولة العبرية هو امتداد للمنظومة الاستعمارية ذاتها، تلك التي مورست بعد الحرب العالمية الثانية في كل من لبنان وسوريا ومصر وفلسطين. وليس غريباً أنها مورست في العراق في مطلع الألفية الثالثة، عندما احتلته القوات الأميركية وصمّم خبراؤها الخرائط التي تحقّق هدف تقسيمه. وما هذه الخرائط إلا تقسيمات مذهبية. فهذه دولةٌ للشيعة، وتلك للسنّة، وتلك للأكراد. أكاد أجزم بأن احتلال العراق في العام 2003 شكّل بداية بثّ روح التقسيم المذهبيّ والسياسيّ، وانطلاقة حروبٍ مذهبية في البلدان العربية التي حوّلت أو تكاد تحوّل حلم التخلّص من الأنظمة الاستبدادية إلى كابوسٍ من الفوضى والدمار واليأس. كابوسٌ بات ينتج قوى أشد ظلامية وأكثر تخلفاً مما سبقها.
إن إعلان الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني في اسرائيل عن قائمةٍ عربيةٍ موحّدة لخوض الانتخابات ما هو إلا ردّ على سياسة التفتيت والتقسيم والتجزئة التي انتهجتها الدولة العبرية منذ تأسيسها، والتي تشكّل امتداداً لمنظومةٍ استعمارية. فالكتلة العربية الأكبر التي حملت الرمز "و م ض"، وهذا اختصار لاحرف الكتل الثلاث الاكبر (الجبهة والاسلامية والتجمع) يقودها شابٌ عمره 40 عاماً، وتضمّ مسلمين ومسيحيين ودروزاً ويهوداً، وفيها سيدتان. كذلك، فيها أكاديميون وقادة سياسيون ونشطاء في المجتمع المدني، وفيها تمثيلٌ للمناطق الجغرافية كافة من الشمال إلى الجنوب، على الرغم من احتجاج بعض الكتل وقرارها خوض الانتخابات منفردة. إن الدلالات التمثيلية التي تضمنتها تشكيلة القائمة كبيرة جداً: فكون رئيس القائمة من فئة الشباب إنما هو تمثيلٌ للفئة الأكبر عدداً من أصحاب حق الاقتراع البالغ عددهم نحو 800,000 بحسب معطيات الجهاز المركزي للاحصاء في اسرائيل، 2013 .
أما المشهد المثير حقاً فيجسده اتفاق أحزاب القائمة على الخروج أمام الناس برئيسٍ من كتلة "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة"، وهو الشيوعيّ الميول والمنتخب حديثاً داخل حزبه.. مع العلم أن القائمة تضمّ مندوبي "الحركة الإسلامية" و "التجمع الوطني الديمقراطي"، وممثلين عن مختلف الفئات العمرية والتخصصات ومجالات الحياة المهنية. حقاً، هو مشهدٌ مثيرٌ بدا غريباً في زمن الانقسامات.
علمتُ من أصدقاءٍ أنّ المفاوضات التي سبقت الإعلان عن "القائمة الموحّدة" لم تكن باليسيرة. وأعلن في أكثر من مرة عن فشلها وتمسّك الأطراف كلّ بموقفه وحصّته. مع ذلك، أنجز الفلسطينيون في إسرائيل قائمتهم الموحدة على الرغم من الظروف، ومن كافة أشكال الإنقسام المحيطة بهم، وبغضّ النظر عن عدد المقاعد التي سوف يحصدونها في الانتخابات. إذ يبقى الأمل بأن ما أنجز سيشكّل حتماً نقطة ضوءٍ وبصيص أملٍ في مواقع الإنقسام الأخرى، سواءً داخل فلسطين أو خارجها.