| 

أول ما يمكن أن يشغل بال المرء عند التوجّه لمقابلة كامل قسطندي في منزله الواقع بالقرب من "الجامعة الأميركية في بيروت"، هو الخشية على الذاكرة التي يمتلكها من النسيان. إلا أن ذاكرة الرجل البالغ تسعة وثمانين عاماً، تمتلك أدق التفاصيل التي عاشها صاحبها، وتمتلك أسلوب السرد الآسر لها.
يستقبلك في صالون منزله الأنيق بحيويةٍ لافتة تدلّ عليها مشيته ونبرة صوته. في حضرة الإعلامي الفلسطيني كامل قسطندي، يشعر المرء بأنه أمام نصّ جميل مليء بالصور والأحداث تجذب الذهن على متابعتها بانتباه مشدود حتى آخر السرد. كيف لا والرجل آتٍ من تجربةٍ إذاعية عريقة في "إذاعة الشرق الأدنى"، ثاني أقدم الإذاعات العربية بعد "إذاعة القاهرة".
في عمر الإذاعة، تنقل بين فلسطين وقبرص ولندن وبيروت، وعاصر كبار الأدب والشعر والموسيقى والتمثيل والغناء في عالمنا العربي. كذلك، كان رائداً من رواد صناعة الإعلان التجاري في الاذاعات العربية، ثم على شاشات التلفزيون. فوق ذلك كله، كامل قسطندي هو رجلٌ وطنيّ بامتياز، مخلص لفلسطين ولقضايا الحق والعدالة، ما تؤكّده سلسلةٌ من المواقف التي مرّ به في حياته، وقد رفض خلالها الخضوع لمغريات المال وأمان الوظيفة.
هنا لقاءٌ مع رجلٍ مليء بالحياة وتفاصيلها، يروي لنا قصةً من القصص التي ولدت في فلسطين، ذهبت في شتاتها، ولم تبتعد يوماً عنها، ولو بصمت.



• أخبرنا عن يافا حيث ولدت، وذكريات الطفولة.
ـ ولدت في يافا في كانون الأول العام 1925، ولكن جذورعائلتنا تعود الى منطقة رام الله، وأصل عائلتنا هو اسم "يوسف"، إذ كُنينا باسم قسطندي نسبةً لجدي، فأصبح والدي يُعرف باسم بشارة قسطندي وكانت مهنته التعليم. أنجب والديّ عائلة مؤلفة من ثمانية أولاد، ستة أبناء وبنتان، وكان ترتيبي الخامس بين الصبيان. تلقيت تعليمي أولاً في يافا، ثم انتقلت لإكمال دراستي في القدس عندما بلغت سن الرابعة عشرة. أذكر انني كنت متعلقّاً جداً بالبحر في يافا، كما كان الاحتفال بعيد الفصح من أجمل الأيام لنا نحن الأطفال. إذ بالإضافة إلى بيض العيد الملون والثياب الجديدة، كان منزلنا يزدان بالورود في هذه المناسبة، وخاصة الزنبق. في صغري خلال تلك الأيام، أذكر أني كنت كثيراً ما أسمع والديّ يتحدثان عن هجرة اليهود الكثيفة إلى فلسطين، يبديان خوفهما من أن يسيطر هؤلاء على فلسطين يوماً ويرموننا خارجاً. فانتقلت حساسية هذا الموضوع إليّ، ولازمني خوف دائم من أن يأتي يوم أفقد فيه بلدي والأشياء التي تعلقت بها في القدس ويافا.
عندما كنت طفلاً صغيراً، نشأ لديّ تعلّق بجهاز الراديو بسبب مشاهدتي الدائمة لوالدي، الذي كان يتقن الألمانية، يتابع الاخبار عبر "إذاعة برلين". فنشأ عندي فضول التعرّف على هذه الآلة وكيفية عملها، حتى صار شغفاً. وبعدما كبرتُ وأصبحتُ طالباً في المرحلة الثانوية، تعرّفت إلى أشخاص يعملون في "إذاعة الشرق الأدنى" وأصبحنا أصدقاء، فطلبتُ منهم في يوم من الأيام أن أتفرّج على الإذاعة من الداخل فلبّوا رغبتي. كانت يومها لحظات لا تنسى بالنسبة إلي! ذهلت يومها أمام منظر الاستديوهات والمذيعين وهم يجلسون وراء الميكروفونات، لدرجةٍ سالت معها دموعي من الفرح، وأصبح لديّ حلم بأن أكون يوماً أحد العاملين في تلك الاذاعة، وكان لي ذلك في العام 1941.

المشاعر التي تحرّك هذه الجملة

• كيف توظفت في "إذاعة الشرق الأدنى"، وماهي أبرز الأعمال التي قدّمتها في بداية عملك؟
ـ بعدما أنهيت دارستي الثانوية في القدس، أحببت إكمال دراستي الجامعية، ولكن إمكانيات والدي الماديّة كانت محدودة فلم تسمح لي بتحقيق هذ الحلم. عدت إلى يافا وبدأت أبحث عن عمل. اتصلت بأصدقائي العاملين في "إذاعة الشرق الأدنى" بعدما علمت بأن الإذاعة تبحث عن مواهب جديدة لضمّها إلى طاقمها. طلبت منهم تأمين موعد لي مع مدير البرامج في الإذاعة "محمد الغصين". سألني الغصين عن نوع العمل الذي أرغب به، فأجبته بأنني أحب الموسيقى والشعر، وبأنني من المواظبين على حضور المجالس الشعرية التي كانت تعقد في فندق "الكونتيننتال" في يافا والتي يحضرها شعراء كبار أمثال عبد الرحمن الدباغ ومحمود الحوت ومعين بسيسو. فعينني أولاً في قسم الأسطوانات مع صبري الشريف الذي كان رئيساً للدائرة الموسيقية في الإذاعة، وكان عمري حينها تسعة عشر عاماً. بعدما مضى على وجودي في هذا القسم حوالي أربعة أشهر، طلبت من الغصين أن يعيّنني مذيعاً. وقبل أن يوافق على طلبي، أجرى لي اختباراً للصوت نجحت فيه. وأصبحت مذيعاً في "الشرق الأدنى"، وكان أهم ما تعلمته في تلك الفترة هو كيفية التعامل مع "الميكروفون" الذي لا يجب اعتباره آلة جامدة موجودة أمامنا بل أداة حيّة بين أيدينا. وعلى هذه الأساس، يمكن إعطاء كل كلمة مفهومها الصحيح. فالمهم ليس إلقاء الجملة بل المشاعر التي تحرّك هذه الجملة.
كان أول برنامج قدّمته على الإذاعة هو "حديث الصباح"، وأذكر تماماً أنه في الليلة التي سبقت جلوسي وراء المذياع للمرة الأولى، سيطر عليّ التوتر الشديد لدرجة انني لم أستطع النوم وبقيتُ ساهراً طوال الليل أقرأ المواضيع المقرر أن أقدمها للمستمعين في صباح اليوم التالي. كان البث في ذلك الوقت يتم على الهواء مباشرة، ذلك أن التسجيلات كانت محصورة بكبار الفنانين والكتّاب الذين كانوا يتعاملون مع الإذاعة من أمثال توفيق الحكيم وعباس محمود العقاد وإبراهيم المازني. كان محمد الغصين شخصاً مثقفاً ومحبوباً جداً من العاملين في الإذاعة، ولم يكن يتوانى عن تشجيع المواهب الشابّة، ما شجّعني على إبراز موهبتي في التمثيليات الإذاعية أمامه. فكتبت أول "دراما إذاعية" في حياتي وكان عنوانها "جوبيتر"، وقرأها، أعجبته جداً وعيّنني على الفور في دائرة التمثيليات في الإذاعة، ونصحني بالاستمرار في كتابة التمثيليات الدرامية.

قرّر البريطانيون: قبرص

• ما هي ظروف انتقال الإذاعة من يافا إلى القدس، ومن ثم إلى قبرص؟
ـ قبل نشوب أزمة فلسطين في العام 1948، قرّر البريطانيون نقل إدارة "إذاعة الشرق الأدنى" من تحت إدارة الجيش البريطاني إلى إشراف وزارة الخارجية البريطانية. كما قرروا نقل مقرّها من يافا إلى القدس، وكان ذلك في العام 1947. وفي ذلك الوقت، كانت الأوضاع الأمنية قد تدهورت كثيراً بسبب المعارك التي كانت تدور بين المجاهدين الفلسطينين بقيادة عبد القادر الحسيني والعصابات الصهيونية. ما جعل سلوك الطريق بين يافا والقدس أمراً محفوفاً بالخطر بالنسبة إلى موظفي الإذاعة الذين ينتقلون إلى أعمالهم من يافا إلى القدس. فقررت، والحال هذه، الانتقال للسكن في القدس. وإزاء ازدياد الصعوبات الأمنية في فلسطين، قرّر البريطانيون نقل الإذاعة إلى قبرص، وجاء ذلك قبل حوالي الشهرين من نكبة فلسطين في 15 آيار العام 1948.
انتقلنا إلى قبرص بحراً عن طريق ميناء حيفا، وسط ظروف أمنية صعبة. وكانت هذه الرحلة هي رحلتي الأولى خارج فلسطين. وصلنا الى ليماسول، وانتقلنا في اليوم التالي إلى منطقة تدعى "بوليميديا". هناك، وجدنا مجموعة من السيارات العسكرية البريطانية، وعليها معدات للبث. ومع الوقت، أقيم عدد من البيوت الجاهزة كان يتم استخدامها كمكاتب للإدارة واستديوهات للبث.

رحنا نصرخ: تعيش فلسطين!

• قصتك مع فيوليت ناصر التي أصبحت زوجتك سبقت انتقالك إلى قبرص؟
ـ كنت ألتقي فيوليت في منزل أحد الأصدقاء، وهي كانت صديقة شقيقته. ونشأ بيننا حب صامت، فالتصريح بالمشاعر في ذلك الوقت بين الحبيبين كان من الأمور غير المألوفة. وعندما علمت فيوليت أنني مسافر إلى قبرص، أرسلت لي مع صديقتها بطاقة عليها رسم قلب، ففهمت أنها تحبني. التقينا وتصارحنا بمشاعرنا قبل ان أسافر. واستمرت علاقة الحب بيننا خلال وجودي في قبرص. وفي العام 1950، تزوجنا وأنجبنا ثلاثة أبناء هم نبيل وباسم وسامية.

• كيف تلقيتم خبر سقوط فلسطين وأنتم في قبرص؟
ـ في ذلك النهار حدث ما يشبه الانقلاب الحقيقي في الإذاعة. خرجنا عن البرامج المقرّرة، ورحنا نصرخ بأعلى صوتنا من وراء المذياع: "تعيش فلسطين". ورحنا ندعو أهلنا للصمود وعدم مغادرة بيوتهم، وكان البريطانيون مذهولين مما يجري ولم يحاولوا إيقافنا، وذلك بسبب خوفهم من أن يرتدّ غضبنا عليهم ويؤدي ذلك إلى تركنا للعمل في وقت كانوا بأمس الحاجة لخدماتنا.

الإعلان، بيروت، والقاهرة!

• كيف تتذكّر الإذاعة في قبرص، وكيف انتقلت لاحقاً إلى بيروت؟
ـ في العام 1953، بدأت "إذاعة الشرق الأدنى" تواجه صعوبات ماديّة، وأصبح القيّمون عليها يفكّرون بإقفالها. خاف الموظفون على مورد رزقهم، واجتمعوا لتدراس الموقف، وخرجوا بفكرة الإعلان التجاري. وكانت هذه التجربة هي الأولى من هذا النوع في الإذاعات خارج الولايات المتحدة، حتى إنها لم تكن معروفة في أوروبا من قبل. وافقت إدارة الإذاعة على هذا الطرح، وتوليت أنا الدائرة الخاصة بالإعلان فيما تولى سميح الشريف إدارة البث الدعائي.
نجحت التجربة إلى حدّ قررت معه إدارة الإذاعة فتح مكتبٍ لها في لندن هدفه إفهام المعلنين الإنكليز عن نوع البضائع التي يحتاجها العالم العربي. ووقع الاختيار عليّ للأشراف على هذا المكتب، وكان ذلك في العام 1954. استطعنا خلال تلك الفترة تقديم دعايات ناجحة، وأنا اعتبر نفسي من رواد الإعلان في المجال الإذاعي. ومع الوقت، تم تطوير الإعلان، وأضيفت إليه الموسيقى في العام 1954. أدّى نجاح صيغة الإذاعة التجارية إلى بروز الحاجة التقنية إلى الموجة المتوسطة، وذلك من أجل توسيع شبكة الخدمات الإذاعية الإعلانية، فتمت زيادة قوة إرسال الإذاعة من عشرة كيلواط إلى مئة كيلوواط.
بعد عام قضيته في لندن، عرضت علي إدارة الإذاعة أن أبقى مدة أطول، ولكنني قلت لهم إن سنة واحدة تكفي. في ذلك الوقت، كانت الإذاعة تبحث عن مواهب جديدة، وكانت بيروت حينها تعجّ بالمواهب الشابة والواعدة، وكان صبري الشريف وغانم الدجاني يأتيان إلى بيروت بصورة مستمرة من أجل متابعة تنفيذ الأعمال الموسيقية. وكان مدير مكتب بيروت آنذاك الأستاذ أحمد الجرار يسهّل لهم الاتصال بالفنانين اللبنانيين، كالأخوين رحباني وحليم الرومي ونجاح سلام وفليمون وهبي وتوفيق الباشا وزكي ناصيف وغيرهم.
أما أنا فكنت أتردّد إلى القاهرة بصفتي مسؤولاً عن الدراما الإذاعية، وكانت مصر في ذلك الوقت أهم مركز للدراما الإذاعية في العالم العربي. ولقد أخرجت في تلك الفترة كل التمثيليات الاذاعية التي قدمها يوسف وهبي في "اذاعة الشرق الادنى". وفي العام 1955، جرى تعييني مديراً لدائرة التمثيليات التي تقرّر أن تكون مكاتبها في بيروت نظراً للأسباب التي ذكرتها سابقاً، استأجرنا مكاتب للإذاعة في شارع فينيسيا في بيروت، وبدأنا بالتعاون مع نخبة من الكتّاب اللبنانين كان من أبرزهم ميخائيل نعيمة ومارون عبود وعمر الزعني ونزار ميقاتي. نفّذنا عدداً من الأعمال الدرامية الكبيرة كـ "القصر والمعمل" لميخائيل نعيمة، "والقط الأسود" عن قصة إدغار آلان بو، كما قدمنا عدداً من الأعمال لفيروز ووديع الصافي وتوفيق الباشا وزكي ناصيف وغيرهم. واستقطبت الاذاعة عدداً من المواهب التمثيلية المميزة مثل وحيد جلال وفرقة أم كامل السورية وإيلي صنيفر وأديب حداد (أبو ملحم) والممثلة سعاد كريم وسامي الصيدواي وغيرهم. وكنا نعمل على مدار 24 ساعة، وقد تحولت بيروت في تلك الفترة إلى مركز اساسي للنهضة الفنية والثقافية.

لن يكون صوتنا ضد ناصر

• كيف انتهت مرحلة "إذاعة الشرق الأدنى"؟
في العام 1956، وقع العدوان الثلاثي على مصر، واقتحم الجنود البريطانيون استديوهات الأخبار في قبرص، وأجبروا المذيعين بقوة السلاح على تلاوة بيانات ضد الرئيس جمال عبد الناصر. جاء ردّ الفعل الأول على هذة التصرفات التعسفية من مدير الاذاعة في قبرص البريطاني "رالف طومسون" الذي قال: "هذا البلد المتوحش ليس بلدي"، ودعا الموظفين إلى تقديم استقالة جماعية من الإذاعة. وعندما وصلنا الخبر إلى بيروت، عقدنا اجتماعاً قررنا فيه تقديم استقالتنا أيضاً بعدما أبلغناهم بأننا لن نرضى أن نتحول إلى أداة بيد الإنكليز ضد جمال عبد الناصر. وبعد شهرين من الاستقالة وتوقّف الإذاعة عن البث، حضر مندوب عن الإذاعة من لندن، واقترح علينا أن نأخذ مهلة ستة أشهر للتفكير بالعودة عن استقالتنا، يتقاضى خلالها مسؤولو البرامج مبلغ خمسة آلاف ليرة شهرياً، الذي كان يعتبر في ذلك الوقت مرتباً ضخماً. لكننا رفضنا هذا العرض رفضاً مطلقاً وتمسكنا باستقالتنا.

أولى ليالي بعلبك

• انتهت مرحلة "الشرق الأدنى" لتبدأ مرحلة جديدة مع "الشركة اللبنانية للتسجيلات الفنية". ماذا تخبرنا عنها؟
ـ بعد انتهاء مرحلة "إذاعة الشرق الأدنى"، اتصل بي رجل أعمال فلسطينيّ معروف اسمه بديع بولس، كان أحد المساهمين في "بنك انترا"، وعرض عليّ فكرة إنشاء مصنع للأسطوانات في بيروت. فاقترحت عليه بدوري تأسيس شركة تعنى بالانتاج الإذاعي لتغطية حاجات الإذاعات العربية التي نشأت حديثاً، ولا سيما في منطقة الخليج العربي. وفي ذلك الوقت أيضاً، كان القسم العربي في "هيئة الإذاعة البريطانية" يعاني نقصاً في المواد الإذاعية، وخاصة بعدما أحجم معظم الإعلاميين العرب عن التعاون مع الاذاعة البريطانية بسبب عدوان 1956. فوافق بديع بولس على الفكرة واتفقنا على أن يدخل هو في المشروع بأمواله بينما أدخل أنا مع فريقٍ من الاختصاصيين بخبرتنا، فنتقاضى راتباً ثابتاً ونسبةً معينة من الأرباح. انطلقنا بالعمل وتولى صبري الشريف مسؤولية الدائرة الموسيقية، علماً أن علاقاته متينة مع عدد كبير من الموسيقيين اللبنانيين وفي طليعتهم الأخوين رحباني وتوفيق الباشا وغيرهم. أما أنا فتوليت مسؤولية العلاقات مع الكتّاب والمذيعين، وكان لي في تلك الفترة تعاون مميز مع الكاتب والمخرج نزار ميقاتي. كان الاتفاق بين الشركة والفنانين الذين تعاونوا معها يقضي بأن يكون جميع انتاجهم لحساب الشركة، لقاء حصّة من الأرباح. وفي حال قرّروا التعاون مع غير الشركة، يكون للشركة نسبة من أعمالهم. وفي تلك الفترة، كانت قد ولدت "لجنة مهرجانات بعلبك" التي اتصلت بالأخوين رحباني وفيروز وزكي ناصيف من أجل التعاون لإحياء الليلة اللبنانية الأولى في مهرجانات بعلبك. ولكن هؤلاء أجابوا اللجنة بأنهم متعاقدون مع "الشركة اللبنانية للتسجيلات الفنية"، وبأن على اللجنة مراجعة الشركة. وبذلك، كان لشركة التسجيلات فرصة إنتاج الليلة اللبنانية الأولى في مهرجانات بعلبك، والتي شكلت فرصة قوية لانطلاقة الشركة في العالم العربي.
• لم يقدّر لتعاونك مع بديع بولس أن يستمر، فافترقتما وأسّست شركة خاصة بك. ماذا جرى؟
ـ بعدما نجحت الليلة اللبنانية الأولى في مهرجانات بعلبك نجاحاً منقطع النظير، رحنا نفكر بتوسيع نطاق عملنا. فاقترح بديع بولس فكرة إنشاء ستديو لتسجيل الاعمال الفنية في منطقة سن الفيل، وأسماه "ستديو بعلبك". كان المشروع ضخماً، فاقترحت عليه إدخال رجل الأعمال الثريّ اميل بستاني صاحب شركة "الكات" للمقاولات شريكاً، فوافق. طلبت من أخي لبيب الذي كان يعمل عند البستاني أن يأخذ لي موعداً منه. وافق البستاني على الاسهام في المشروع بمبلغ مليوني ليرة لبنانية، ولكن بديع بولس قد عاد وتراجع عن رأيه ورفض مشاركة البستاني له وراح يتساءل عن الغاية من إدخال اميل بستاني إلى المشروع.
كان اقتراحي أن يبدأ المشروع أولاً بمرحلة الإنتاج الفني، خوفاً من أن تكون نفقات الستوديو وأجور العاملين في المرحلة الأولى أكبر من مردوده. ولكن بديع بولس أصر على فكرة إنشاء الستوديو. ومع انطلاق العمل، تبين أن توقعاتي كانت في مكانها، فعلى الرغم من الانطلاقة الجيدة للعمل في الاستوديو إلا أن مصاريفه كانت أكبر من مدخوله. تضايقت من هذا الوضع وزاد من ضيقي قيام بعض الفنانين وفي طليعتهم الأخوان رحباني بإنشاء علاقات مباشرة مع بديع بولس متجاوزين النظام الإداري للشركة. فأصبح هناك إنتاج لعشرات الاسطوانات من دون أن يكون هناك أيّ خطة تسويقية لها، ما أدّى الى تكدّسها في المستودعات. أثارني الأمر وذهبت لمواجهة بديع بولس وطلبت منه التوقف عن إنتاج اسطوانات سرعه 78 لفة كون الاتجاه السائد في المرحلة المقبلة هو لإنتاج اسطوانات سرعة 45 لفة، ما سيجعل الأولى من دون قيمة. ولكن بديع بولس لم يقتنع بوجهة نظري ما جعل استمرار التعاون بيننا صعباً.

"فرقة الأنوار".. وثلث ساعة سينمائية

• اتصل بك الصحافي سعيد فريحة بغرض التعاون، ما كانت نتيجته؟
ـ بعدما افترقنا أنا وبديع بولس، عرض عليّ سعيد فريحة فكرة إنشاء فرقة فنية اسمها "فرقة الأنوار"، وكان ذلك في العام 1959. كان العمل الأول لفرقة الأنوار هو استعراض مسرحي موسيقي جرى تقديمه على مسرح "كازينو لبنان" اسمه "حكاية لبنان"، حضره كبار مسؤولي الدولة ولا يزال هذا الاستعراض يعتبر حتى اليوم من أهم الليالي الفنية التي شهدها لبنان. كان من إخراج نزار ميقاتي، وشاركت فيه أوركسترا كبيرة كتب موسيقاها كل من توفيق الباشا وزكي ناصيف. وكانت اغنية وديع الصافي "لبنان ياقطعة سما" من ضمن برنامج هذه الليلة التاريخية. قبل تقديم هذه الحفلة، زرنا الكويت بدعوة من اميرها عبد الله الجابر الصباح، وكان الهدف من هذه الزيارة دراسة إمكانية ادخال رقصة العرضة الفولكلورية على برنامج "فرقة الأنوار"، بعدما اقترح سعيد فريحة أن يتضمن البرنامج ألواناً من الفولكلور العربي، لاحتمال أن تتلقى الفرقة دعماً ماديّاً من أمير الكويت، فأدخلت رقصة العرضة على الحفل الذي قدم في "كازينو لبنان".
بعدما ذاع صيت "فرقة الأنوار" وأثار حضورها على الساحة الفنية اعجاب كبار النقاد الفنيين، قامت الفرقة بعدد من الجولات الفنية الناجحة في عدد من دول العالم العربي. وكانت أهم محطة للفرقة في تلك الجولات هي الحفلة التي أحيتها في القاهرة عام 1961 وحضرها الرئيس جمال عبد الناصر. لكن، في عزّ نجاح "فرقة الأنوار"، وقع خلاف بين سعيد فريحة وابنه بسام، وقد وضع هذا الخلاف حدّاً لتعاملي مع "فرقة الأنوار".
• إلى جانب عملك مع "فرقة الأنوار"، أسّستَ شركة خاصة بك اسمها "شركة الأعمال الفنية". ما قصتها؟
ـ بعد خلافي مع بديع بولس، أسّست مكتباً فنياً خاصاً في العام 1960 أطلقت عليه اسم "مؤسسة الأعمال الفنية"، واتخذت له مقرّاً في بناية سلامة بجانب "ستاركو". كان إيجار المكتب ستة آلاف ليرة في السنة، ولم أكن أملك منها سوى ثلاثة آلاف ليرة. فعاودت الاتصال برجل الأعمال إميل بستاني، وطلبت منه إقراضي مبلغ 30 ألف ليرة لبنانية فوافق. وهكذا، عدت للعمل وانضم إليّ نزار ميقاتي وتوفيق الباشا وزكي ناصيف. وقبل انشاء المكتب، كان صبحي أبو لغد وعبد المجيد أبو لبن وغانم الدجاني - والثلاثة من كبار أعمدة إذاعة الشرق الأدنى - قد أسسوا شركة خاصة بهم اسمها "شركة الاتحاد الفني". فتوزعنا العمل في مجالات مختلفة، اهتممت أنا بإنتاج الاعمال الاذاعية والافلام الدعائية، فيما كان تركيز "الاتحاد الفني" على الأعمال الإذاعية. من أبرز الأعمال الإنتاجية التي قدمتها آنذاك فيلم دعائي لـ"حليب كليم"، مثّل فيه كل من محمد شامل والياس رزق، واستمر عرضه لمدة خمس عشرة سنة متتالية. ومع الأعمال الدعائية، حاولت الاتجاه إلى انتاج الأعمال السينمائية، وذلك في العام 1961. فبدأنا بتصوير فيلم روائي بعنوان "المعلم لطوف" من بطولة إحسان صادق ونجيب حنكش وناديا حمدي. ولكن التصوير توقف بعد انسحاب عدد من الممولين من هذا المشروع، وكنا قد صوّرنا حوالي ثلث ساعة من الفيلم.

خلف المذياع، في بغداد الثورة!

• ماهي حكاية ذهابك إلى العراق في العام 1958؟
ـ في العام 1958، وكنت لا أزال أعمل مع بديع بولس، تلقت "الشركة اللبنانية للتسجيلات الفنية" اتصالاً من الإذاعة العراقية تطلب فيه إرسال مندوبين عن الشركة إلى بغداد لتوقيع عقد لإنتاج برامج للإذاعة العراقية. وبعد اكتمال المفاوضات مع الإذاعة العراقية، وقع علي الاختيار لتوقيع العقد، فسافرت إلى بغداد في يوم 13 تموز. عندما وصلت، توجهت فوراً إلى مبنى الاذاعة، واتفقت مع مديرها على أن يكون موعد توقيع العقد في اليوم التالي. بعدها، اتجهت إلى الفندق لأخلد إلى الراحة. في صباح اليوم التالي، استفقت على هدير دبابات الجيش العراقي وهي تملأ الشوارع، وعلى منظر الجنود وهم ينتشرون في كل مكان. نزلت من غرفتي لأتبين الأمر، لكن عامل الاستقبال في الفندق طلب مني عدم الخروج إلى الشارع، وأخبرني بأن الجيش العراقي قام بانقلاب عسكري على العائلة الحاكمة. حاولت الاتصال بعائلتي وبالشركة في بيروت لأطمئنهم أنني بخير، ولكن تبيّن أن الانقلابيين قطعوا الاتصالات مع الخارج. بقيت خمسة أيام في الفندق، حتى سمح لنا بالخروج. عندها، اتصلت بقريبٍ لي كان يسكن في بغداد، فأتى بسيارته وأخذني إلى بيته بانتظار إعادة فتح المطارات والمعابر الحدودية التي كانت قد اقفلت بأمر من سلطات الانقلاب. وبينما أمضي أيامي عند قريبي بانتظار السماح لنا بالسفر مجدداً، وصل إلى المنزل ضابط في الجيش العراقي، ومعه عدد من الجنود. سألوا عني بالإسم، وطلب مني الضابط بكل تهذيب أن أرافقه إلى مبنى الإذاعة العراقية لتدريب الضباط والجنود الذين تولوا مسؤولية الإشراف على الإذاعة على تقديم البرامج ونشرات الأخبار. ذهبت برفقتهم، وباشرت عمليات التدريب. وفي اليوم الثالث لوجودي في الإذاعة، خطرت لي طريقة أستطيع من خلالها أن أطمئن عائلتي، ففتحت المذياع وقلت: "هنا كامل قسطندي يحييكم من إذاعة بغداد". وكانت آذان العالم العربي بأسره في تلك المرحلة مشدودة إلى "إذاعة بغداد" لمتابعة ما يجري من تطورات في العراق.. لم تنطل هذه الحيلة على الضابط المسؤول عن الإذاعة، فأنهى فترة التدريب، وقال لي: "يمكنك العودة إلى المنزل". بعد أيام من الانتظار، سمحت السلطات العراقية بسفر الأجانب، فعدت إلى بيروت، ووجدت أن أحد العاملين معي في الشركة سمع الجملة التي أذعتها من راديو بغداد، وطمأن عائلتي إلى أنني بخير.

• هل حاولت قيادة المقاومة الفلسطينية الاستفادة من تجربتك كفلسطيني ناجح في مجال عملك؟
ـ حدث ذلك مرة واحدة في أيام قيادة أحمد الشقيري لـ"منظمة التحرير الفلسطينية". يومها، كان المناضل نقولا الدرّ يتولى مسؤولية الإعلام الفلسطيني الذي زخر بالكفاءات الفلسطينية، فأطلق يدها في التخطيط لأعمال إذاعية وفنية تخدم قضية الشعب الفلسطيني. وفي تلك الفترة، انتجنا أعمالاً فنية رائعة لحساب إذاعة فلسطين في القاهرة.

• كيف انتهت تجربة شركة الإنتاج الفني في مطلع الثمانينيات؟
ـ في تلك الفترة، كانت تجربة الشركة قد بلغت مستوى ممتازاً في التوسّع والانتشار، وقعت خلالها الشركة عقوداً إنتاجية مع معظم الاذاعات العربية، لا سيما اذاعات الخليج العربي. خلالها، تنقلت بين بيروت ولندن لتتفيذ الكثير من الأعمال الفنية، كما درّبنا عدداً كبيراً من الإذاعيين من العالم العربي. وفي العام 1983، تلقيت عرضاً لتولي مسؤولية الإعلام في كلية اللاهوت في رأس بيروت، وبقيت في هذا المنصب مدة عشر سنوات ذهبت بعدها للتقاعد والراحة.