| 

قبل نحو شهر، نجح عدد من الفلسطينيين، كما يبدو، في "تخويف" فرقة "حرقة كرت" الموسيقية الأردنية من الغناء في مدن فلسطينية كحيفا وعكا، بعدما جاءتها ضمن جولة عروض منظّمة. أرسي هذا الخوف، بحسب ادعاء منظمي الجولة، من خلال حسابات "فايسبوك" وهمية هدّدت وتوعدت بالتخريب، واتصالات لأعضاء الفرقة نتج عنها قرار حاسم بعدم الاقتراب من الجغرافيا الفلسطينية المحتلة في العام 1948.
في الوقت الذي ظننا فيه أن رحى معركة "التطبيع"، الخالية من السجال، يدور في المقاهي والبيانات التي تخنقها رسائل إلكترونية مغلقة بين بعض الفنانين والناشطين، ترانا نشهد عنفاً وترهيباً معلن النوايا. لا أريد القول إنه إفراز مباشر لهذه المعركة، ولكنه بالضرورة يزوَّد بكبريتها وينعم منها بشرعية تبدو وكأنها غير قابلة للنقاش، جعلت منا تماثيل صماء أمام ظاهرة من المفترض أن ينبذها منظّرو المقاطعة أنفسهم، من دون أن يقيموا اعتباراً لمنابعها أو مراميها.

***
صحيح أن الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل دعت في بيان لها إلى إلغاء عروض فرقة "حرقة كرت" الأردنية في فلسطين المحتلة العام 48، ولكن سرعان ما تبع هذه الدعوة سلوك بلطجي أدّى إلى إلغاء جولة العروض "خاوا" (أي، مجاناً)، كما نقول بالمحكية، وقد جاء من أفراد لسنا على يقين من هويتهم حتى اللحظة، ولكن أضحى في حكم المؤكد أن عدم التمحيص في العلاقة التي تربط سلوكهم بخطاب المقاطعة هو أمر يؤكد على واقعية الشرعية المستمدة من هذا الخطاب، وخطورتها على الواقع الثقافي والسياسي في آن.
كي لا يلتبس علينا الأمر، نضع تطبيع العلاقة مع إسرائيل الدولة والشعب جانباً، ونتحدث هنا عن العلاقة بين الفلسطينيين الباقين في أرضهم، في المناطق المحتلة العام 48، وبين امتدادهم العربي الطبيعي. تلك العلاقة التي أرادت إسرائيل ولمّا تزال قطعها، تلك التي دفع الفلسطينيون ثمن بترها المستمر منذ ما يقارب السبعين عاماً، بما فيها من روافد وروابط حضارية واجتماعية واقتصادية، كان وجودها ليشكل بالنسبة إلينا حياةً ذات منحنى مختلف الشكل والمحتوى عن هذا الآني. وعلى الرغم من أن هذه العلاقات الطبيعية تحتاج، في ظلّ الظروف الجيوسياسية، إلى "موافقة" المحتل، أو ما يسمى وفق حملة المقاطعة "تطبيعاً" للعلاقة مع إسرائيل الدولة، إلا أن الوجود الفلسطيني داخل حدود "دولة إسرائيل"، والذي يتمتع بمزيّة سياسية مغايرة فُرضت عليه من دون غيره من الوجود الفلسطيني في الجغرافيا العربية والعالمية، يحتاج من المنظّرين للمقاطعة جهداً أكبر وحرصاً أشدّ من أجل إيجاد معادلة تنصف هذه المزيّة وتنصف تاريخ أصحابها وهويتهم التي تعاون العرب على طحنها، وجاءت اتفاقية أوسلو لتدك ما تبقى منها من خلال إسقاط الفلسطينيين الباقين في وطنهم من الخطاب السياسي والثقافي الرسمي.

***
تعنيني، في معرض الحديث عن مسألة التطبيع التي أعتقد أنه من الأجدر بنا أن نناقشها ونولي اعتباراً لتعقيد خلفياتها وتبعاتها قبل أن نصوغ فيها قوانين ونصوصاً هي أقرب لأن تكون مقدسة، نبرة الخطاب الذي يعتمده المناهضون لهذا التواصل الفلسطيني العربي، وشكله، ومكنونه الأخلاقي، بقدر ما يعنيني الشق السياسي منه. إذ يتبدى هذا الشكل باستخدام حملة المقاطعة، مثلاً لا حصراً، لاصطلاحات تخلق من خلالها تعريفات تقزّم من اللغة الدنيا المطلوبة في الحوار، الذي لم يُفتح حقاً، مع الفنانين العرب؛ "الفرقة الأردنية التطبيعية". وتشارك في تشكيل هذا الخطاب، أيضاً، مخاوف من انزلاقات سياسية ثقافية ستكون هذه الفرق، بالنسبة إلى مناهضي التواصل، سبباً فيها، على اعتبار أن تواصلهم مع العكّيين اليوم سيجرّهم إلى التواصل مع التلّ أبيبيين غداً. لا أستطيع وضع هذه المخاوف إلا في إطار خطاب أنوف وسلوك مترفّع يستخفّ بعقول هؤلاء الفنانين، ولا يختلف كثيراً عن التنميط المتخلّف الذي ألصقه الوطن العربي بالفلسطينيين الباقين في وطنهم، بأنهم أصبحوا إسرائيليين تماماً. الطريق إلى تل أبيب لا تمرّ من عكا بالنسبة إلى الفنان الفلسطيني الذي ولد في حضن إسرائيل، فكمّ بالحريّ بالنسبة إلى فنان أردني؟ ويتجلّى منطق الخطاب في أكثر حالاته ضحالةً حين توصف رغبة الفنانين في بيانات حملة المقاطعة بـ "التطبيع بحجة التواصل الفلسطيني"، ويوضع تعبير "التواصل الفلسطينيّ" بين هلالين. سيكون من المجدي والمقنع أن يتعرّف الجمهور الفلسطينيّ والعربيّ الوسيع على النوايا الاستخبارية المضمرة أو صفقات الاستثمار السرية التي يغطيها الفنانون الأردنيون بشعار التواصل الفلسطيني.
إن هذا الشعار الذي وضع بين هلالين، وأزيح نحو الهامش، في الوقت الذي تمركزت فيه قضايا شكلية ورمزية سآتي إلى عرضها، هو شعارٌ أساس عند نسبة عالية من الفلسطينيين الباقين في وطنهم. وأعتقد أن ما يقف في طريقه يعتبر تكريساً لنهج العزل الذي تمارسه إسرائيل، ولبنة أخرى في الزنزانة الانفرادية التي تبنيها حولنا، ومقاطعة لعضو حيويّ من الجسد العربي، لا لإسرائيل.

***
هذا ما تنصه الحملة الفلسطينية للمقاطعة الثقافية والأكاديمية لإسرائيل بالنسبة إلى زيارة الفنانين العرب لفلسطين:
"عند توجيه دعوة لأي أكاديمي/ة أو فنان/ة أو مثقف/ة عربي/ة، تلتزم المؤسسات الفلسطينية بمبادئ ومعايير المقاطعة الأكاديمية والثقافية المقرة فلسطينياً في تنظيم الزيارة بحيث تُصرُّ على أن يكون دخول أي حامل جواز سفر عربي إلى فلسطين المحتلة فقط عن طريق تصريح من سلطات الاحتلال، وليس بتأشيرة دخول (فيزا)، وذلك تأكيداً على رفض التعامل مع دولة الاحتلال كدولة طبيعية".
هذا النص يدفعني طوعاً إلى التفكير بثلاث مسائل جوهرية. وفي الحقيقة، أخذت بتقليبها ذات اليمين وذات اليسار، قبل كتابة هذا المقال، فوجدتني أصرّ في كل مرة على تبسيط فعل فهمها، ليس من باب إنكار حيثياتها السياسية والثقافية، بل من بابٍ أفضّل فيه ضمّ صوتي للناس وليس لنموذج المثقف الفلسطيني الحديث. هم الذين سيسألون، وليس هو، لمَ تُحصر فلسطين المحتلة، التي يُسمح للفنان العربي بزيارتها، بالضفّة وغزّة؟ هل يقدّم هذا الاعتبار معنى آخر غير أن عكّا هي مدينة إسرائيلية وأنها ليست جزءاً من فلسطين التاريخية المحتلة؟ حتى لا يتجاسر أيّ فنان عربي على الغناء لأهلها إلا إذا كان يحمل جواز سفر أجنبي. أي أن فرقة "حرقة كرت"، بحسب هذا المنطق، تستطيع تقديم عرضها في عكّا إذا حمل أعضاؤها جوازات سفر يابانية مثلاً، وقد يرحّب بهم على بساطٍ أحمر وهم يجرّون آلاتهم على سطحه في مطار بن غوريون الإسرائيلي في تل أبيب. أيّ أن الطريق التي تمرّ من تل أبيب إلى عكّا هنا مشروعة، بجوازات سفر أجنبية، في الوقت الذي لا تسعف فيه الجذور الصفدية واليافية اثنين منهما. عودةً للنص، هل تعتبر سلطات الاحتلال أقل احتلالاً أو بطشاً أو فاشيةً من سفارات الاحتلال، حتى يكون التصريح أرحم من الفيزا؟ هل لأحد من صائغي هذا النص مشكلة في الحصول على تأشيرة دخول للولايات المتحدة؟ عليها أن تكون، حتى لا تزدوج المعايير سهواً. ثم، لماذا يُسمح، بالمقابل، وبحسب هذه القوانين، للفلسطيني ابن الضفّة أن يدخل أراضي 48 بتصريحٍ يحصل عليه بعد طابور طويل تحت شمس أريحا القاتلة، من بضعة جنودٍ لا تتجاوز أعمارهم الـ18 عاماً؟ أعرف هذا المشهد، وأتخيل أنه لا يقل بشاعةً عن ذاك الذي سيحصل في مكتب السفارة الإسرائيلية.
إن الفرق بين عكّا ورام الله وبين التصريح وتأشيرة الدخول، والفرق بين مصريّ ذي جنسية مصرية ومصريّ ذي جنسية أوروبية، بشكل خاص، هي فروقات لم نصنعها نحن، لا بل ونحاربها في حياتنا اليومية. فيها من الرمزية ما سيكون جوهرياً لو استند إلى واقعٍ سياسيّ يشبه حلمنا، وسيكون خاوياً إن لم يفعل.
لا نغضّ الطرف عن أن لهذا التواصل، أيضاً، عيوبه ونقائصه، إذ تتحفظ "حملة المقاطعة الثقافية والأكاديمية لإسرائيل" على أن يقدم الفنانون العرب عروضهم في قاعات إسرائيلية في الأراضي المحتلة العام 48. وهي مسألة في غاية الأهمية كوننا نناقشها هنا، ونلحظ من دون غفلة الغياب المؤسف لمساحات عرض وفضاءات فلسطينية مهنية. إلا أن نقاشنا مع الحملة دار في وقتٍ سابق دعيت فيه فرق أردنية أخرى إلى الناصرة والجولان السوريّ المحتلّ، وعرضت في قاعات فلسطينية؛ كفرقتي "أوتوستراد" و"آخر زفير".

***
على نقاشنا في هذه المسألة أن يدور، أولاً، في فلك الاعتبارات الأخلاقية. أن نفتحه أولاً قبل أن نوزع شهادات في الوطنية على مغنٍّ أو عازف غيتار، وقبل أن نشعل، ونحن في مكاتبنا الراقية المدفأة، فتيل تحريض أو ترهيب من دون أن ندري. فليفتح هذا الحوار ولتجد أسئلة كثيرة إجاباتها الحقّة من الحملة ومن جميع من اجتهدوا في التأويل والتحليل والتحكيم؛ هل نستطيع فصل مسألة فرض المقاطعة والعقوبات على إسرائيل وسحب الاستثمارات منها، والتي أقدر عمل الحملة عليها، عن مسألة التواصل مع الفلسطينيين الباقين في وطنهم؟ هل استطعنا في السبعينيات فصل قضية الحصول على تأشيرة من الحاكم العسكري في فلسطين عن التعاون مع الاحتلال وقبول وجوده؟ هل للأردني ذي الجنسية الأجنبية حق أكبر في فلسطين من عرب بجنسيات عربية؟ لم لا تستأهل المسألة فصل المطبع عن الوطني، فصل الأبيض عن الأسود، برؤية تفصيلية فاحصة ودارسة؟ بمن وكيف وأين.
يرتعش شيء فيّ كلما فكرت أن هذا المنطق، الذي يضرب مفهوم التواصل ضربة مباغتة تحت الحزام رغم أنه يستطيع محاورته حتى النهاية، يتشارك في منبع منطق من يتهمون فنانين فلسطينيين من الأراضي المحتلة العام 48 بالتطبيع لوجودهم في عمّان! اسألوا سجيناً ماذا يعني له الخروج الأول.
يرتعش شيءٌ فيّ كلما فكرت بالعجز أمام خطابٍ ذي منطقٍ متطوح، رافلٍ بحمولات رمزية لا تشبهنا. خطابٌ يكرّس عزلنا، أو على الأقل عزلي أنا شخصياً. خطابٌ لم نشارك جميعنا في وضعه - لم أشارك في وضعه أنا شخصياً - تماماً كما لم نشارك جميعنا في صياغة مشروعنا الوطني الجامع. هي مسألة تبدو أكثر خطورة وتعقيداً، ولكنها تواسيني قليلاً. ففي غمرةٍ من التفكير وتقليب الحجج وارتفاع الحرارة، أتوقّف قليلاً، أسمع من يغني ليلاه، وأغني سلماي.