| 

بخلاف الانطباع الناجم عن إطلاق وصف "العصابات الصهيونية" على المنظمات العسكرية الصهيونية التي نفّذت التطهير العرقيّ بحق الفلسطينيين، فإن الحقائق التاريخية تؤكد أن أكبرها، "الهاغاناة"، كانت جيشاً مكوناً من عشرات الآلاف من الجنود المدرّبين، يمتلك سلاحي طيران وبحرية، وجهاز استخبارات وقوات صاعقة، وإذاعة.
وإلى جانب "الهاغاناة"، اضطلعت "منظمة الأرغون"، التي تجاوز عدد عناصرها عدة آلاف، و"منظمة ليحي"، بدور في تنفيذ مجازر بحق الفلسطينيين، وامتلكت الأولى جهاز استخبارات فيما نفذت الثانية هجمات ارهابية في أوروبا.
بالاضافة لاعتمادها على هذه المنظمات الإرهابية في قمع ثورات الشعب الفلسطيني خلال فترى انتدابها عليه، استخدمت بريطانيا هذه المنظمات في تنفيذ مهام حربية ضد الدول العربية.
إن التنافس بين "الهاغاناة" و"الأرغون" و"ليحي" أشعل حروباً بين هذه المنظمات، استُخدمت فيها الاغتيالات، بل أن الأمر بلغ في "ليحي" إلى السعي للتحالف من النازية، بعد تعاون أخواتها مع بريطانيا ضدها.
ينشر ملحق "فلسطين" تباعاً سلسلةً مقالات تعالج هذه المنظمات العسكرية، وتوضح موقعها الفعلي على الأرض ودورها في إحلال النكبة.
في عدد كانون الثاني 2015، نبدأ بتقديم "الهاغاناة".


--------------------------------------------

المادة الثانية من صكّ الانتداب البريطاني على فلسطين التي وافق عليها مجلس "عصبة الأمم" في ديسمبر/ كانون الأول 1920، نصّت على أن تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن وضع البلاد، في أحوالٍ سياسية وإدارية واقتصادية تكفل تحويله إلى الوطن القومي اليهودي. وبالفعل، هيأت بريطانيا الحركة الصهيونية عسكرياً لاحتلال فلسطين وتهجير أهلها.
كانت منظمة "الهاغاناة"، وتسميتها الكاملة "منظمة الدفاع العبرية في أرض إسرائيل"، الجسم العسكري الأكبر للحركة الصهيونية في فلسطين. وقد أُنشئت "الهاغاناة" سنة 1920، وكانت خاضعة لنقابة العمال الصهيونية "الهستدروت" التي تأسست في العام 1919.

تشريعها ضد "البراق"

تدفق المهاجرون اليهود إلى فلسطين في الفترة الواقعة بين العامين 1920-1930، ما عزّز من قوة "الهاغاناة" إثر إنضام الكثير من هؤلاء المهاجرين إلى صفوفها، مشكّلين إضافة عددية ونوعية إليها، لامتلاك جزء منهم خبرات عسكرية.
مع انطلاق "ثورة البراق" العام 1929، اضطلعت "الهاغاناة" بدور فعال في قمعها، ونظمت هجمات على الأحياء الفلسطينية في القدس، واعتدت على الفلسطينيين في حيفا وفي أماكن أخرى. ومع بداية عام 1930، وُضعت "الهاغاناة" تحت قيادة الوكالة اليهودية التي كان يرأسها ديفيد بن غوريون.
تضاعف عدد المهاجرين اليهود الذي وصلوا الى فلسطين في مطلع الثلاثينيات. في نوفمبر/تشرين الثاني العام 1931، بلغ عدد اليهود في فلسطين 174 ألفاً و610. ووصل هذا العدد في نهاية ديسمبر/كانون الأول 1936 إلى 384 ألف مستوطن. ما دفع بالشعب الفلسطيني إلى إطلاق ثورةٍ في شهر أبريل/نيسان 1936 للمطالبة بوقف الهجرة اليهودية.
استخدمت بريطانيا "الهاغاناة" في قمع ثورة الشعب الفلسطيني، وتجلّى ذلك عبر تجنيد رجال "الهاغاناة" في صفوف شرطة الانتداب. وبذلك، تمت شرعنة وجود "الهاغاناة".

الحرّاس.. وكتائب الليل

اعتمد الانتداب البريطاني على رجال "الهاغاناة" بعدما ضمّهم إلى صفوفه، وأطلق مسمّى "الحرّاس" على وحداتهم الموكلة مهمة تأمين سكك الحديد وميناء حيفا والمطارات وشركة الكهرباء.
إلى جانب "وحدات الحراسة"، أسّس الانتداب "شرطة التجمعات السكنية اليهودية". وكان هولاء تابعين من الناحية الرسمية للجيش البريطاني الذي قدّم لهم السلاح والتدريب والرواتب، ولكن خضعت هذه الشرطة في الواقع لقيادة "الهاغاناة"، وبلغ تعداد عناصر هذه الشرطة في شهر يونيو/حزيران 1936 ثلاثة آلاف رجل، شاركوا أيضاً في نصب كمائن استهدفت الفلسطينيين.
وفي العام 1938، أنشأ ضابط بريطاني يدعي أوردى وينغيت Orde Wingate "كتائب الليل الخاصة"، بعدما حصل على موافقة الجيش البريطاني على إقامة وحدات عسكرية تحت إمرته، بحجة محاربة الثوار الفلسطينيين.
اعتمدت "كتائب الليل الخاصة" أساساً على رجال "الهاغاناة"، ونشطت في منطقة سهل بن عامر والجليل الأسفل. وتبنت "الهاغاناة" لاحقاً طريقة عمل هذه الكتائب التي اعتمدت على نصب الكمائن وشنّ الغارات الخاطفة على الفلسطينيين.
في العام 1939، وصلت ثورة الشعب الفلسطيني التي اندلعت في العام 1936 إلى نهايتها، وكجزء من استخلاص العبر من تلك الفترة، قررت "الهاغاناة" اعادة هيكلة نفسها كجيش نظامي.

هيئة أركان، إذاعة، و"بلماخ"

أُنشئت هئية أركان لـ "الهاغاناة"، وتم تشكيل قيادات لوائية في المدن الكبرى - القدس، يافا، حيفا -، وفي العام ذاته، أقيم "مكتب التدريب المركزي" الذي أشرف على تنظيم التدريبات العسكرية وتأهيل القادة العسكريين ضمن دورات تخصصية (المتفجرات والاستخبارات والاتصالات واستخدام الأسلحة).
وكانت "الهاغاناة" قد أقامت شبكة اتصال لاسلكية في العام 1937، ربطت ما بين كافة المستوطنات في فلسطين. وفي آذار العام 1940، أطلقت إذاعة سريّة، "صوت إسرائيل"، لحشد المسوطنين خلف القيادة الصهيونية في فلسطين ولتجنيد اعضاء جدد في "الهاغاناة".
في صيف العام 1941، شكّلت "الهاغاناة" ست كتائب صاعقة أطلق عليها اسم "البلماخ"، ووصل عدد أفراد هذه الكتائب إلى ستة آلاف مقاتل. شاركت كتائب "البلماخ" في الحملة البريطانية ضد "حكومة فيشي" في سوريا ولبنان. وبفضل علاقتها الوثيقة بحكومة الانتداب، أتيحت لها فرصة التزوّد بالأسلحة الحديثة، لتصبح كتائب "البلماخ" قوة "الهاغاناة" الضاربة.

نواة الجيش الإسرائيلي

خلال الحرب العالمية الثانية، انضم إلى الجيش البريطاني حوالي ثلاثين ألف مستوطن، جزء كبير منهم تجنّد امتثالاً لأوامر صدرت لهم من قيادة "الهاغاناة". قاتل هولاء إلى جانب بريطانيا، وساهموا لاحقاً في تحسين القدرات القتالية لـ"الهاغاناة"، ولاحقاً الجيش الإسرائيلي.
شهدت فترة الحرب العالمية الثانية نمواً ملحوظاً لجهاز استخبارات "الهاغاناة" الذي أنشأ في العام 1940 وحمل اسم "هشاي". أصبح حينها يتكوّن من ثلاثة أقسام رئيسية: القسم العربي، وقد استخدم عشرات الجواسيس الذين جمعوا معلومات حول نوايا الفلسطينيين ومخططاتهم وكذلك حول الدول العربية المجاورة، والقسم السياسي الذي أنيطت به مهمة جمع معلومات عن الجيش والسلطات البريطانية، والقسم اليهودي الذي جمع معلومات التنظيمات الصهوينية والشيوعيين اليهود.
تكوّنت "الهاغاناة" من تشكيلين قتاليين: الأول "سلاح الحراسة" الذي اضطلع بمهمة حراسة المستوطنات، والثاني "سلاح الميدان" الذي تكوّن من شبانٍ لديهم قدرات قتالية. إليهما تضاف قوات الصاعقة "البلماخ". أما قيادة "الهاغاناة" ورئاسة أركانها ومخابراتها فقد شكّلت المنظومة النظامية الدائمة، التي بني لاحقاً على أساسها الجيش الإسرائيلي.
أيضاً، أقامت "الهاغاناة" عدّة وحدات عسكرية تحولت لاحقاً إلى أذرع جيش احتلال: وحدة الجوّ، التي ضمّت اثنتي عشرة طائرة خفيفة وعملت في مجال الدوريات والربط بين المستوطنات، ووحدة البحرية تحولت الى سلاح البحرية.
بعد إصدار الهيئة العامة للأمم المتحدة قرار تقسيم فلسطين بتاريخ 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947، و بحسب كتاب "تاريخ الهاغاناة"، ضمّت "الهاغاناة" في صفوفها 32 ألف مقاتل، يضافون إلى ثلاثة آلاف مقاتل ضمن قوات الصاعقة.
وشنّت "الهاغاناة"، عقب صدور قرار التقسيم، هجمات على ثلاث مناطق رئيسية في القدس وطبريا وحيفا ويافا، ونظمت نفسها بسرعة لكي تتحول إلى جيش بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وشكّلت من قواتها اثني عشر لواء.
بالتوزاي، أعدّت قيادة أركان "الهاغاناة" خطة عسكرية أطلقت عليها "خطة ب"، بهدف السيطرة على المناطق التابعة للدولة اليهودية بحسب قرار التقسيم.

في مواجهة العرب

إن تنظيم "الهاغاناة" لقواتها وهيكلتها على شكل ألويةٍ وكتائب، منح المشروع الصهيوني تفوقاً عسكرياً عددياً ونوعياً في مواجهة الفلسطينيين و "جيش الإنقاذ العربي" المكوّن من متطوعين سوريين وعرب، ووحدات المتطوعين المصريين الذين أرسلتهم "جماعة الأخوان المسلمين".
كانت عملية "نحشون" التي أطلقتها "الهاغاناة" في الخامس من نيسان/أبريل 1948، العملية الكبرى الأولى في سياق سلسلة عمليات عسكرية استهدفت تهجير القرى الفلسطينية الواقعة بين يافا والقدس. استمرت "عملية نحشون" لأسبوع كامل حقّقت نجاحاً جزئياً، ولكن المستوطنات المحيطة بالقدس ظلت محاصرة. وبموازاة الهجمات التي شنّتها في القدس، نجحت "الهاغاناة" بمحاصرة حيفا وقطع صلتها بقوات جيش الإنقاذ المتواجدة في جنين.
وفي الثامن عشر من نيسان/أبريل، احتلت "الهاغاناة" طبريا وهجرت أهلها. وبعد ثلاثة أيام، احتلت حيفا، وتم تهجير غالبية سكانها الأصليين. وبعد ذلك، نفذت "الهاغاناة" عمليات أخرى لاحتلال صفد والجليل الأعلى، وعمليات احتلال أخرى في محيط القدس.
بعد نهاية الانتداب البريطاني وصدور إعلان دايفد بن غوريون في الرابع عشر من نيسان قاضياً بإنشاء "دولة إسرائيل"، واصلت "الهاغاناة" على مدار أسبوعين (حتى انشاء الجيش الإسرائيلي) مهاجمة الجيوش العربية التي دخلت لإنقاذ فلسطين.
وفي السادس والعشرين من شهر نيسان، أعلنت الحكومة الإسرائيلية المؤقتة أمراً تم بموجبه تحويل "الهاغاناة" إلى جيشٍ نظامي، وتحول قائد أركان "الهاغاناة" يعقوب دوري إلى الرئيس الأول لأركان جيش الاحتلال الإسرائيلي.