| 

تغرق النظرة النسوية البيضاء في بحارٍ من التعميم الفجّ، في ما يتعلق بالنظر إلى النساء المنحدرات من أعراق وثقافات مختلفة. إذ يقوم الطرح الشائع لدى عدد من المنظرات النسويات الغربيات، على وجود نضال نسوي جامع لكل نساء العالم، ضد الاضطهاد الذكوري. ومثل كل طرح ليبرالي عمومي، يقوم هذا الطرح على تجاوز وتجاهل مقصود لأشكال القمع والاضطهاد المختلفة الواقعة على النساء (جميعا)، وهو تجاهل كما سنرى تباعًا، موجه؛ إذ يقوم على افتراض نضال موحد ونمطي لكل النساء، وبالتالي فالحاجة لتحديد فئة "النساء" تغدو أساسية لقيام هذا الإفتراض. وتبني هذا الخطاب، حتى من قبل النسويات أنفسهن، لا يمكنه أن يخفي تحيزه باعتباره فقط يحدد فئة النساء، ولكنه لا يفرق ولا يواجه مختلف أشكال القمع الواقع عليهن.. بل أنه يفترض في آليات "تعريف" فئة النساء مركزية متجاوزة لكل آخر، وهي مركزية معرفية أنتجها الغرب.

الفرد، ومسلتزمات العقد

ترى إيلا شوحات أن جزءًا من المركزية الأوروبية للفكر النسوي الغربي، يستبطن ثنائية الأنا والآخر، في امتداد لتلك المركزية ضمن ازدواجيتها الأوروبية الاستعمارية التي قامت على (السيد/العبد). ما جعل الإدعاء بأن إدخال النظريات حول النساء من العالم الثالث في مفاهيم العرق والطبقة والقومية يبعدها عن النسوية الخالصة المشتهاة ضمن معيارها الغربي.
وإذ قام الفكر الغربي الليبرالي على تقسيمات للأفراد والجماعات والأماكن بناءً على مركزيته الذكورية، فإنه، وكما تؤكد جوديث باتلر، يضع معايير للفئة العمومية التي يخلقها (الأفراد والنساء). وبالتالي، تستلزم هذه المعايير بالضرورة استثناء مجموعة من الناس لا تنطبق عليهم المعايير التي وضعت "مركزيًا"، أيًا من كانوا/كن. إذ يقوم العقد الإجتماعي على فكرة تبادل الطاعة مقابل الحماية، التي تخلق "سيادة مدنية وخضوعًا مدنيًا"، فيكون هناك فصل بين هؤلاء المتمتعين بالسيادة، وهؤلاء المستثنين منها وهم الخاضعين. وتقوم البطريركية الحديثة على فكرة "الفرد" الذي عليه أن يحوز صفات محددة بذاتها ليغدو "فردًا" يمكن إيقاع التبادل عليه.
وبالتالي، فمكانة الأفراد في المجتمع المدني محدّدة مسبقًا بحالتهم قبل الدخول إليه ("الحالة الطبيعية" التي افترضتها نظريات العقد الإجتماعي). ما يفترض ضمنًا على أساس مادي، أن الكائنات التي يجب أن تتعاقد لتخضع أنفسها لآخرين يتمتعون بتفوق طبيعي، لا يمكنها أن تقف كمساوية وحرّة، عند العبور إلى الصورة المدنية من الصورة الطبيعية. وبالتالي، فإن الاختلاف يقوم على علاقات قوة، باعتبار أن ثمة كائنات فقط تملك السمات الضرورية للدخول في عقود التبادل تلك.

ليس نوع خضوعٍ واحد

من هنا، وإلى جانب تعريف أطراف التبادل في العقد، ثمة حاجة ملحة لتعريف "مواد/مواضيع" التبادل في تلك العقود، وبمساءلة الملكية الفردية التي قامت عليها المدنية الليبرالية بعقدها الإجتماعي. فالفرد هو الذي يملك. وفي بعض الحالات، لا توجد ملكية بضائعية لمجموعاتٍ من الأفراد، في مقابل ملكيتهم لخدماتهم وأجسادهم وموقعهم الإجتماعي، وهو ما أسس لإمكانية إخضاعهم.
يرى بعض الباحثين أن ثمة نواحي غير مُقالة في العقد، تقع كلها ضمن النصف الثاني من العقد: الخاضع من رواية الحرية المدنية، وهو العقد الإجتماعي، والعقد الجنسي، وعقد عبودية الجسد، الذي شرع حكم البيض للسود.
وبالتالي، فإن تلك "الفئة" التي يراد إنتاج معرفة حولها، من أجل تحريرها، تخضع لعمليات "تعريف" و "تحديد" من قبل النسوية الغربية، بحيث يُعمل على "تشيئها" و "السيطرة عليها"، ما يستلزم نوعًا من الاستثناء. يحوّل ذلك النسوية إلى فئة عمومية متجاوزة، تقوم على مقولة "أننا كنسويات لنا أوطان كثيرة، حيث تنادينا مصائر النساء فيها من أجل الفكر المقدس والعمل في سبيل التغيير". وهنا، تؤكد جوديث باتلر أن علاقات القوة التي تخضع لها النساء المختلفات لا يمكن اختزالها في نوع واحد من الخضوع، فإذا كانت الأنثى امرأة فهذا ليس كل ما تكونه، فالجندر يتقاطع مع أنماط مركبة من الهوية والعرقية والطبقية والجنسوية. وكل هذه المناحي الهوياتية غير قابلة لتمام فصلٍ بينها، وتغليب هوية واحدة إختزالية على باقي الهويات، لما في ذلك من تراكم لتقابلية الأنا والآخر، والتي لا تنجو من مركزية صلبة تضمن استمرار أنساق السلطة، تستبط عنفًا رمزيًا وماديًا. وبالتالي، فإن التحاف النسوي يجب أن يقوم على قبول "الانحراف والتكسر والتجزؤ والانقسام كجزء من العملية المتعرجة للدمقرطة... علاقات القوى التي تشترط وتحدد امكانيات الحوار تحتاج أولًا إلى أن تتم مساءلتها". ولكن باتلر لا تريد "إعلان موت الفئة"، بقدر ما تريد الاعتراف بمركباتها الهوياتية المختلفة.

"تشييء" النساء المستعمَرات

إن المعرفة التي تتم عملية انتاجها ضمن بوتقة الحداثة الليبرالية الغربية بشأن "المرأة المستعمَرة" تخضع مثل أيّ صناعة/انتاج للقوانين التي تحددها آليات الرأسمالية، ضمن "تقسيم العمل" وآليات العرض والطلب الخاضعة لرغبات السوق الغربي، ولكن ما يختلف في صناعة المعرفة عن الشعوب المستعمَرة، عن أي صناعة رأسمالية استعمارية أخرى، هو عملية تشييء تلك الشعوب بحد ذاتها كموضوعات "تصنيع"، وتحويل تلك الفئة إلى كمّ نوعيّ قابل للاستهلاك في الغرب. فيسهل مثلًا تداول تأثير معلومة عن "فرض الحجاب" في قطاع غزة مثلًا، عن معلومة أخرى عن "عدد السيدات اللائي استشهدن في الاعتداء الإسرائيلي الأخير على القطاع"، أو خبر عن "الآثار الصحية على المرأة نتيجة للحصار المفروض على القطاع".
يحاول الاستعمار على الدوام تصوير أثر القوة التي تخضع لها النساء المستعمَرات بأنها نتاج اختلافات رأسية للثقافات. وبالتالي، فإن اعتراف النسوية الغربية بالنسوية المستعمَرة واختلافاتها يكون من خلال منظومة جوهرانية مركزية تقوم على الفصل بين الشرق والغرب، مستمدًا دينامياته من نسق استشراقي امبريالي. وينعكس هذا الخطاب الاستشراقي الآن في الدراسات النسوية المتخصصة مناطقيًا بتسميات إدراكية استعمارية كـ "نساء الشرق الأوسط" و "نساء العالم الثالث"، كأدوات إمبريقية للنسوية المهيمنة عالميًا.
وهذه الاختلافات الجوهرانية المتجاوزة التي يفترضها الخطاب النسوي الغربي عن النساء المستعمرات قائمة على تقسيم العمل بالمنطق الرأسمالي بينهن. فبينما تُسلب النسوة المستعمَرات فعاليتهن التاريخية والسياسية والاجتماعية، يتم وضع النساء المستعمِرات على أنهن المعيار والأنموذج التحرري المطلوب. وعليه، تم وضع النساء العربيات في ثلاث صور نمطية في الخطاب النسوي الغربي: "الأولى أنهن ضحايا للاضطهاد الجندري؛ والثانية باعتبارهن هاربة من ثقافة اضطهادية جوهريًا، والثالثة كرهينة للسلطة الذكورية العربية".
فإذا كانت الرأسمالية الغربية التي تقاومها النسوية الغربية قد عملت على قمع المرأة الغربية بتقسيمها للخاص والعام، وادعائها أن العام هو فقط الحيز السياسي الحداثي، وبالتالي إخضاعهن إلى سلطة الذكور المركزية التي قام عليها ذلك التقسيم واستحواذاته، فإن بنية النظرة النسوية الغربية إلى النساء المستعمَرات تستدعي ذات المنطق السلطوي، في النظر إليهن، واعتبار أن العلاقة بين الطرفين، علاقة مركزية تقابلية ضمن إزدواجية: "الحداثة والتقليد"، وهي نفسها بنية الخطاب السلطوي الذي أُخضعت النساء الغربيات له، فالخطاب الاستعماري عن النساء المستعمرات يؤكد دونيتهن بالإحالة إلى دونية ثقافتهن ومجتمعاتهن ودينهن ولغتهن. وبالتالي، تكون النساء العربيات في الرواية الاستشراقية الغربية مضطهدات من الإسلام وبحاجة إلى التحرير الذي يقدمه لهن الاستعمار (الاحتلال)، وبالتالي، فإن دينامية الخطاب الكولونيالي النسوي بشأن النساء المستعمرات لا ينفصل عن ديناميات الاستعمار.

النسق الكولونيالي النسويّ

يمكن فهم تركيز الخطاب النسوي الكولونيالي الغربي في نظرته إلى النسوية العربية على "الحجاب" ليس باعتباره عدم قبول للاختلاف فقط، ولكن هو جزء من عملية البحث عن المختلف لتتم موضعته كـ "تقليد" مقابل لـ "الحداثة" الغربية، ضمن العلاقة المركزية الغربية. وبالتالي، يحاول الاستعمار تبرير نفسه من خلال استدعاءات ثقافوية على محور رأسي كالحجاب مثلًا. وعندما تكون هناك مقاومة، فإن الخطاب الاستعماري يعمل على احتواء وامتصاص تلك المقاومة من خلال تفكيك المدى المُقاوم لدى المستعمَرين، من خلال التأكيد على مهمته الحضارية التي يحملها لهم، وأن المقاومة تعود بالمستعمَرين إلى "الحالة الطبيعية" الماقبل "الحالة المدنية" باعتبار الأخيرة غاية وهدفا، بغض النظر عن الوسيلة. وهنا، الأمر لا يختلف في مقاربة النسوية الغربية الكولونيالية للنسوية المستعمرة (العربية عمومًا، والفلسطينية تحديدًا). فهي ترفض نضالات النساء المستعمَرات ضد الاستعمار، مستبطنة الافتراضات الاستعمارية ذاتها، وبالتالي تغدو الأجندة النسوية الكولونيالية الغربية جزءًا لا يتجزأ من النسق الاستعماري.
ولأن الادعاء القائل بذكورة المقاومة هو ادعاء متحيز لأنماط السلطة والقوة الذكورية على اختلافها، فإن تلك الآفة التي طمست وحرفت وطعنت دور المرأة في المقاومة في خطاب النسوية الغربية، فهي أيضًا أصابت الخطاب المقاوم في مقتل. إذ بني على ديناميات خطابية وجسدية ذكورية عنفية، وهنا أيضًا تتم جندرة العنف باعتباره أداة ذكورية حصرًا، وبالتالي يتم تقييد وطمس الدور الأنثوي في المقاومة، وحصره في نماذج معينة لعل أبرزها نموذج غاندي.
يضمن الخطاب الإستعماري بلباس نسوي، قيام علاقة تقابلية بين النساء المستعمرات وحركة المقاومة. فيُؤكد الخطاب الغربي أن تحرير النساء ليس له موقع على أجندة الحركة الوطنية والقومية، بل تصل الأمور بهذا الخطاب إلى القول بأن المواجهة بين النساء الفلسطينيات والإحتلال هي مواجهة بين رجال وإناث حصرًا. وبالتالي، فإن وصول الذكر (جندي الاحتلال) إلى المشهد الرمزي والمكاني، حقّق للمرأة خروجًا إلى الفضاء العام والاختلاط بالرجال (فقط!)، لم يكن ليتحقق لولا الاحتلال. إذ كانت المرأة الفلسطينية بحكم العادات والثقافة والتقاليد – فقط - "كائناً خاصاً تمامًا، معزولة في بيتها مخبأة خلف حجاب". والجدران (هنا نشير إلى بنيوية الجدران في الفكر الاستعماري عمومًا، والاحتلال تحديدًا) هي لحماية المرأة العربية والرجل من جنوسة الأنثى.
وبالتالي، فإن المشاركة النسوية في مقاومة الاحتلال، مؤداها إعادة السيطرة للمجتمع "التقليدي" "الطبيعي" "البطريركي" "الذكوري"، وبالتالي فإن دوافع النسوة للمشاركة في المقاومة تظل مدعاة للتشكك والقلق، حول ما إذا كانت بدافع تغيير مجتمعي يشمل هدمًا للسلطة الذكورية، أو أنه مجرد دفاع عن الحيز النسوي الخاص وأدوارهن الأنثوية المنزلية والإنجابية فيه والحفاظ على الأسرة، أي الأدوار البيولوجية والبدائية للأنثى. وقد بات هذا الوعي المقاوم بحاجة إلى تدجين وتهيئة، لا يمكن لها أن تكون من دون توجيه من النسوية الغربية المركزية. في حين أن الوعي النسوي الفلسطيني ها هنا لا يمكن فصله عن الوعي القومي والوطني المقاوم، وذلك بالنظر إلى السيرورة التاريخية لحركة المقاومة الفلسطينية، وبكلفات مضاعفة. ويأتي الأثر البنيوي لجندرية المدينة في مقابل القرية في الانتفاضة الفلسطينية كأدلّ دليل على أن فعل المقاومة فعل أنثوي نسوي، تحرري، في وجه كل البنى ذات النزوع السلطوية، بدايةَ من اللغة إلى الاحتلال مرورًا بالثقافة والمجتمع والدين والمكان.