| 

بخلاف الانطباع الناجم عن إطلاق وصف "العصابات الصهيونية" على المنظمات العسكرية الصهيونية التي نفّذت التطهير العرقيّ بحق الفلسطينيين، فإن الحقائق التاريخية تؤكد أن أكبرها، "الهاغاناه"، كانت جيشاً مكوناً من عشرات الآلاف من الجنود المدرّبين، يمتلك سلاحي طيران وبحرية، وجهاز استخبارات وقوات صاعقة، وإذاعة.
وإلى جانب "الهاغاناه"، اضطلعت "منظمة الأرغون"، التي تجاوز عدد عناصرها عدة آلاف، و "منظمة ليحي"، بدور في تنفيذ مجازر بحق الفلسطينيين، وامتلكت الأولى جهاز استخبارات فيما نفذت الثانية هجمات إرهابية في أوروبا.
بالاضافة لاعتمادها على هذه المنظمات الإرهابية في قمع ثورات الشعب الفلسطيني خلال فترة انتدابها عليه، استخدمت بريطانيا هذه المنظمات في تنفيذ مهام حربية ضد الدول العربية.
إن التنافس بين "الهاغاناه" و "الأرغون" و "ليحي" أشعل حروباً بين هذه المنظمات، استُخدمت فيها الاغتيالات، بل ان الأمر بلغ في "ليحي" إلى السعي للتحالف مع النازية، بعد تعاون أخواتها مع بريطانيا ضدها.
ينشر ملحق "فلسطين" تباعاً سلسلةً مقالات تعالج هذه المنظمات العسكرية، وتوضح موقعها الفعلي على الأرض ودورها في إحلال النكبة.
في عدد كانون الثاني، قدّمنا "الهاغاناه".
في عدد شباط 2015، نقدّم "الأرغون".



في مقالته الشهيرة التي عنونها "الجدار الحديدي"، والمنشورة في العام 1922، يخلص المرشد الأعلى لمنظمة "الأرغون" فلاديمر جابوتنسكي إلى أن كل شعبٍ سيقاتل المستوطن ما بقيت بارقة أمل تبشر بإمكانية الخلاص من خطر الاستيطان. ويضيف: "على هذا النحو يتصرف عرب اسرائيل، وعلى هذا النحو سيتصرفون ما داموا يعتقدون أنه بمقدورهم منع تحويل فلسطين إلى أرض إسرائيل". وسيتطور الاستيطان اليهودي في فلسطين تحت حماية قوة غير مرتبطة بالمواطنين الأصليين، ولن يكون بمقدورهم اختراق "ستار حديدي" في البداية. سيكون الانتداب البريطاني ثم تكون دولة اليهود، وبعدها يتوقع جابوتنسكي ظهور المعتدلين في صفوف الفلسطينيين الذين سيتم التفاوض معهم لمنحهم بعض الامتيازات. هذه المقالة تُعتبر الحجة الرئيسية لتبرير التطهير العرقي الدموي الذي مارسته "الأرغون" بهدف تحويل فلسطين الى "أرض إسرائيل".

"المنظمة العسكرية القومية"

فوجئت "الهاغاناه" وهي الجسم العسكري المركزي للحركة الصهيونية في فلسطين بثورة الشعب الفلسطيني في العام 1929، التي أدّت إلى مقتل 133 مستوطناً وإصابة 239 منهم بجراح معظمها خطيرة. وعلى الرغم من استشهاد 116 فلسطينياً وجرح 232، فإن "الهاغاناه" لم تكن مستعدة لمجابهة الثورة.
في أعقاب تلك الثورة، بدأت أصوات بعض قادة "الهاغاناه" بتوجيه الانتقادات لقيادتها العليا، وكان على رأس هؤلاء ابراهام تهومي، قائد فرع "الهاغاناه" في القدس. تمت إقالته في العام 1931، لينشق ومعه غالبية قادة فرع "الهاغاناه" في القدس، ويتشكلوا في منظمة اختاروا لها اسم "المنظمة العسكرية القومية"، للدلالة على هوية منظمتهم الوليدة التي عانت من ضائقة مالية.
تمركزت المنظمة الجديدة في البداية في القدس، وانضمت إليها مجموعة من طلبة "الجامعة العبرية". مع مرور الوقت، انضم شبابٌ جدد إلى المنظمة وصلوا إليها من صفوف حركتي "بيتار" و "مكابي" الرياضيتين. كذلك، أنشئت فروع للمنظمة في كل التجمعات الاستيطانية.
لجأ تهومي إلى جابوتنسكي لتوفير الدعم المالي لمنظمته، فأصبح الأخير القائد الأعلى للمنظمة حتى وفاته. غالبية العناصر التي انضمت إليها لاحقاً قدموا من صفوف "الحركة الصهيونية التصحيحية" التي أنشأها جابوتنسكي بعد انشقاقه عن "الحركة الصهيونية" لرفضه الفكر الاشتراكي الذي كان يعتنقه التيار المركزي في "الحركة الصهيونية".

"فقط هكذا"، فلسطين والأردن

اتخذت المنظمة اسم "المنظمة العسكرية القومية"، وتم اختصار الاسم بالعبرية بجمع الأحرف الأولى للاسم الكامل ليصبح "إتسل". وتشير الأدبيات العربية إلى المنظمة بكلمة "الأرغون" وتعني "المنظمة" بالعبرية. واتخذت المنظمة شعاراً مكوناً من كلمتين هما: "فقط هكذا"، تظهر إلى جانبه يد ممسكة بندقية على خلفية خريطة فلسطين والأردن. عدد أفراد "الأرغون" تراوح ما بين عدّة مئات في سنوات الأزمات وعدّة آلاف في سنوات الذروة.
كانت "الأرغون" ترى في نفسها منظمةً سرّية. ولذلك، اعتمدت في هجماتها، إن على الفلسطينيين أو الانتداب البريطاني، أسلوب حرب العصابات الذي يقوم على الهجمات السرية والكمائن الخاطفة والسيارات المفخخة. إلا أن مناحيم بيغين ـــ وهو آخر زعيم للمنظمة قبل حلّها وقد شغل لاحقاً منصب رئيس الحكومة الإسرائيلية ـــ أدخل تغييرات جذرية على بنيتها، وتم إنشاء وحدات عسكرية نظامية استعداداً للانسحاب البريطاني من فلسطين. وهو انسحاب ستعقببه حربٌ مصيرية، بحسب تقديرات بيغين.

مخابرات، تصفيات، و "سلاح الدعاية"

في العام 1936، تمت صياغة لوائح المؤسسات المركزية في المنظمة، وأنشئت قيادة قطرية مكونة من ثلاثة أشخاص، من بينهم القائد العام. وأوكلت للقيادة القطرية مسؤولية اللجنة التقنية القطرية، والقسم التنفيذي، وقسم التخزين، وجهاز المخابرات، وقسم التجنيد، والتموين، والقسم المالي، وصندوق التوفير.
أخضعت "الأرغون" عناصرها لتدربيات على القتال الميداني، والتفجيرات، واللياقة البدنية، واستخدام السلاح الخفيف، والمسدسات، والبنادق الآلية والعادية. وامتلكت "الأرغون" جهاز مخابرات حمل اسم "ميشي"، نجح بنشر جواسيسه داخل فلسطين، كما في لبنان وسوريا، واخترق جهاز شرطة الانتداب البريطاني ومخابراته وبقية أجهزة الانتداب الحكومية.
على الرغم من أن الفلسطينيين كانوا محور عمل جهاز المخابرات التابع لـ "الأرغون"، فقد كرّس جهوده للتجسس الداخلي، خصوصاً على منظمة "الهاغاناه" في ظل تفاقم الخلافات بين الطرفين التي وصلت إلى تبادل عمليات القتل.
وأنشأت "الأرغون" جهازاً دعائياً أطلقت عليه تسمية: "سلاح الدعاية الثوري". في البداية، وجه خطابه داخلياً إلى الأفراد المنضوين إلى المنظمة لتوضيح مبررات إنشاء المنظمة. خلال عامي 1938ـــ1939، وجهت "الأرغون" دعايتها إلى المستوطنين لإقناعهم بجدوى شنّ الهجمات المسلحة ضد الفلسطينيين. وتم ذلك عن طريق توزيع المنشورات على الأفراد أو إلصاقها على الجدران أو من خلال إذاعة "صوت صهيون" التي أطلقتها المنظمة في العام 1939.

أوروبا تمدّها بالسلاح واليهود

في ثلاثينيات القرن الماضي، بلغ عدد اليهود في بولندا ثلاثة ملايين نسمة. وكانت الحكومة البولندية تشجع اليهود على الهجرة. في نيسان/أبريل 1936، طرح جابوتنسكي على سفير بولندا في لندن روجرز راتشنسكي فكرة الهجرة الجماعية ليهود بولندا نحو فلسطين. هذه الفكرة انسجمت مع المصالح البولندية، فنشأت علاقة تعاون بين الطرفين.
وصل يائير شتيرن في العام 1937 إلى العاصمة البولندية وارسو ليمثّل "الأرغون". وأبرمت الحكومة البولندية مع شتيرن اتفاقية تعهّدت فيه "الأرغون" بالعمل على تهجير يهود بولندا نحو فلسطين، مقابل تقديم بولندا كميات كبيرة من السلاح لها، وتدريب أعضاء المنظمة تدريباً عسكرياً تخصصياً.
وبموجب اتفاق وارسو مع "الأرغون"، خضع 26 من قادة المنظمة قدموا من فلسطين الى بولندا لدورةٍ عسكرية في مطلع العام 1939، تعلموا فيها من خبراء الجيش البولندي مبادئ حرب العصابات والحرب السرية والتفجيرات والاغتيال والتخطيط للأعمال العنفية. واستخدم قادة "الأرغون" الأساليب التي تعلموها في بولندا بفاعليةٍ في تنفيذ التطهير العرقي بحق الفلسطينيين.
في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، تصاعدت الهجرة اليهودية من أوروبا بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، ونشر "الأرغون" مندوبيه في بولندا، رومانيا، تشكوسلوفاكيا، النمسا، هنغاريا، فرنسا، واليونان، لجلب المهاجرين اليهود. وفي فلسطين، كانت لجان خاصة شكلها "الأرغون" تعمل على استقبالهم.
عملت فروع "الأرغون" في أوروبا أيضاً على جمع التبرعات لمصلحة المنظمة وتزويدها بالسلاح، خصوصاً فرعها في فرنسا الذي أبرم اتفاق تعاون مع الحكومة الفرنسية حصلت بموجبه المنظمة على السلاح من فرنسا مجاناً. في معظم القارات الأخرى، عملت الفروع على تجنيد الأفراد، وشراء السلاح والعتاد، وجمع الأموال.

تعديل قانون الجنسية الأميركي لأجلها!

يمكن اعتبار مجموعة الصين نموذجاً لهذه المجموعات العاملة على مدّ "الأرغون" بأسباب القوة. في الصين، تواجدت جالية يهودية مشبعة بالمشاعر الصهيونية، فتم جمع الأموال على نطاق واسع. ومن الأرجنتين أديرت عملية جمع الأموال في أنحاء أميركا اللاتينية، لمصلحة المنظمة.
أما فرع "الأرغون" في الولايات المتحدة الأميركية فقد نظّم عمليات تهريب السلاح إلى فلسطين وهي في طور الاحتلال، كما تم فيه جمع التبرعات، وتجنيد متطوعين في العام 1947. بل ان جهود هذا الفرع أفلحت في تعديل قانونٍ أميركي كان ينصّ على سحب جنسية المواطن الأميركي الذي يتطوع للقتال في صفوف أي جهة غير الولايات المتحدة الأميركية. بفضل جهود مناصري "الأرغون" في الكونغرس الأميركي، تم تعديل القانون ليضمن "المحافظة على الجنسية للمواطن الأميركي الذي يخدم ضمن قواتٍ مسلحة أنشئت من أجل إقامة السلام في أرض إسرائيل".
تنوّعت هجمات "الأرغون" الإرهابية بين الكمائن والإغارة وزارعة الالغام وتفجير السيارات المفخخة. وقد بلغت ذورتها مع احتلال مدينة يافا. في الخامس والعشرين من شهر نيسان العام 1948، غادر ستمئة مقاتلٍ من "الأرغون" تل أبيب ليهاجموا يافا. وبعد عدّة أيام من المعارك، تم احتلال المدينة. ومن مجموع خمسة وثمانين ألف فلسطينيّ كانوا يقطنون يافا، بقي فقط ثلاثة آلاف شخص، والبقية هُجّرت قسراً من المدينة.
في الخامس عشر من شهر أيار العام 1948، قبيل نهاية الانتداب البريطاني على فلسطين، أعلن ديفيد بن غوريون إنشاء "دولة اسرائيل". وفي مطلع شهر حزيران العام 1948، اتفقت الحكومة الإسرائيلية مع مناحيم بيغين، زعيم "الأرغون"، على حلّ المنظمة وانضمام أعضائها إلى الجيش الإسرائيلي الذي تمّ تشكليه في تلك الفترة.