| 

المنهاج الفلسطيني للعام 2015 يميّز الرجل عن المرأة في النوع الاجتماعي، وهو يفتقر إلى ثقافة النوع الاجتماعي "الجندر"، ويُظهر المرأةَ بصورة دونية. هذا بعضٌ مما أكدته دراسة صادرة حديثاً أعدّها "اتحاد المؤسسات الأهلية للتنمية"، بالشراكة مع "مؤسسة روزا لكسمبورغ". وسلطت الدراسةُ الضوءَ على مناهج اللغة العربية، والتربية المدنية، والتربية الوطنية، والعلوم في الصفوف من الأول حتى الرابع، لتخلص إلى أن التمييز في المنهاج يناقض ما صادقت عليه فلسطين من مواثيق دولية، مثل: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
بحثت الدراسة منظومة النوع الاجتماعي في الكتب من حيث نسبة المشاركة في تأليف الكتب وانجازها والمشاركة في الفرق الوطنية، وطبيعة عناوين الوحدات، وطبيعة عناوين الدروس، وطبيعة مواضيع الدروس، وطبيعة الأنشطة والمهارات الملحقة بالدروس، وطبيعة موضوعات "اختبر نفسك" (التدريبات)، وطبيعة المؤثرات البصرية، وطبيعة المهن والأدوار الموكلة للنساء والرجال، وطبيعة اللغة والكلمات المستخدمة في النصّ، والمساواة بين كلي طرفي النوع الاجتماعي.

ماذا يقول المنهاج؟

"أُعلن تمردي على المنهاج الفلسطيني". هذا ما كتبته الصحافية والناطقة باسم الحكومة الفلسطينية السابقة، نور عودة، في صفحتها على "فايسبوك"، عقب الانتهاء من تدريسها لابنها لدرس "مشاكل الأسرة في المجتمع"، في المنهاج الوطني الخاص بالصف الخامس. وأوضحت: "لمّا بدأت بتدريسه، حَصّر الدرسُ دورَ المرأةِ في إطارها التقليدي. وفي الصفحة التالية، قَرَأت وابني أن من بين مشاكل الأسرة عمل المرأة خارج المنزل". تقول: "لقد استغرب ابني الأمر وسألني كيف ذلك وأنتِ تعملين!".
تتابع عودة بانيةً على دور المرأة في السردية المقاومة لتحصيل مساواةٍ ولو في المنهاج، معتبرةً أن "المرأة الفلسطينية هي حارسة الهوية الوطنية ورفيقة الدرب والنضال والسلاح وليس من حق أحد أن يشوه هذه الحقيقة التاريخية". وبصلابةٍ، تؤكد: "لن أسمح أن يكون ابني ضحية هذا التفكير المرفوض، ولن أكون شاهدة صامتة عليه".
في الصف الخامس أيضاً، يفيد المنهاج أن المرأة لا يجب أن تعمل كقاضية، بينما الواقع يفيد بعكس ذلك. إذ يوجد العديد من القاضيات في فلسطين. وفي الصف الأول، يُظهر منهاج العلوم الرجل كطبيب (7 مواقع) والمرأة كطبيبة في موقعٍ واحد. كما ظهر هو كمهندس ورائد فضاء ومعلم وغطاس وموسيقى ونجار وصياد وعامل ورياضي، بينما ظهرت المرأة كسيدة تنفذ أعمالاً منزلية (11 موقعاً). وفي الصف الثاني، بدا الوضع مماثلاً من حيث التمييز في الأدوار، حيث ظهر الرجل كشرطيّ ومعلم (3 مواقع) وطبيب (3 مواقع) وسائق وعامل ومزارع وبائع وطباخ، بينما ظهرت المرأة كسيدة في بيت (13 موضعاً)، وطبيبة (1).

"التربية": لم نقصد التقليل من قيمة المرأة

رغم أن نتائج الدراسة هامة، وتنذر باستمرار بنية الظلم الاجتماعي وصيانتها عبر المناهج التربوية، لكن اللافت أن الدراسة لم تحظ باهتمام شعبيّ ولا رسميّ. فقد اقتصر الأمر على احتجاج نفّذته مجموعة محدودة من النساء في مدينة نابلس، طالبت بإعادة النظر بالمناهج وإنهاء التمييز.
في المقابل، تعاملت وزارة التربية والتعليم مع نتائج الدراسة بصيغة بيروقراطية، معلنةً أنها سوف ترفع الدراسة الى المسؤولين في التربية لمناقشتها. الجدير بالذكر هنا أن هذه الدراسة ليست الأولى في تأكيدها على وجود تمييزٍ في النوع الاجتماعي لصالح الرجل على المرأة، تنشر عن فلسطين. فقد طالبت دراسة أعدّتها "المؤسسة الفلسطينية للتمكين والتنمية المحلية" بتعديل المنهاج الفلسطيني سريعاً، بما يتوافق مع ثقافة النوع الاجتماعي والمساواة.
وفي تصريحات صحافية، تعهدت مديرة "وحدة النوع الاجتماعي في وزارة التربية والتعليم" نهاد أبو غزالة بالعمل على "مراجعة المناهج وتعزيز دمج النوع الاجتماعي من خلال دراسة المناهج وفق ثلاث مراحل ستبدأ من الصف الأول حتى الرابع خلال السنة القادمة، ومن الخامس حتى التاسع خلال السنة اللاحقة، والسنة الثالثة والأخيرة لمنهاج الصف العاشر حتى الثانوية العامة". وقالت أنه ستتم الإشارة الى "هذا الانجاز" بعقد مؤتمر "يجمع الشركاء والمؤسسات النسوية والشبابية التي شاركت في هذا الجهد".
أما مدير عام المناهج للعلوم الانسانية علي مناصرة فقد ارتأى الدفاع عن المناهج، موجداً في التمييز تكريماً للمرأة. وهو رأي ربما يمكن قراءته كتعبير عن إرادة القيمين عن المناهج الذين أخرجوها بهذه الصورة، وعن المقاربة التي يعتمدونها لترسيخ التمييز الجندري في توزيع الأدوار بين الرجل والمرأة، بما يضمن تفوق الرجل و"لجم" المرأة. فيقول: "صورة المرأة التقليدية التي وضعت بالمناهج لم تكن بقصد التقليل من قيمتها"، إنما أتت "إيماناً بالدور الكبير الذي تؤديه المرأة داخل المنزل وخارجه". وإذ يهادن الرأي الناقد لهذا التمييز بالقول أن "وحدة المناهج تعمل بمساعدة وحدة النوع الاجتماعي على إنهاء الفروقات والتمييز الموجودة باللغة والمؤثرات البصرية من المناهج التعليمية"، تراه يردّ التمييز لا إلى إرادة البشر وإنما إلى طبيعة لغتهم: "لكن، يبقى أن لغتنا العربية فيها الكثير من الضمائر والكلمات التي لا يمكن تفاديها وتعتبر غير منصفة للمرأة".

أهمية النوع الاجتماعي

يشير مصطلح "الجندر" إلى الأدوار والمسؤوليات التي يحدّدها المجتمع للمرأة والرجل، وكيف ينظرُ المجتمعُ من خلال تلك المسؤوليات إليهما. ولأن المرأة تأتي في المرتبة الثانية بعد الرجل، بدأ مفهوم "الجندر" يبرز على السطح، ليتسنى تعريف ثم التخلّص من الكثير من العادات التي ساهمت في محاصرة المرأة بسلطات رمزية وفعلية في المجتمع، ما أدّى إلى قمع الحقوق وإخضاع النساء.
‏وعن أهمية تعلّم الجندر في مراحل العمر الأولى، يشرح أستاذ علم الاجتماع جواد فطاير لـ "السفير" أن "أخطر مرحلة على الإنسان في التعلّم تستمر من الصف الأول حتى السادس، وهي المرحلة التي تقول الدراسة أن مناهجها ترسي التمييز لصالح الرجل". ويضيف: "في هذه المرحلة، يشكّل الطفل معتقداته عن الآخر وآلية التعامل معه. وعندما يصبح الشاب في العشرينيات من العمر، يصير من الصعب تغيير الفكرة التي شكّلها عن الطرف الآخر طيلة فترة حياته".
من جانبه، أضاف دكتور علم النفس توفيق سلمان أن العلم الذي يتربى عليه الأطفال في المدرسة لا يجدونه في حياتهم. لذلك، يصاب الكثير منهم بانفصام في المقاربة، وفقاً لتعبيره. فمثلاً، "في سن المراهقة، يسعى الشاب للحصول على إعجاب المرأة، فيخرج عن شخصيته إذ يُظهرُ بأنه منفتح وعلى استعدادٍ لقبول أي مهنةٍ تختارها... إلا أنه داخلياً يرفض ما يشهر".

الإعلام.. فاقد الشيء لا يعطيه

تفقد السلطة الرابعة إحدى أهم ميزاتها، وهي الرقابة ومعالجة القضايا الشائكة، في ظل غياب ثقافة النوع الاجتماعي، لا سيما إذا تزامن ذلك مع عدم وجود قانون يحمي الإعلاميّين، ومجتمع يعتمد على العشائر. إذ تفسّر الإعلامية والمختصة في الجندر لبنى الأشقر ضعف تغطية الإعلام لمواضيع الجندرة، بـ "عدم وجود قانون يحمي الإعلاميين عند تناولهم لمواضيع حساسة في المجتمع الذي يعتمد على العشائر، وعدم امتلاك الصحافيين الثقافة الحقوقية اللازمة لتغطية تلك القضايا، ما يؤدي إلى عزوف الكثيرين منهم عن تغطية مواضيع النوع الاجتماعي".
ومع أن الأشقر ترى أن الإعلام، في السنوات العشر الأخيرة، تطوّر في تناوله قضايا الجندر، إلا أنه "تطور يبقى في الإطار الخجول حتى الآن". وأشارت إلى أن التطور يعود إلى عمل المؤسسات النسوية في نشر التوعية حول أهمية الخوض في قضايا النوع الاجتماعي، "كما أصبح لدى رؤساء التحرير وعي لأهمية تغطية القضايا الاجتماعية بدلاً من اقتصار الشأن العام على الشق السياسي المباشر منه فقط".
وتعتبر الأشقر أن النمو المهني يتطلب من وسائل الإعلام التعامل مع أخبار المرأة على إنها جزء من المجتمع وديناميته، فلا تحدّها مجلات مختصة. وهي تؤكد على ضرورة إبراز قضايا المرأة في نشرات الأخبار والبرامج السياسية وغيرها، وإبراز الوجوه المختلفة لوضع المرأة في المجتمع، علماً أنه وضعٌ يشمل مراوح مختلفة من الأوضاع والنتائج، من النضال لتحقيق الإنجاز الاستثنائي إلى الموت كضحية لجريمة ذكورية.