| 

مضى عامٌ ونيّف على "يوم الغضب" الذي أحياه فلسطينيو الداخل، بهدف إسقاط مخطط "برافر" العنصري الذي سعى إلى مصادرة ثمانمئة ألف دونم من أراضي النقب وإزالة أكثر من أربعين قرية من القرى البدوية غير المعترف بها في جنوب فلسطين.
لم تستعِد الجماهير العربية في الداخل يومًا مثيلاً للغضب، تضامناً مع أهل النقب إلا عندما سقط اثنان من شباب النقب على أيدي رجال الشرطة الإسرائيلية: سامي الجعار (20 عاماً)، قنصه جندي إسرائيلي في باحة منزله، بينما كان الجنود "يصدّون" حجارة متظاهرين في الشارع المجاور، وسامي زيادنة (47 عاماً) الذي قتله الغاز الذي أطلقه الإسرائيليون على مسيرة تشييع الجعّار.
عندها، أعلنت الجماهير العربية في الداخل إضرابًا شاملاً تضامنًا مع أهل النقبِ واستنكارًا للجريمة التي اقتُرفت بحقّ اثنين من أبنائها. انتهى الإضراب الشامل في يومٍ واحد، فعاد أهلُ النقب ليصارعوا المؤسسة الإسرائيلية وحدهم، واعتُقل منهم أكثر من عشرين شخصًا، كلهم من النقب ورهط.

حصارٌ واستهداف

خلال زيارة "السفير" لعائلة الشهيد سامي الجعار التي تقيم في مدينة رهط، التقينا صدفةً بمحامي العائلة وهو إسرائيلي يهودي من عائلة زيلبرمان. وقد اختاره ربّ العائلة خالد، "لأنّه يهوديٌ يفهم مخططاتهم، ويمكنه أن يحاججهم، ويسترد بعضاً من حق العائلة بعد سقوط ابننا شهيدًا".
في بيت الوالد، تحاصر المرء ألواح الزينكو التي تحيط بالمكان غير المسقوف. فهو بيت من البيوت غير المعترف بها، وكان مِن المفترض أن يعين الوالد راتب ابنه من عمله في أحد المصانِع الإسرائيلية القريبة منِ رهط، كي يجمع مبلغًا يستطيع به شراءَ منزلٍ تعترف بِه وزارة الداخلية وسائر المؤسسات الإسرائيلية.
يقول الوالد الذي ضُرِبَ وسُجِن وأهينَ بسبب ابنه، أنه كانَ في يوم من الأيام أكثر تسامحًا مع هذه الدولة، لكنه اليوم متأكدٌ من عنصرية الدولة. يقول الوالد: "لقد أطلقَ الشرطي المجرم "إيتسيك" النار على ابني وهو في ساحة البيت".
وبينما صمتت الوالدة وتمنت الرحمَة لابنها، تمّنت أيضًا ألا يرحم القاتل. أما الوالِد فقال أنه استفدتُ من الدرس المرير: "بعد رحيل ابني، لا تُعطي ظهرك للشرطة في هذه الدولة العنصرية التي تقتل بدمٍ بارد. وأعتقد أنّ الأيام المقبلة ستكون أسوأ وأكثر خطورة على حياة كل عربي".
صحيح أنّ النقب جزءٌ هام وأساسي من فلسطين في المواجهة مع إسرائيل، التي تسعى لحشر البدو في بعض المدن العصرية مثل "رهط" و "بئر السبع"، من دون إحداث تغييرٍ جديّ منوط بالحقوق والواجبات. وصحيحٌ أنّ الخدمات والتعليم والصحة والمواصلات والمياه والكهرباء وصلت إلى رهط مؤخرًا، إلاّ أنّ المواطنين المتمدنين في البلدة مُستهدفون ومُحاصَرون ومُغيَّبون ومعزولون عن سائر مناطق الـ48. فلما يروق لإسرائيل، تُسقط عليهم بعض الفتات قبل أن ترسل إخطارات هدمٍ لا تتوقف، وتحرِّر مخالفاتها المستمرة، كي تحرمهم شعور الأمان في بلدهم.
بعد الجريمتين المتتاليتين اللتيْن أصابتا عائلتي الشهيديْن الجعار والزيادنة، فإنّ الثقة التي تطلبها المؤسسة الإسرائيلية لن تنالها. وقد جاءَ الردّ سريعًا بالمشاركة في الجنازتين، والتأكيد على ضرورة الحفاظ على الهوية ومحاكمة القتلة، من دون التنازل عن الأرض بأيِ شكلٍ مِن الأشكال.

"سكتة قلبية"، ترافقها ككابوس

في منزل والدة الشهيد سامي الزيادنة، تراها جالسةً بين النساء، لكنّ عيونها خانتها وتاهت مِنها في الكثير مِن الأحيان. تروي بلوعةٍ، بعد رحيل ابنها، كبير العائلة بين أشقائه الثلاثة: "عادوا إليّ بسامي، بعد مساءٍ طويل كنتُ أنتظره خلاله.. في البداية، قالوا أنه بخير، وسيعودُ إليكِ. لاحقاً، أبلغونا من المستشفى أنه توفي بسكتةٍ قلبية. هم لا يعرفون أننا أكيدون مِن أنّ الشرطة قتلته بدمٍ بارد، وخنقته بالغاز المسيل للدموع. وما يُدريني أنه ليسَ غازًا سامًا ذاك الذي قتلَ ابني في قلبه المُتعَب من سنين".
شاركت الناشطة منى جسار (من بلدة جت في المثلث) بجنازة الشاب الراحل سامي الجعّار، التي استشهَد فيها سامي الزيادنة إثر إطلاق الشرطة للغاز المسيل للدموع على الحشد.
منى تشعر بأن جريمة قتل الزيادنة كابوس لا يختفي من بالها، يصاحبها، وهي تحاول العودة منه إلى الواقع بصورة تدريجية. فقد عاشت ليلةً عصيبة، تخللتها مشاهد مِن العُنف الشُرطيّ المصحوب بإطلاق النار والضربِ والغازات المسيلة للدموع، ... حتى تحولت السماء في ليلة الثامن عشر من كانون الثاني الماضي، إلى موجةٍ من المفرقعات والنيران، ومواجهاتٍ عنيفة بين الشرطة والمتواجدين.
تقول لـ "السفير": "انتبهتُ أنّ الشباب لوّحوا للشرطي ألا يصعد إلى حيث المُصلّين على روح سامي الجعار، لكنّ الشرطي بكل وقاحة حرّك أصبعه الوسطى، مستخفًا بتحذيرات الشباب، وتابع طريقه باتجاه المعزين عند المقبرة. رأيتُ الشباب من خلفي يصرخون على الشرطة، لم أفكر ولو للحظة بأنّ الأمر سيتعدّى ذلك، طلقات النيران تخترق السماء.. دقيقتان وإذ بـأربع سياراتٍ للشرطة (اليسّام) تقتحم المكان، وأصوات الأطفال والصغار يتراكضون.. دخلتُ في حالة هلع، حاولتُ الاتصال بالآخرين، لكن فُقِدَ الاتصال، ارتعش جسدي خوفًا".
قالت: "مرّت أربعون دقيقة من المواجهات مع الشرطة، إذ تعاملت الشرطة معنا نحن العرب وكأننا من فصيلة الحيوانات. وخلفي مشاهدُ بكاءٍ وعويل، وحرائق في السماء.. والنتيجة: عشرات الإصابات، وشهيد".
منّى تؤمِن بضرورة فك الحصار عن النقب من خلال تكثيف الوجود لفلسطينيي الداخل في النقب، ما يُسهِم في مواجهة مخططات الاستيلاء على الأراضي التي لا تحيدُ عنها إسرائيل، ومدينة رهط رغم تمدنها إلا أنّ مواطنيها في مرمى الاستهداف، فقط لأنهم عربًا، وكأننا في الأفضلية درجة ثالثة أو رابعة، ولعلّ الاحتلال برائحته الكريهة، ساهَم مِن حيثُ لا يقصِد بتعزيز الانتماء للأرض والوطن، وفُتحت أبواب التعليم أمام النساء، كالرجال، بل إنّ الفتيات تفوقن على الرجل في التحصيل العلمي، ونسبتهن تجاوزت الـ 80%.
"بِتُ أشعُرُ بالغثيان كُلما تذكرتُ الأحداث العنيفة التي مرّت أمامي في بثٍ مُباشِر، صِرْتُ أكيدة أنّنا سنقوى ونصمد مِن أجلِ البقاء في الوطن".

كبرتُ بلا ماء ولا كهرباء

الشابة عائشة الزيادنة تقيم في قرية أم نميلة، وقد عاشت منذ صغرها تجربة قاسية مع العائلة في بيتٍ لا كهرباء فيه ولا ماء: "ولما قرّر والدي بناء بيت، جاءت الشرطة وألصقت به أمرًا بالهدم. وكنتُ في صغري قلقة كل الوقت مِن وصول البلدوزرات في أيةِ لحظةٍ وهدمِ بيتنا الذي أحببته.. يحاربونا في حقنا في البقاء في بيتنا".
عن رهط تقول: "هي المدينة التي تشعُرُ فيها بالأمان.. سعيدةٌ أنني أعملُ فيها، لكنها كغيرها مِن المناطق في النقب تعاني من التهميش والفقر وتفتقر إلى فرص العمل.. وفوق ذلك كله، مهما حققت مِن إنجازات، فإنّ شيئاً واحدًا تصبو إليه ولن يكون من السهل تحقيقه وهو الحصول على حياةٍ كريمة، في ظلِ العدائية والعنصرية تجاهنا كعرب".
في رهط تحديداً، يسكن نحو ستين ألف مواطن، محاصرين في 8850 دونمًا، بينما تتمتع مستوطنة "لخيش" بمنطقة نفوذ مساحتها نصف مليون دونم، وعدد سكانها يبلغ 6300 نسمة.
تقول عائشة أنّها منذ طفولتها وجب عليها تخطّي الحواجز لتحقيق نجاحها، سواء في تعليمها الجامعي أو في عملها. تقول أنّ التحرُر "لا يمكن أن يكون مِن غير دعم المرأةِ في النقَب، ولا حقَ يُمكن استعادته ولا أرض يسهُل الظفر بِها دونَ نضالٍ طويل، وعلى المرأة في النقب المحاربة لنيل حقوقها".
تطبِّق إسرائيل سياسة الحصار القسري على مناطق النقب بمجملها وبينها: تل السبع، اللقية، شقيب السلام، عرعرة وحورة. ومن الجدير الإشارة هنا إلى أنّ نسبة 10 في المئة من المواطنين في النقب تعيش مُحاصرة في بقعة لا تزيد عن نسبه 2 في المئة من أراضي المنطقة. وترفُض إسرائيل الاعتراف بمعظم قرى العرب البدو في النقب، وتحرم سكانها من احتياجاتهم الإنسانية، إذ تخصص مئات آلاف الدونمات للسلطات المحلية اليهودية رغم قلة عدد سكانها مقابل اقتطاعٍ مستمر للأراضي التابعة لمناطق نفوذ السلطات المحلية العربية.. علماً أن الأخيرة تشكّل بمنظار المسؤولين الإسرائيليين "عدوًا".