| 

يختنق الصوت وينقطع. تعود الذاكرة إلى الوراء، الذاكرة حيّة في نبرة الصوت، وملامح الوجه، وتعابير اليدين. يروون ذكرياتهم، وماضيهم الذي كان، هم الذين اقتلعهم الصهاينة من أرضهم وبيوتهم وحياتهم. لم يحملوا معهم شيئاً سوى تلك الذاكرة. يصمت البعض، ويسهب البعض الآخر بالحديث. تتفلت الكلمات من أصابع الأيادي، أو تتسرب من تجاعيد البشرة.
تلك الكلمات وجدت من يسعى لحفظها في بيروت اليوم.

بعضٌ من أحداث الذاكرة

"بذكر، بس ما بذكر اليوم ولا الشهر. اللي بعرفو إنو كنا حاصدين القمح، ودارسين البيادر، والبرغل منشور على السطوح، محضرين حالنا بالشتوية"، يقول محمود الشتاوي (مواليد 1936) من بلدة نحف قضاء عكا، وهو يتذكر ما جرى في نكبة العام 1948. "بعد ما عربوا الناس، حكي الظابط اليهودي بطلاقة: يا مسيحية، يا إسلام، معكن نصف ساعة فقط مش أكتر مفروض تغادروا البلد، روحوا عند الحج أمين عبد الله...". وهكذا، اقتلع محمود الشتاوي من أرضه، و "البرغل منشور على السطوح".
ينقل محمود الهندي ما سمعه حينذاك: "اطلعوا عشرة ايام، شمّوا الهوا.. خافي الله عشر ايام بس.. امي تحط الغرض وأبوي يزتّو". ثم يتذكر الهندي: "جابوا القتلى على عكا بكميون شحن، مسفتين متل الحطب، متل العصي عم يشرّ الدم.. شفته المنظر بعيني، مصوّر هلق براسي". الصور ما زالت في الرأس، رائحة الأرض والدم ما زالت في الرأس.
"أنا عائشة سعيد المدهون من يافا وهلق مقيمة بلبنان، ببيروت بطريق الجديدة. خلقت بـ17/11/1929. خلقت بيافا. والدي كان ريّس على البحر، وصاحب أملاك بيافا.. كانت حياتنا سعيدة وحلوة". ثم تخبر عائشة بثقة عن حياتها هي في فلسطين: "درست وخواتي البنات، وتعلمنا خياطة (اللهم صلّ على النبي) بمؤسسة خصوصي للخياطة.. وكانت حياتنا حلوة وكان والدي يشتغل بالبحر وإلو اسمه بالبلد". كانت لهم حياة، وكان لهم بحر، بحر يافا. "وكانت ستّي بنفس البيت، البيت كان واسع وملك (الملك لله)، أربع غرف كبار، صالون، دار براني على مدى البيت.. كانت منطقتنا حلوة كتير". كان لهم بيت ودار كبير. "كنا نلعب بالبيت، لقوطة، حزازير، أغلب الوقت دراسة.. وقتنا كامل بالمدرسة، ندرس عربي، انكليزي، درس رياضة، تدبير منزلي، خياطة.. كان وقتنا كامل". كانت لهم ألعاب، وخيطان، وكان لهم وقت.
كانت تمضي فاطمة العلي وقتها في الزراعة: "نزرع لوبية، بازيلا، نحوشها.. ابوي يحرث ويزرع، نحن نحوش.. كنا نلعب مع هالولاد، نعمل بيوت ونطبخ خبيزة.. البنات لحال والشباب لحال، أهلنا متعصبين". لم تكن تعرف العلي، حين كانت طفلة، ماذا كانت ترغب بأن تصبح حين تكبر: "شو بعرفني، بنشتغل بأرضنا، نفلح، نزرع، نحوّش تين، ملوخية، باذنجان، بامية، هيدي شغلتنا.. ماكونش يحطوا البنات بالمدرسة، الصبيان بس، أحسن ما كانوا يبعتوا مكاتيب لعرسانهم وجيرانهم". كانت لهم أرض، وبامية وخبيزة، وجيران، وعرسان.
"يا بيّ العروس، لا تكن طماع.. يا بيّ العروس، لا تكن عبوسي.. امسح وجاهك وطلع العروسة.. يا بيّ العروس، عشينا ومشينا..". تتذكر ناهية أبو حسن أغاني العرس فترددها. وكانت لهم أعراس وأغاني، "نخ الجمل، قومي اركبي يا مدللة / خايف عليك من الشتي تتبللي. قومي اركبي يا زينة / نخ الجمل قومي اركبي. عريسك الحلو أحلى شاب بالعيلة، يوصل على باب الدار ويرجع يقولك..". وقد كان لهم دار، وسيبقى لهم الحق في أن يعودوا إليه.

800 مقابلة في المخيمات

تشكّل المقابلات الشفوية المذكورة أعلاه نماذج من تسجيلات مشروع "أرشيف التاريخ الشفوي الفلسطيني". وهو مشروع مشترك التنظيم بين "مؤسسة جنى"، و "أرشيف النكبة"، و "معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية"، ومكتبة "الجامعة الأميركية في بيروت".
يحتوي الأرشيف الشفوي على 800 مقابلة مع الأشخاص الذين عايشوا نكبة 1948 وموجودين في المخيمات الفلسطينية في لبنان، أيّ ما يعادل ألف ساعة تسجيلية. يروي هؤلاء الاشخاص حياة فلسطين قبل العام 1948، وتجربة اللجوء، وتأسيس المخيمات ويضمّ أيضاً تجربة النساء في مخيم عين الحلوة خلال الاجتياح الإسرائيلي العام 1982 وإثره، والحكايات والأغاني الشعبية الفلسطينية.
وتتضمن مراحل المشروع، وفق مديرته هنا سليمان، تحويل مواد التسجيل إلى مادة رقمية ("ديجيتل") ومن ثم الفهرسة، والتكشيف، وتعريب البرنامج. ويتم تقسيم المقابلة إلى أجزاء عدّة، ووصف كلّ جزء وفق المضمون الذي يحتويه، وإعطاء معلومات عن الشخص الذي تُجرى المقابلة معه (اسم الشخص، من أيّ قرية في فلسطين، عمله، ...). وتلائم تعابير الفهرسة والتكشيف التجربة الفلسطينية ومفرداتها، وتعتبر الأدوات الرقمية حديثة وسهلة الاستخدام. فمثلاً، يتم تقسيم واحدة من المقابلات مع محمود الهندي إلى: الطفولة والتعلّم، الحياة الاجتماعية والاقتصادية في فترة ما قبل الانتداب البريطاني وخلاله، أحداث 48: التهجير والطرد، تجربة اللجوء، ... مع احترام معايير الأرشفة لسياق الراوي.

هذه الشفويّة مقابل السردية الاستعمارية

ترتكز أهمية المشروع، وفق سليمان، على حفظ تلك المواد في ظلّ غياب أرشيف الذاكرة الجماعية الفلسطينية وخسارة كثيرين من الجيل الذي عايش النكبة، وعلى إعطاء السرديات الشفوية الفلسطينية مصداقية وشرعية مقابل السرديات الغربية والإسرائيلية. كذلك، تبرز أهمية المشروع عبر جعل هذا الأرشيف في متناول المهتمين من باحثين وناشطين ومهتمين. وينوي القيمون على المشروع جعل الأرشيف متاحاً في مكتبات عدّة، وفي المعارض أيضاً لكي يستخدمه المهتمون بطريقة سهلة وعملية. كما سيتم إنشاء موقع إلكترونيّ للتاريخ الشفوي الفلسطيني يحتوي على جميع المقابلات وأجزائها، فيمكن للباحث أن يجد الجزء الذي يريده. تشير سليمان إلى أن نجاح المشروع يكمن في استعمال الأرشيف الشفوي واستثماره بشكل واسع، بغير ذلك لا يحقق المشروع مبتغاه.
كذلك، وبحسب مدير الأبحاث في "معهد عصام فارس" والأستاذ في كلية العلوم الصحية في "الجامعة الأميركية" د. ناصر ياسين أن "الأرشيف الشفوي" يساعد الباحثين المهتمين بدراسة تطوّر المخيمات الفلسطينية في لبنان، والقضايا الاجتماعية المتعلقة بالمخيمات، والسياسات الدولية، وغيرها.

أنصتت لخمسين مقابلة

تعرف الباحثة المساعدة في المشروع لارا عزّام عن القضية الفلسطينية وأحداثها عامة من دون أن تدرك تفاصيل حياة الأشخاص ومعاناتهم. فرّغت أو سمعت عزام خمسين مقابلة ولاحظت ردود أفعال الأشخاص العاطفية، إذ يبكون في بعض اللحظات، أو يتوقفون عن الكلام. ركّز معظم الأشخاص في ذكرياتهم، وفق عزام، على خيانة الأنظمة العربية وعلى معاناتهم بعد وصولهم إلى لبنان.
يظهر بعض الأشخاص عند بدء المقابلة، وفق أحد أعضاء فريق الأرشفة منار فليفل، شعوراً بالتعب سرعان ما يزول ليبدي الأشخاص حماسةً في إخبار قصتهم للعالم ونقل معاناتهم وقضيتهم، حتى إن البعض يشكر المشروع الذي يحفظ ذكرياتهم. يردد كثيرون، وفق فليفل، أهمية أن تتذكر الأجيال الشابة فلسطين وإن "فلسطين ما راحت، وبدنا نرجع على بلادنا"، ملوّحين بمفاتيحهم والأوراق الثبوتية وصكوك الأراضي.
"تختلف الطبقات الاجتماعية التي ينتمي إليها الاشخاص الذين يروون ذكرياتهم، منهم من كان يعزف البيانو في صغره، ومنهم من كان يلهو في الشارع. غير أن جميع الطبقات الاجتماعية، على اختلافها وتنوعها، عاشت مرارة خسارة فلسطين"، تقول واحدة من أعضاء فريق الأرشفة، جوان بستاني، مشيرة إلى شعور الأفراد بفقدان الأمل بتغيير الأمور التي حصلت. وتشرح بستاني أن التاريخ الشفوي هو وسيلة للأشخاص الذين لم يتمكنوا من كتابة تاريخهم في إظهار السردية الحقيقية للقضية الفلسطينية التي تناقض سردية الصهاينة.

قراءة اجتماعية في "الشفوية"

تشير الاستاذة في علم الاجتماع في "الجامعة الأميركية" وعضو اللجنة الاستشارية للمشروع الدكتورة أناهيد الحردان إلى أن الذكريات لا تدلّ على الماضي فحسب، بل إنها ترتبط بالحاضر، وتظهر علاقة الأشخاص بالحاضر، بأحداث معاصرة، إذ ما زال الفلسطينيون اللاجئون في الشتات وما زال هناك استعمار استيطاني حاكم في فلسطين. كذلك، هي ترتبط بالحاضر لجهة السياق الاجتماعي والسياسي المرتكز على واقع الفلسطينيين اللاجئين الذين يتشاركون الذكريات. ويمكن استثمار تلك الذكريات في الدفاع عن حق اللاجئين بالعودة، خصوصاً في ظل وجود شعور عند اللاجئين بأن القيادة الفلسطينية تخلّت عنهم وعن حقهم بالعودة. وبذلك، تشكّل تلك الذكريات الحيّة وسيلة للبحث عن العدالة والدفاع عن حق العودة.
ويختلف الأرشيف الشفوي عن الأرشيف المكتوب. إذ يعتبر الأرشيف الشفوي خاماً يحمل بشكل أقل تدخلات المؤرخين والمصنّفين. ويعتبر مصدراً للذكريات الحيّة، فيمكن للفرد أن يسمع الأحاديث، ويشعر بنبرة الصوت وبرد الفعل. في المقابل، يفتقد الأرشيف المكتوب تلك الخصائص، فيشكل الأرشيف الشفوي، تالياً، طريقة مختلفة لفهم التاريخ.
وفي الختام، تلحظ الحردان تمسّك الفلسطينيين بالأرشيف الشفوي، في ظل سرقة الوثائق التاريخية والمكتبات وسلبها. إذ لم يبق للتاريخ سوى تلك الذكريات التي يحملها الفلسطينيون ويروونها.