| 

جولة قصيرة في شوارع يافا لا بد لها أن تلفت الأنظار إلى التحوّلات التي تمرّ بها المدينة/ الضاحية. فهنا، ترتدي البنايات ألواناً جديدة. وهناك، تحضر شوارعٌ يتم استصلاحها، وترصف جوانبها لتتسع لمقاعد وورود. وهذا فندقٌ جديد يتم تشييده بين ساحة الساعة وشاطئ البحر. وعلى مسافة قريبة من هناك، بين محلات الأنتيك التي ما زالت تعمل في سوق العتق، تنتشر متاجر أنيقة، معارض صغيرة لفنانين ومصممين، وحوانيت لملابس "الفينتاج". ما أن تغلق هذه المحال أبوابها، حتى تحتل المقاهي والحانات أزقة السوق وتكتظ بالرواد الوافدين بمعظمهم من تل أبيب والمدن اليهودية المجاورة.
يافا التي تقلّصت من مدينة إلى ضاحية من ضواحي تل أبيب وأرفقت بها جغرافياً وإدارياً، اعتبرت لسنوات طويلة بؤرة مخدرات وجريمة. كان ذلك قبل أن تبدأ باستقطاب الوافدين الجدد من الإسرائيليين الذين يأتون إليها بحثاً عن السكن أو الاستثمار، وبين هذا وذلك يهندسون البيئة بما يتناسب واحتياجاتهم، بدءاً من الخدمات البلدية وصولاً إلى الترفيه. فكيف تحولت يافا من ضاحية فقرٍ إلى لؤلؤة عقارية يتهافت الإسرائيليون ببرجوازييهم وأغنيائهم لتملّك أيّ شيء فيها، حتى لو كان مخزناً بمساحة بضعة أمتار؟

اسمه "الاستطباق"

هي عمليات شهدتها وتشهدها مناطق مختلفة من البلاد كما في خارجها، يشار إليها باللغة الأكاديمية عبر مصطلح "الاستطباق" (والمصطلح المعروف أكثر بالانكليزية هو "جنتريفيكايشن": gentrification)، ويقصد بها وفود طبقات اجتماعية وسطى وعليا إلى أحياءٍ ومناطق سكنية تعتبر ضعيفة وهامشية، ما يؤدي إلى تغيير طابع هذه الأماكن بشكل تدريجيّ. عادةً، يبدأ الاستطباق باكتشاف الفنانين والبوهيميين للمكان وانتقالهم للسكن فيه، ما يرفع بدوره من جاذبية المكان ليستقطب لاحقاً اصحاب الاموال والمستثمرين على أشكالهم، تماماً كما كانت الحال في يافا.
على الأرض، يشرح العضو السابق بالمجلس البلدي تل أبيب-يافا والباحث بتاريخ يافا، سامي أبو شحادة، الآلية التي شهدتها يافا: "في البداية، تمركزت هذه السيرورة في المنطقة المحاذية لشاطئ البحر في حيّ العجمي. فجذب سوق العقارات، بينما كانت أسعار البيوت المنخفضة، حتى بداية التسعينيات، والفلل الفلسطينية القديمة المتواجدة بالحي تمتاز بهندسة معمارية خاصة جداً. البعض رأى أن بامكانه تحويل هذه الفلل الى قصور بمبالغ مالية صغيرة، مختصراً على نفسه الكثير من الاجراءات التخطيطية والبيروقراطية التي تتطلبها عمليات البناء الجديد. من العجمي، امتدت هذه العمليات من الغرب إلى الشرق حتى وصلت كافة الأحياء تقريباً. مشاريع الإسكان الكبرى، التي تشتمل على عشرات أو مئات الوحدات السكنية، صارت تستهدف الطبقات الاجتماعية والاقتصادية العليا. حتى في أصعب أحياء يافا، أقيمت مشاريع بالملايين". وهو يرى أن "عمليات الاستطباق هنا أسوأ وأصعب بكثير. فيافا تقع في منطقة المركز وبجانب تل أبيب، وعشرات آلاف الناس يريدون أن يسكنوا في هذه المنطقة، من فنانين لطلاب جامعات لموظفي شركات هايتك وغيره". ويبين ابو شحادة أن "السوق قام بأشياء غريبة لم يكن أحد يتخيلها، فالتطور السريع خلق أزمة بأسعار البيوت للشراء وللايجار. أسعار البيوت ارتفعت منذ منتصف التسعينيات، ولكن سرعة ارتفاع الأسعار في يافا كانت خيالية. ليس من المبالغة أن نقول أن سوق العقارات في يافا حقّق أرقاماً قياسية".

المستوطنون الجدد

يلفت أبو شحادة إلى أن البيت الذي ثُمّن بثلاثين ألف دولار في حيّ العجمي في نهاية الثمانينيات، تضاعف سعره عشر مرات مع حلول منتصف التسعينيات. وهذه الأسعار عادت وتضاعفت حوالي خمس مرات مع دخول الألفية الجديدة. يقول: "لم يحلم أحد بأمور من هذا النوع. أرخص بيت اليوم بمدينة يافا، بيت تعبان بعمارة قديمة، بدون مصعد وموقف سيارة، بمساحة 65-70 مترا، يكلف 200 ألف دولار. ما يعني أن الشخص الناجح نسبياً من الطبقة الوسطى، إذا ما تقاضى ألفي دولار بالشهر، يجب أن يعمل مئة شهر ويوفر كل ما يجنيه، من دون أن يأكل أو يشرب، ليستطيع شراء هكذا بيت!".
مع ذلك، يرى أبو شحادة أن العملية "مركّبة" وقد تحمل أكثر من نتيجة: "لقد استفاد بعض أهالي يافا من هذه التغيرات، فالأقلية من أبناء الطبقة الوسطى بدأت الاستثمار بسوق العقارات وسخرت معرفتها بالمجتمع وتفاصيل حياته لصنع الأرباح. البلدية أيضاً استثمرت مبالغ رهيبة في تطوير الحيّز، لتشجيع عمليات الاستطباق. أقيمت بنية تحتية جديدة، وقدم زبائن أغنياء بالامكان بيعهم القهوة والخضار بأسعار أغلى. نحن أنفسنا أعدنا اكتشاف المدينة عندما رأينا أن غيرنا على استعداد للاستثمار فيها".
إلا أن أبو جورج (مواليد 1945 - من سكان العجمي) يرى أن الفائدة التي يجنيها البعض تقوم على معادلة أخرى: "كل البنى التحتية والأرصفة التي بنوها لم تكن لسواد عيوننا بل ليأتي أناس آخرون ويسكنوا بالبلد على حسابنا". ويشرح: "في منطقة سكنة الهريش حيث تتواجد أجمل بيوت يافا التاريخية، لم تبق إلا عائلة عربية واحدة أو اثنتان، حيث تسكن هناك اليوم نخبة من العائلات الحاكمة في إسرائيل، كعائلات دانكنير وفرطهايمر. جدّدوا المباني، ورمموا البيوت، والبيت الذي كان بطابق صار بطابقين وثلاثة، وشوهوا شكله الحقيقي بطريقة غير عفوية البتة. في شارع الميناء الغربي، هدموا كل البنى الشعبية والمخازن القديمة، وخرجوا بمبان جديدة من غير المفهوم إن كانت شرقية أم غربية. حتى عندما حاولوا البناء بطريقة معمارية مشابهة للأصل، غلب الطابع الإسرائيلي على الروح الفلسطينية التي كانت بالمكان. كانت هناك مساكن تدلّ على الحياة، حوّلوها لفلل لا علاقة لها بيافا وأسكنوا فيها أناس غرباء، مستوطنين من غير النوع الذي نعرفه من القدس والضفّة. مستوطنون عالميون-غربيون لديهم بيوت بأمريكا وأوروبا أيضاً. نحن جوامعنا هنا، وكنائسنا هنا، وارتباطنا الوطني والتاريخي هنا، أما هؤلاء فيشترون البيوت ولا يعيشون في الحي حقّاً فلا نراهم ولا نحتك بهم. حتى مشاكلهم لا تشبه مشاكلنا. مشاكل أغنياء".

"لليهود فقط"، بوهيميون وأغنياء

يشتري الأغنياء البيوت في يافا بالملايين، ويقتنص المستثمرون الفرص لإقامة المشاريع السكنية. في المقابل، يعاني المجتمع اليافاوي من واقعٍ سكني شبه مستحيل التعامل معه، وكان ذلك من قبل أن تنافسه على البيوت طبقات أقوى اجتماعياً واقتصادياً. فقد ارتفع عدد سكان يافا منذ العام 1949، بعد النكبة وحتى اليوم، من 4 آلاف نسمة إلى 20 ألف نسمة، ولكن العرض في سوق السكن قلّ بدلاً من أن يزيد. حيّ المنشية الواقع شمالي المدينة تمّ تدميره وتحويل ما تبقّى منه إلى مجمع تجاري/سياحي. وكذلك هي الحال بالنسبة إلى البلدة القديمة التي تحوّل ما تبقى منها إلى قرية فنانين - لليهود فقط.
جميع أحياء يافا الشرقية، مثل تلّ الريش وسكنة درويش وأبو كبير والنزهة، تم تهويدها. في السبعينيات والثمانينيات، تمّ هدم ما بين ثلاثة وأربعة آلاف بيت معظمها في العجمي والجبالية. وبينما تضاعف عدد السكان خمس مرات، لم يتم بناء أحياء جديدة أو إيجاد حلول سكنية لأهل البلد. إلى ذلك، فإن غالبية العائلات اليافاوية تعيش ببيوت بملكية جزئية، أي إنها لا تمتلكها تماماً. فبعدما تمّت مصادرة يافا في العام 1948 ببيوتها وأراضيها، قامت الدولة بتخصيص مساكن للعائلات اليافوية وفق عقودٍ كانت رخيصة الكلفة لكنها بقيت مليئة بالإشكاليات. فالكثيرون لا يستطيعون امتلاك البيت، حتى بعدما سكنوا فيه لمدة ستين عاماً. ولذلك، تراهم لا يستطيعون أيضاً توريثه لأولادهم، كما أنهم بسبب القوانين السائدة لا يستطيعون القيام بأية تغييرات في البيت طالما أنه ليس بملكيتهم.
خلال التسعينيات، ومع التوقيع على معاهدة أوسلو، خافت إسرائيل أن يحصل سلام فيطالب الفلسطينيون باستعادة أملاكهم (ما يسمى "أملاك الغائبين")، فقررت أن تباشر بيعها. وفق العقود التي وقّعت مع السكان، يتوجب على الدولة أن تعرض على المستأجر شراء البيت قبل أن تطرحه للبيع بالمزاد العلني. ويحقّ للمستأجر الحصول على تخفيض قيمته 250 ألف شيكل (حوالي 65 ألف دولار). نظرياً، بات بامكان المستأجرين أن يصبحوا ملاكين، ولكن عملياً، فإن عمليات الاستطباق رفعت أسعار البيوت بالأضعاف لدرجة أن مبلغ 250 الف شيكل ما عاد يشكّل أي فارق، خاصةً وأننا نتحدث عن أناس بأوضاع اقتصادية صعبة جداً. من هنا، عندما لا تتمكن العائلة من شراء البيت الذي تقيم فيه، يحقّ للدولة أن تعرضه للبيع، وقد تبيع البيت والسكان ما زالوا فيه كما حدث بضع مرّات.
اليوم، توجد أوامر إخلاء/طرد ضد ثمانمئة عائلة يافاوية، وتنتظر 250 عائلة أخرى الحصول على مساكن شعبية منذ سنوات. "ولكنهم يبيعون البنايات بشارع يهودا هيميت (شارع فيصل) لأناس آخرين"، يشرح أبو جورج، ويكمل: "الأهالي لا يمتلكون القوة ليقفوا في مواجهة الدولة والمستثمرين. القوانين التي تعمل بها الدولة تفتح الطريق أمام إخلاء البيوت من سكانها العرب حتى يدخل مكانهم أناس أغنى منهم. أما حيتان العقارات فينتظرون خلو أيّ منزل حتى يضعوا أيديهم عليه، فكيف إذا كان الحديث عن بيت كبيتي الذي يطل على البحر مباشرةً ولا يمكن لأحد أن يبني أمامه ويخفي المنظر؟".
يستعيد أبو جورج الذاكرة، ويروي: "في العام 1966، هدموا بيتنا القديم. فانتقلنا إلى هذا البيت بالعجمي. والآن، يريدون أن يخرجونا منه. لقد بدأوا بالمضايقات منذ أن ارتفعت أسعار البيوت هنا. ورغم أننا نريد شراء البيت، إلا أنهم يحاولون بكل الطرق إقناعنا بأن نوافق على بيعه بالمزاد العلني، مع العلم أنهم يستطيعون إدخال أموال أكثر لخزينة الدولة إذا ما باعوه بالسوق. في كل مرة يعرضون علينا مبالغ أكبر، ولكن إلى أين نذهب إذا خرجنا من هنا؟! لقد ولدت بجانب البحر لعائلة صيادين، وكبرت هنا حتى عملت بالبحر بنفسي. أنا انتمي إلى هذا المكان، وارتباطي النفسي والروحاني بالبحر لا يمكن أن يقدر بثمن".
لائقون سياسياً..
يقول المحامي هشام شبايطة، وهو ناشط في "دارنا - اللجنة الشعبية للدفاع عن الأرض والمسكن" في يافا: "من غير المعقول أن يقرروا لنا كل بضعة أعوام أين نسكن. منذ الـ 48 وحتى اليوم، هناك عائلات بيافا انتقلت من حيّ لحيّ خمس مرات رغماً عن ارادتها. بعض العائلات قررت الإنتقال إلى الرملة واللد، فهناك تستطيع بناء فيلا بسعر شقّة غرفتين بيافا. والأخطر أن هناك عائلات انتقلت الى بات-يام أو إلى جنوب تل أبيب! هذه كارثة لأن الناس تخرج من محيطها الطبيعي وتبتعد عن مناخ الحياة العربي. نسبة 53 في المئة من العرب في إسرائيل يسكنون في الشمال، أما يافا فمحاطة بمدن يهودية من كلّ اتجاه، ومن يخرج منها يترك تاريخه وليس فقط بيته. السلطات تعي ذلك، والبلدية تعرف أن العرب ليس لديهم وجهة يقصدونها". ويضع شبايطة هذه الإجراءات في سياقها كـ "قرارات سياسية"، شارحاً أن "كل أراضي يافا تابعة للدولة، وهي التي تبيعها بالتوقيت وبالسعر الذي تريده. والدولة بدأت ببيع الأراضي، وهي إذا قامت بتسويقها فقد يتقدم لشرائها يهود وليس فقط عرب. في السبعينيات، تحدثوا عن تهويد يافا، اليوم تراهم لا يستخدمون هذا المصطلح لأنه ليس لائقا - سياسياً. بالحالتين، النتيجة واحدة".