| 

تشهد أسعار السجائر والمعسّل ارتفاعاً مهولاً منذ بدء السلطات المصريّة بشنّ حملة لإغلاق الأنفاق الحدوديّة بين قطاع غزّة وشبه جزيرة سيناء، والتي ظلّت حتى وقت قريب المصدر الأوّل لتهريب التبغ بأنواعه إلى أسواق القطاع. لكن مع إغلاق نسبة تُقارب 99 في المئة من أنفاق التهريب، قفزت أسعار السجائر إلى أرقام خياليّة خلال وقتٍ قصير جداً، في ظلّ ظروف اقتصادية سيئة يمرّ بها المواطنون الفلسطينيون في القطاع.
على سبيل المثال، علماً أن الدولار الواحد يقابله 3.9 شيكل: ارتفع سعر علبة السجائر نوع "رويال" من ستّة إلى ثمانية عشر شيكل، فيما ارتفع سعر علبة سجائر "المارلبورو" من عشرة إلى سبعة وعشرين شيكل، ويُقاس على ذلك باقي أنواع السجائر الأخرى. أمّا معسّل النارجيلة فشهد هو الآخر ارتفاعاً ملحوظاً، إذ قفز سعر الكيلو من خمسين إلى مئتي شيكل، وأحياناً أكثر، تبعاً لنوعه وجودته. ما جوبه بسخطٍ شعبيّ وغضب من قبل المُدخنين، وجّهوه ضد التجّار ومورّدي السجائر للقطاع.

"لجنة الأنفاق"!

معظم السجائر التي يتم تهريبها إلى قطاع غزّة هي مصريّة الصنع، وتُباع في مصر بأسعار مُتدنية جداً، ويتم إدخالها إلى القطاع بطريقين: إما عبر الأنفاق القليلة جداً التي ما زالت تعمل بحذر شديد، أو عن طريق المُسافرين من غزّة إلى مصر، والعكس، في ما يُعرف بتجارة "الشنطة"، فردياً. وكانت تُباع هذه السجائر في القطاع بأسعار زهيدة جداً، لا يتعدّى ثمن العلبة منها دولارين فقط. لكن، مع الأزمة الجديدة، أصبح سعر علبة السجائر يفوق ثلاثة أضعاف سعرها الأصلي تقريباً.
ولمّا كانت الأنفاق الحدوديّة بين القطاع ومصر تنتشر بصورة كبيرة، وتعمل بأريحيّة، شكّلت حكومة "حماس" السابقة لجنة خاصة للأنفاق، وسُمّيت باسمها، "لجنة الأنفاق"، وكانت تفرض جمارك على كل سلعة تدخل قطاع غزّة عبر هذه الأنفاق. وكانت لها نقطة أمنية أمام الأنفاق للرقابة عليها وفرض الجمارك. لكن مع إغلاق الأنفاق، أُلغيت هذه اللجنة، وبقي عدد قليل جداً من الأنفاق يعمل تحت صعوبة بالغة. لكن الجمارك ما زالت تُفرض على كل شيء يدخل إلى غزّة، حتّى على السجائر التي تدخلها راهناً، ما ساهم في ارتفاع الأسعار أكثر وأكثر.

نصف العلبة بنصف السعر، مثلاً

أمام هذا "التسونامي" الذي اجتاح أسعار السجائر في القطاع، بدأ المدخّنون البحث عن بدائل أخرى، في محاولة للتغلّب على الأزمة، خاصة أن معظم سكّان القطاع هم تحت خط الفقر. بعض المدخنين أصبح يشتري نصف علبة، وبنصف السعر، بدلاً من علبة كاملة، والبعض الآخر استعاض بمادة التبغ الأصليّة الشهيرة بـ "الدخان الشامي"، أو "العربي"، وبات يشتريها بالوزن، ومن ثم لفّ سجائره بنفسه مستعيناً بماكينة صغيرة مُخصّصة لهذا الغرض. أما غالبيّة المدخنين فيشترون السجائر بشكل متقطّع، وكل سيجارة تُباع بشيكل واحد.
بالنسبة إلى من يشترون نصف علبة سجائر، أو ربع، أو من يُقايضون الشيكل بسيجارة، فهم من المدخنين باعتدال، واضطرّوا إلى تخفيض معدّل استهلاكهم من السجائر لغلاء الأسعار. أما من لجأوا إلى لفّ الدخان الشامي فغالبيّتهم من الذين كانوا يُدخنون بمعدلات عالية، فمثلاً منهم من كان يُدخن علبتين أو ثلاثاً يوميّاً.

الأوقيّة بخمسين شيكل

أجمع غالبيّة المدخنين في أحاديث منفصلة مع "السفير" على أن غلاء أسعار السجائر أضعافاً عن ذي قبل لم يمنعهم من مواصلة التدخين، وعلى العكس، فإن بعضهم يؤكد أن معدل استهلاكه زاد بعد رفع الأسعار، لأسباب غير معلومة!
وعن طريقة لفّ الغزّيين الدخان الشامي، يقول أبو أحمد، وهو أحد المدخنين الذين قابلناهم في سوق الزاوية وسط مدينة غزّة: "أشتري في البداية أوقيّة دخان عربي بسعر خمسين شيكل، وعلبة فلاتر سجائر فارغة ثمنها سبعة شواكل، ولدي ماكينة صغيرة كنت قد اشتريتها سابقاً للف السجائر بسعر ثلاثين شيكل.. أقوم بوضع الدخان في الشمس لنص ساعة مع تقليبه جيداً، ومن ثم أبدأ في تعبئة الدخان في الماكينة، ومن ثم أضع فلتر السيجارة في مقدمة ماكينة اللف، ونسحب الماكينة للخلف فيدخل التبغ في الفلتر الفارغ، وهكذا تُصبح السيجارة جاهزة للتدخين".
ويُلفت أبو أحمد إلى أن الدخان الشامي تقل جودته عن السجائر المستوردة التي كان يُدخنها سابقاً، كما أنه لا يطيق رائحته، ومع ذلك، فأسعاره تتراوح بناءً على نوعه. يقول إن سعر الأوقيّة من الدخان الشامي كانت تُباع قبل أسابيع بعشرة شواكل فقط، لكن دائرة الجمارك في حكومة غزّة السابقة فرضت ضرائب باهظة على تجار الدخان، ليرتفع سعر الأوقيّة من الدخان الشامي من عشرة شواكل إلى خمسين. ويؤكد أن هذه الطريقة وفّرت على كثير من المدخنين مبالغ كبيرة، لافتاً إلى أن أوقية التبغ تُعبئ قُرابة مئة سيجارة.

تحت الفواكه، خفيف الوزن

أبو السعيد هو أحد أقدم تجّار الدخّان الشامي في سوق الزاوية، في غزّة. يقول إن أغلب المدخنين في غزّة كانوا يدخنون قديماً الدخان الشامي، وكان يُعرف حينها باسم "الدخان العربي"، نسبة لموطن زراعته، أي أنه ليس مستورداً من الخارج. وكان المدخنون آنذاك يستخدمون ورق "البفرة" ليلفوا فيها سيجارة الشامي، ولم تكن فلاتر السجائر الحاليّة مُتاحة للمدخنين.
يستذكر أبو السعيد، الذي استمر بتدخين الشامي منذ الحين وحتى الآن، الزمن الجميل قائلاً بابتسامة خجولة: "ساق الله على أيّام زمان يا ابني.. كنا نلف السيجارة في ثوان، بورق البفرة، ما كان في فلاتر بإسفنجه ولا شي مثل اليوم.. علبة ورق البفرة تكون في جيبتنا، وكبشة دخان عربي معها". عن موعد دخول السجائر المستوردة إلى القطاع، يقول أبو السعيد إنه حلّ مع وصول السلطة الفلسطينيّة إلى غزّة في العام 1994، "وكل شيء تقريباً جاء معها".
يذكر أن الكثير من الناس في غزّة يدخنون التبغ الشامي، حتى قبل ارتفاع أسعار السجائر، وغالبيّتهم من كبار السن الذين اعتادوا تدخينه منذ سنوات.
ويروي أبو السعيد أن هذا الدخان يُزرع في مناطق خاصة في قرى الضفّة الغربيّة المحتلّة، ويتم إدخالها إلى غزّة بالتهريب عن طريق معبر كرم أبو سالم التجاري، الذي يربط القطاع بالأراضي الفلسطينيّة المحتلّة. فيدسّ تجار غزة، وخاصة تجار الفواكه الكبار، الدخان أسفل الفاكهة، لا سيما أن ميزة التبغ تتمثل في هشاشته وخفة وزنه، فلا يشغل حيزاً ويسهل إخفاؤه.

على إيقاع مصر

يعزو تاجر السجائر أبو غسان النتشة ارتفاع أسعار السجائر والمعسّل لعدة أسباب، أبرزها إغلاق السلطات المصرية للأنفاق طبعاً، ولكن أيضاً إلى "التجار المصريين الذين أصبحوا يبيعوننا السجائر بأسعار مضاعفة عن السابق، بسبب التكلفة التي يتكبدونها في إيصال السجائر للأنفاق القليلة جداً المتبقية بين القطاع ومصر".
ويوضح النتشة أن هناك ضرائب أخرى تفرضها "حماس" على مورّدي السجائر المحدودين في القطاع، ما أدّى إلى ارتفاع أسعار السجائر إلى مبالغ خيالية، مشدداً على أن "التجار لا يسعون لاستغلال الناس، ومن مصلحتهم تخفيض الأسعار لزيادة الطلب"، على حدّ قوله.
وتفرض دائرة الجمارك في غزة ضرائب على السجائر المهربة عبر الأنفاق تصل إلى ثلاثة شواكل على كل علبة دخان.
أبو علي طه هو مالك نفقٍ في مدينة رفح جنوب القطاع، ويروي لـ "السفير" عن ارتفاع أسعار السجائر، شارحاً ان "التاجر المصري الذي كان يأخذ 300 دولار مُقابل نقله كرتونة السجاير إلى عين النفق، أصبح يأخذ الآن 1200 دولار بسبب الأوضاع الأمنيّة المضطربة في سيناء، وصعوبة التنقل من منطقة الأنفاق وإليها".
ويُضيف: "كنّا في السابق نُهرّب حوالي 1500 كرتونة سجائر إلى القطاع يوميّاً، أما الآن فندخل ما بين 200-300 كرتونة خلال الأسبوع"، بينما يحتاج السوق المحلّي في غزّة لحوالي 500 ألف علبة دخان يومياً. ويلفت إلى أن دائرة الجمارك في غزة كانت تفرض شيكل واحداً على كل علبة سجائر تُهرّب عبر الأنفاق، ومن ثم ارتفعت الضريبة لشيكلين، ومؤخراً وصلت إلى ثلاثة شواكل.

نصف مليون مدخّن

تتذبذب أسعار السجائر المرتفعة من يوم لآخر، وقد تشتريها صباحاً بسعر، وفي المساء بسعر مختلف تماماً، ولكن دون أن تصل إلى أسعارها الطبيعية، أو حتى الاقتراب منها، والمُحرّك هنا هو الأوضاع الأمنية في سيناء. فمثلاً، عند حدوث هجوم إرهابي ضد الجيش المصري، تشتعل الأسعار في غزّة اشتعالا خياليا. أما في أوقات الهدوء فتستقر الأسعار نوعاً ما. وحين فتح معبر رفح البري، تنخفض الأسعار شيكل أو اثنين، لأن أغلب المسافرين يجلبون معهم بعض السجائر من مصر لبيعها في الأسواق الغزيّة بهدف الربح.
وبحسب معطيات "الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني" فإن مجموع ما ينفقه الفلسطينيون في الضفّة الغربية وقطاع غزّة على التدخين بلغ نحو 470 مليون دولار للعام 2013، وتوقع الجهاز ارتفاع هذه النسبة إلى 500 مليون دولار خلال عام 2014، بالمقارنة مع نسبة الزيادة في الاستهلاك، والإقبال على التدخين المتزايدة، وفي ظل ارتفاع أسعارها أيضاً.
وتقدّر بعض الإحصاءات الصحية عدد المدخنين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة بـ800 ألف شخص من مجموع السكان.. فيما تقول بعض الدراسات الأخرى إن عدد المدخنين في قطاع غزّة وحده يزيد عن نصف مليون مُدخّن، علماً أن الشعب الفلسطيني يستورد ثلث حاجته من التبغ من الخارج، ويصنّع ثلثي الاحتياجات محلياً، خاصة في مصانع التبغ في الضفة الغربيّة.