| 

قد يكون هنالك شيء ما من الحبّ "الآمن" و "المسؤول" الذي يمارسه البعض من "قادة الشّعب الفلسطيني"، أو من "الفلسطينييّن الجدد"* أينما كانوا، في حبّهم لشعبهم. حبُّ آمن كالّذي يعرّفه الفيلسوف الفرنسي آلان باديو كخالٍ من المخاطر. حبُّ مدروس يوفّر الأمان لممارسيه والضّمانات المتّفق عليها لمنع العبثيّة ولتفادٍ مطلق للخطر. لكنّ "الحبّ الآمن"، كأيّ أمر تحكمه منظومة الأمن والأمان، يحمي البعض ويترك للبعض الآخر التّمتّع بوجهه الآخر. يحمي الطّبقة المرتبطة بالجيش والشّرطة، مثلًا، ويهمل الأخرى. الحبّ البديل الّذي يطرحه باديو هو الحبّ المتبدّل والذي يعيد خلق ذاته. حبّ لا يهاب المخاطر لا بل يعتنقها. وهو ذاته الحبّ الثّوري والجريء الذي يتطرّق له المفكّر والمدرّس البرازيلي باولو فريري في حديثه عن حوار التحرّر.

حبّ المقهور لواقعه

في كتابه "تعليم المقهورين"، يتحدّث فريري عن الحبّ العميق للعالم والإنسان كشرطٍ للحوار الذي يصل ما بين المقهور وحريته. أي، الحبّ كبادئ الحوار، وحوار الحريّة. أمّا الحوار فأساسه الكلمة. وفي الكلمة محوران: التّأمّل والفعل. إذا تخلّينا عن أحدهما، فرّطنا بالآخر. وكذلك حوار التحرّر، الذي ينادي به فريري، فأساسه الكلمة، أو كلمة الحقّ، تحديدًا. فكلمة الحقّ هي التّبحّر في الواقع وتغييره في الوقت ذاته. كلمة الحقّ تعيد خلق العالم وتسميته. تعيد خلقه في مخيّلة القاهر والمقهور معًا. كلمة الحقّ والحبّ الثّوري والشّجاع هما لَبِنات حوار التّحرّر. لكن مقابله، "الحبّ الآمن" يحمل مَرَضيّة وتخوّفًا ما من الحرّيّة. فالحبّ الآمن، الحبّ في واقع القهر، يدمج ما بين ساديّة القاهر وماسوشيّة المقهور. حبّ القاهر للسّطوة وحبّ المقهور لسطوته عليه. أمّا القاهر فمن البديهي، على الأغلب، أن يستمتع بسطوته. أي، من الطبيعي أن يودّ الحفاظ على مكانته التي تتطلّب قهر المقهور. لكنّ فهم حبّ المقهور لواقعه الرّاهن يتطلّب تفكيكًا لازدواجيّته.
ويستند فريري إلى فرانز فانون وإريك فروم في تفسيره للازدواجيّة في وضعيّة المقهور الذي يحوي كينونتَي القاهر والمقهور في داخله. ففيه الانجذاب للقاهر والتّطبّع منه. الافتتان بالقاهر وأسلوب حياته والتّطلّع إلى مشاركته إيّاها. "في عزلتهم، يتطلّع المقهورون إلى التّشبّه بقاهرهم واتّباعه. وهي ظاهرة تتّسم بها الطّبقة الوسطى من المقهورين، الذين يتوقون إلى التّساوي مع الرجال والنساء "البارزين" من الطّبقة العليا". فيذوّتون صورته ويتبنّون عاداته ورؤيته، ما قد يجعلهم يهابون الحريّة. فالحرّيّة تستلزم التخلّي عن صورة القاهر واستبدالها بصورة مستقلّة عنه وجاهزة لمساءلة الذات. الحرّيّة، فكرةً وممارسةً، تتطلّب إعادة تسمية العالم وإعادة خلق الذات.

إعادة التّسمية.. والخلق

إعادة الخلق والتّسمية تفترض التّخلّي عن جانبٍ ما من إدراك المقهورين لذاتهم (ومن ضمنهم قادتهم) - الجانب المقهور أوّلًا، والقاهر ثانيًا. عمليّة التحرّر تفترض خلع هويّة مكتسبة بفعل القهر والعمل على تشكيل واقع (حواري) آخر، يأخذ بالحسبان تاريخًا كاملًا من القهر. وعلى المقهور أن يدرك أنّ مسؤوليّة التّحرّر تقع عليه فقط بما أنّ القاهر غير قادر (أو معنيّ) بخلع هويّة القهر عنه. "الحرّيّة تُنتَزع ولا تُعطى"، يؤكّد فريري (والعديد غيره، طبعًا). "وهي شرطٌ لا غنى عنه في السّعي نحو التّكامل الإنساني" (بغضّ النّظر عن صعوبة الأخير). والمقهور يدرك هذا الشّرط. يدرك استحالة العيش بصدق بمعزل عن الحرّيّة (على تعدّد معانيها). لكن في بحثه عن هذه الحرّيّة يكمن خوفٌ مبطّن من فقدان جزء من هوّيته. فازدواجيّة المقهورين تحوي كلا القاهر (المُذَوَّت) وذاتهم (الخاصّة بهم كمقهورين). "صراعهم يكمن في اختيارهم ما بين الصّدق مع ذاتهم وانقسامهم، ما بين طرد القاهر أو عدمه، ما بين التّعاضد الإنساني والعزلة… ما بين كونهم متفرّجين أو فاعلين، وما بين الفعل والتّوهّم بفعله من خلال القاهر". رؤية الذّات بمعزل عن القاهر، إذًا، دراسة الأخير وفصله عن تصوّر المقهور لذاته (التّحرّر من المقارنات والتّشبيهات)، تخيّل واقع بمعزل عن القهر، هي من أسس خلق مساحة للتحرّر.
إعادة الخلق والتّسمية تحتاج إلى الحوار الجريء والدائم. أو، ما يدعوه فريري بـ "الفعل الحواري". وهو الفعل المصحوب بالفهم العميق للواقع وإعادة تخيّله وخلقه من خلال تبادل الكلام والتّجارب ما بين المقهورين (قادةً وشعبًا سواسية). أيّ، يرتكز المشروع على تحدّي رؤية المقهور لذاته، ودحض الأساطير المتبنّاة من عالم القهر (بجمالها وقبحها). فيميّز فريري مواصفات الفعل اللّاحواري، ويقابلها بأخرى من الفعل الحواري، مع التشديد على أنّ فهمها وحده لن يؤدّي إلى التّحرّر، إنّما يشكّل خطوةً أوّليّة نحوه. فيرى في الحوار الصّريح والمباشر (والعيش) مع الشّعب (على تنوّعه) واحتياجاته، من أنجع طرق التّحرّر وأفضلها لتجاوز لاحوار القاهر. بينما يعمد القاهر أو "قادة الثّورة" المتشبّهين بالقاهر إلى الفعل اللّاحواري الذي يتخوّف من الحوار كنمط للفعل ويتفاداه (فعل الانتخاب، أو اللافعل الذي يليه، قد يشكّل فعلًا لاحواريًّا في بعض الأحيان).

الفعل اللّاحواري

يعرّف فريري الفعل اللّاحواري كفعل يرتكز على الغزو (والغزو الثّقافي) والتّفريق والتّلاعب. والغزو هو تكبيل المقهور بالقاهر. فيحاول القاهر (وأتباعه) تحطيم المقهور ورؤيته لعالمه، ويعمدون إلى "أسطَرَة" العالم، جاعلين منه ثابتًا مفروغًا منه. أي يجعلون المقهور متفرّجًا لا غير، والعالم "المُؤَسطَر" كمكان وجب التّأقلم إليه. بعض هذه الأساطير تتضمّن فكرة أنّ المجتمع القاهر هو "مجتمع حرّ" والمقهور "مجتمع كسول" ويستحقّ القهر، أو أنّ البائع في الشّارع يساوي في موارده مالك المصنع، أو أنّ الحقوق العالميّة كالتّعليم والمساواة سارية المفعول في عالم المقهور. وهي جميعها أساطير لاحواريّة، أحاديّة الجانب، تفترض الحقائق وتلقّنها للمقهور (الذي يذوّتها)، من دون نقاشها.
وهنالك أيضًا الاستراتيجيّة المشهورة أبدًا، على غرار "فرّق تسد"، والتي يغيّر فيها القاهر (وأتباعه) قاموس المقهور، بحيث يحرّف مصطلحات معيّنة، خالقًا واقعًا آخر منها، ما قد يؤدّي إلى الفصل ما بين المقهورين. فيعيد القاهر خلق معنى كلمة "الباني" و "المخرّب"، مثلًا، على أنّ الباني هو القاهر وعلى المقهور التّشبّه به، محذّرًا من "طفرات" مخرّبة تعمل على تغيير الواقع. (والأمثلة على ذلك عديدة في الواقع الفلسطيني أو أيّ واقع مقموع آخر، كالسّود في أميركا سابقًا وحاضرًا). أي، يعرض القاهر نفسه مخلّصًا للمقهور رغبةً منه في الحفاظ على الوضع الراهن، وبالتالي على نفسه. أمّا التّلاعب فيحصل على صعيد الإغراء بالمناصب والنّجاح الشّخصي. واللّاعب الرئيسي هنا يكون نخباً من القادة الشّعبويّين والذين يعملون كمخدّر، حائلين ما بين المسبّبات الحقيقيّة لمشاكل شعبهم وفهم الأخير لها. وهم أيضًا اللاعب الرئيسي في الغزو الثقافي (ما يجعل تجاوزه أكثر صعوبةً) والذي يعمل على الحفاظ على القهر ويرتكز على رؤية ضيّقة للواقع وفرضها على الغير. هذا الغزو يفترض "تفوّق" الغازي و "دونيّة" المقهور وخطورته تكمن في الوهم الّذي يعطيه للمقهور بأنّه يتّخذ قرارته بنفسه.

الحبّ الثّوري زاهد

يخرج الفعل الحواري ضدّ التّسميات المذكورة ويعيد خلقها. يعيد خلق العالم كما يراه المقهور بتعدّديّة تلائم تعدّديّة الذّوات المقهورة، لتتناسب مع مشاكلها واحتياجاتها. الفعل الحواري يخرج ضدّ ثنائيّات القاهر، ويهتمّ بتجديد ذاته. فبما أنّ التّحرّر عمليّة مستديمة، على الفعل الحواري أن يقابلها بضمان تجدّده. وبالتّالي، يرتكز الفعل الحواري على التعاون (بدل الغزو) والوحدة (بدل التفريق) والانتظام (بدل التلاعب) والتوليفة الثقافيّة (بدل غزوها). يرتكز على الاتحاد والتعاون على قطع حبل أساطير القاهر وسحره. يرتكز على الانتظام، الناتج من التعاون والوحدة، والحراك الثقافي، الذي يعمل على إيضاح الواقع (على قدر الإمكان) وكشف حبل القاهر السرّي. وقبل كلّ شيء، يرتكز على الحبّ، الثّوري والجريء.
الحبّ زاهد، يقول باديو. والفعل الحواري المبني على الحبّ يجب أن يكون كذلك أيضًا - لا مصالح فيه. فالانتظام والتعاون والوحدة، يشدّد فريري، لا يمكن أن تُشكَّل على حساب الشعب، وإنما معه. فالقادة "الثّوريّون" الذين لا يحاورون شعبهم ويتشبّثون بهرميّة قيادتهم، لا يهيّئون الناس للتحرّر بل لاستمرار القهر، بطبيعة الحال. إعادة الخلق والتسمية، تفكيك الازدواجيّة وتخيّل واقع آخر يبدأ بالحبّ الثّوري. ولا ضمانات في الأخير وإلا أصبح مرضيّا، ومن هنا جرأته. الحبّ الثّوري هو "أساس الحوار والحوار بحدّ ذاته" (فريري). الحبّ هو الكلمة وفعلها. وعندما ينتهي الحبّ (حبّ الوطن والإنسان والحرّيّة، أيًّا كانوا)، ينتهي الخلق والتّسمية والخيال، ويبقى الواقع (بحلوه ومرّه) على ما هو.