| 

منذ الاحتلال الاسرائيلي لما تبقى من فلسطين إثر حرب حزيران في العام 1967، لم تتوقف سياسة الاحتلال المتمثلة بهدم منازل الفلسطينيين في الضفّة والقدس وغزّة تحت حججٍ وذرائع واهية وغير قانونية، لا هدف لها سوى تفريغ الفلسطينيين من الأرض. فقد هدم الاحتلال منذ العام 1967 وحتى 2014 ما يزيد عن 23 ألف منزل.
وأوضح مدير "مركز القدس للمساعدات القانونية وحقوق الانسان" رامي صالح لـ "السفير" أن الاحتلال الاسرائيلي هدم خلال الأيام الثلاثة الأولى من حرب حزيران، 135 منشأة سكنية، بالإضافة إلى "المدرسة الأفضلية" و "جامع البراق" و "زاوية أبو مدين"، وتم تشريد ما يقارب تسعمئة فلسطيني.

قوانين الانتداب البريطاني

حول سياسة الهدم، أوضح أمين عام "الهيئة الاسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات" حنا عيسى لـ "السفير" أن سلطات الاحتلال، في منهجها المنظّم في هدم البيوت، تستند إلى قانون الانتداب البريطاني لسنة 1945، وتطبق سلطات الاحتلال بالاستناد إلى المادة (119) فقرة (1) والتي تنص على مصادرة وهدم أي منزل يتم إطلاق أي قذيفة منه أو يخرج منه أي عمل عدائي ضد الأمن. إلا أن الاحتلال "يخالف الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، إذ يخالف نص المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 التي تحرّم تدمير الممتلكات سواء كانت ثابتة أو منقولة، وتعتبر سياسة الهدم انتهاكا صارخا لنص المادة 17 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان لعام 1948 والتي تنص على أنه لا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفاً"، يشرح عيسى.

خصوصية القدس: إحلم بالترخيص

لمدينة القدس خصوصية في الهدم، إذ أن أغلب المساحات داخل مدينة القدس هي أراض يُمنع فيها البناء، إما هي أراضٍ غير صالحة للبناء، أو أراضٍ خضراء تم تخصيصها لبناء المستوطنات، حسبما يقول صالح، ويكمل: "أي أن 12 في المئة من أراضي القدس الشرقية التي احتلت عام 67 هي فقط أراض يسمح للفلسطينيين البناء عليها، مع العلم أن 12 في المئة هي أراضٍ مستنزفة ومستهلكة في البناء".
وتحت ذرائع أمنية أو حجج البناء من دون ترخيص، تصدر بلدية الاحتلال في مدينة القدس أوامر هدم منازل المقدسيين الذين اضطروا لبناء منازلهم من دون الحصول على تراخيص من بلدية الاحتلال. والبلدية، بدورها، تتعمد إثقال كاهل المواطن مادياً ومعنوياً، كسياسة لتهجير المقدسيين من المدينة. فتفرض بلدية الاحتلال مثلاً مبالغ طائلة لتقديم طلب الحصول على رخصة بناء. وفي هذا السياق، يوّضح عيسى لـ "السفير" أن تكلفة إصدار رخصة بناء لمنزل لا تتجاوز مساحته 120 مترا مربعاً تزيد عن 40 ألف دولار، مضيفاً أن "العقبات والمصاعب التي وضعتها بلدية الاحتلال في القدس جعلت المقدسيين يحصلون على أقل من رخصة بناء واحدة لكل ألف مسكن".
تسمح بلدية الاحتلال للمستوطنين بالبناء على مساحات شاسعة من أراضي المدينة، بينما تقيّد المواطن المقدسي بالمساحة التي يجب أن يبني عليها. هنا، يطرح رامي صالح مثالاً للدلالة: مستوطنة بسغات زئيف القريبة من بلدة بيت حنينا، تصل نسبة البناء فيها إلى 120 في المئة من أصل الأراضي المعرّفة لها. في المقابل، تتراوح نسبة البناء في بلدة بيت حنينا إلى 50-70 في المئة فقط. وفي صور باهر، تتراوح النسبة ما بين 35-50 في المئة، بينما تصل في مستوطنة جبل أبو غنيم إلى 120 في المئة أيضاً.
ومن ضمن المعيقات التي تضعها بلدية الاحتلال، تبرز المدة الزمنية المطلوبة حتى يتم إصدار رخص البناء. فيبيّن رامي صالح أن الوضع الطبيعي الذي تحتاجه البلدية حتى تصدر رخصة بناء، يزيد عن خمسة أعوام. وفي بعض الحالات، يتطلب استخراج رخصة أكثر من 15 عاماً، ومعظم الطلبات يقابل بالرفض.
لكل تلك الأسباب الآنفة الذكر، راح الفلسطينيون يبنون في مدينة القدس من دون رخصة بناء، حتى بلغت نسب المباني غير المرخصة 28 في المئة.. تراهم يضطرون لبناء بيت بلا ترخيص يتعايش فيه مع قلق الهدم لربما ينساه.
يوجد نوعان من قرارات الهدم: الأول هو قرار هدم قضائي ترفعه بلدية الاحتلال للمحاكم الإسرائيلية ضد أصحاب المنازل المخالفة، ويتطلب مدة تتراوح ما بين 3 و5 سنوات حتى يصدر القرار بالهدم. والثاني هو قرار هدم إداريّ، يمنح لوزارة داخلية الاحتلال صلاحيات إصدار أوامر الهدم بحق المنازل قيد الإنشاء، ولا يتطلب معرفة هوية صاحب المنزل، ولا تحتاج الداخلية الإسرائيلية أن تنتظر حتى يكتمل البناء، فتصدر قرار الهدم خلال 48 ساعة.
وزوّدت "الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات" جريدة "السفير" باحصائيات لعدد المنازل التي هدمها الاحتلال خلال فترة احتلاله للقدس، ليتضح أنه هدم منذ العام 2004 وحتى تموز 2014 عدد 517 منزلاً في القدس الشرقية، منها 59 وحدة سكنية هدمت بأيدي مالكيها، ما أدّى إلى فقدان 2028 فلسطينياً لمنازلهم، منهم 1108 قاصرين.
وحسب المعطيات الموثقة بين العام 1999 والعام 2014، تمّ هدم 988 منزلاً بشكل جزئي وكامل في القدس الشرقية، منها 814 بقرارات من بلدية الاحتلال، و174 منزلاً بقرارات صادرة عن وزارة الداخلية الإسرائيلية.

السياسة ذاتها في الضفّة

تختلف الضفة الغربية عن القدس في ما يخصّ الهدم بالشكل والأسلوب، إلا أن السياسة تبقى هي ذاتها. فقبل عقد اتفاقية أوسلو، كانت الإدارة المدنية هي المسؤولة عن كل مناطق الضفّة الغربية وقطاع غزّة. وبعد الاتفاقية، انحصرت إدارتها ومسؤوليتها على المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية (ج).
وتتذرع الإدارة المدنية بحجج عديدة لهدم البيوت، وتبقى الحجج ذاتها المستخدمة في نطاق القدس. إذ يتم هدم البيوت بسبب عدم الترخيص أو قربها من المستوطنات، وضمن سياسة العقاب الجماعي التي تسمّى أسباباً أمنية، كاتهام الفلسطينيين بتنفيذ عمليات ضد إسرائيل وهدم منازل عائلاتهم. وقد تم هدم منازل لفلسطينيين في المناطق (ب) التي تخضع للسيطرة المدنية الفلسطينية والأمنية الإسرائيلية، بسبب اتهامهم بتنفيذ عمليات ضد إسرائيل.
ويشرح رامي صالح لـ "السفير" البناء القانوني للهدم بالقول: "عندما تحتل دولةٌ ما دولةً أخرى، تستمر بالعمل بالقوانين ذاتها التي كانت سارية في الدولة قبل الاحتلال. وبما أن القانون الأردني كان يطبّق في الضفة الغربية، بقي الاحتلال الاسرائيلي يعمل بتلك القوانين. فيستند الاحتلال على قانون التنظيم والبناء الأردني للعام 1966 الذي يحدد مسائل البناء، ولم يغيّر الاحتلال القانون الأردني المعمول به في الضفّة لكن وضعوا أوامر عسكرية محددة بمناطق أو سياقات معينة".
وأضاف صالح أن القانون الأردني بدوره كان يستند على قانون الانتداب البريطاني في ما يتعلق بموضوع التخطيط، أيّ ما يسمح للشخص الذي يمتلك مساحة معينة من الأرض ببناء وحدة سكنية واحدة فقط على اختلاف المساحة التي يمتلكها.
وأشار صالح إلى أن الاحتلال أصدر عدداً كبيراً من أوامر الهدم في السنوات العشر الأخيرة بالمقارنة مع السنوات التي سبقت الانتفاضة الثانية، "لأن الإدارة المدنية جمّدت عملية إصدار تصاريح ترخيص بناء في مناطق (ج) لأسباب سياسية. ما جعل الفلسطيني يضطر إلى البناء من دون ترخيص. ازدادت وتيرة البناء فازدادت وتيرة الهدم".
في قطاع غزّة، يشرح حنا عيسى لـ "السفير" ان إسرائيل "كانت تنفّذ سياسة هدم المنازل منذ ما قبل مجيء السلطة الفلسطينية في العام 1994، أما بعد ذلك فكان هدم المنازل وتدميرها يتم خلال الحروب التي شنّها الاحتلال على غزة خلال السنوات الماضية".

".. أو أن أهدم بيتي بيدي"

يروي المقدسي سعدي الرجبي (من مدينة بيت حنينا – شمال القدس) لـ "السفير" الاجراءات التي تتبعها بلدية الاحتلال بحق المنازل غير المرخصة، بصفته واحداً من الذين تعرّضوا لها: "أقطن في منزل مساحته ستون متراً فقط، ولدّي ستة أولاد أربعة منهم من ذوي الاحتياجات الخاصة. قبل ثلاث سنوات، قررت أن أضيف مساحة خمسين متراً للمنزل، واضفتها بلا ترخيص. بعد عام، أصدرت بلدية الاحتلال مخالفة بحقي بقيمة 24 ألف شيكل".
أمهلته البلدية مدة عامٍ لترخيص المساحة التي أضافها إلى المنزل. إلا أن الرجبي كان يعرف أن قضيته خاسرة، نظراً لتكاليف الترخيص والمدة الزمنية التي تستهلكها البلدية لإصداره، بالإضافة إلى وقوع المساحة الزائدة في أرضٍ مشاع. فوكّل محامياً في محاولة لإصدار قرار جديد بمدّة زمنية جديدة، انتهت برفض المحكمة التمديد، ما وضعه أمام خيارين: "إما أن أخالف مرة أخرى أو أقوم بهدمٍ جزئي للإضافة. يعني ذلك، إما أن تقوم بلدية الاحتلال بهدم المنزل وأجبر على دفع فاتورة الهدم التي تكلفت بها بلدية الاحتلال، أو أن أقوم أنا بهدم بيتي بيدي".
وكون الرجبي لا يملك مبلغ ستين ألف شيكل ليدفعها إلى بلدية الاحتلال كي تهدم ما أضيف إلى المنزل (وهو مبلغ يختلف بحسب مساحة المنزل المقرر هدمه)، قرّر أن يهدم ما أضافه إلى المنزل بيده. لم يعفه ذلك طبعا من دفع المخالفة التي تبلغ قيمتها 24 ألف شيكل، سواء هدم منزله أو هدمته البلدية، علماً أن مهلة دفعها تمتد على 48 شهراً.
يقول الرجبي اليوم: "نحن غير قادرين على العيش، ممنوعون من كل شيء، أتمنى فقط أن أبني لأن شراء منزل في القدس قد يكلفني 400 ألف دولار.. من يملك هذا المبلغ في ظلّ هذه الظروف؟".


إحصائيات في الضفّة والقدس

أحصى "مركز القدس للمساعدات القانونية وحقوق الانسان" أعداد المنازل التي تم هدمها في الضفّة والقدس خلال السنوات الماضية، ووفّر الأرقام لـ "السفير". فتبيّن أن سلطات الاحتلال هدمت ما بين العامين 1987 و1998 في الضفّة والقدس 2276 منزلاً. وما بين العامين 1999 و2000، هدمت 142 منزلاً. ومنذ العام 2001 حتى العام 2004، هدمت 904 منزلاً.
منذ العام 2005 حتى العام 2014، تم هدم 752 منزلاً في الضفة، بينما أصدر الاحتلال 3700 أمر بالهدم في القدس وحدها خلال أربع سنوات فقط (2004-2008) هدم منها 494 منزلاً. ومنذ العام 2011 حتى مطلع العام الحالي، هدم الاحتلال 150 منشأة سكنية، ما أدّى إلى تشريد 540 فلسطينياً من مدينة القدس، بينهم 301 طفلاً.