| 

تجيء الذكرى العاشرة لغياب القائد ياسر عرفات مجللة بدم الشهيد زياد أبو عين صاحب السيرة النضالية الأسطورية في مقاومة الاحتلال مقاتلاً وأسيراً في سجون الولايات المتحدة الأميركية ثم في سجون الاحتلال... بل لعله أشهر أسير فلسطيني،
ولقد اغتال الاحتلال الإسرائيلي هذا المناضل في وضح النهار ليلتحق بموكب الشهداء الذين قدموا حياتهم فداءً للأرض المقدسة.
ومن أسف فإن الجريمة الإسرائيلية الجديدة ضد الشعب الفلسطيني بغير عقاب، كما مرت سائر الجرائم والمذابح الجماعية التي ارتكبها الاحتلال ويرتكبها يومياً، فردياً وجماعياً بشهوة الحروب المفتوحة على غزة والمطاردة المفتوحة للمناضلين.
هذا الواقع المأساوي الذي غرقت فيه القضية المقدسة يطرح أسئلة موجعة من نوع:
• هل اغتيلت الثورة يوم اغتيل قائدها أم قبل ذلك بكثير، وبالتحديد يوم اتخذ قراره الصعب "بالدخول" كرئيس لسلطة كان يعرف أنها لن تكون "سلطة" فعلية لمشروع دولة، بينما العدو الإسرائيلي يحتل الأرض ويخضع الشعب الفلسطيني وقيادته ضمناً، لإراداته؟
• وهل تعاملت القيادة الفلسطينية التي ورثت السلطة بمنطق انها امتداد "لحركة الثورة" أم كنتيجة لانطفاء الثورة عند حدود ما أمكنها انجازه، تاركة للأجيال الجديدة أن تواصل مسيرة النضال من اجل التحرير.
إن الوقائع السياسية اليومية تكاد تؤكد أن الثورة قد رحلت مع قائدها الذي ظل قائدها على امتداد أربعين سنة تقريباً. فالذين كانوا ثواراً قبل "الدخول إلى الوطن" سبق لهم أن خرجوا من الثورة وعليها منذ زمن وتحولوا إلى "موظفين في السلطة".
وأذكر نقاشاً عابراً مع مجموعة "مستشارين" كانوا برفقة احد وزراء السلطة في زيارة لعاصمة عربية، خلاصته أنني سألت عن أحوال الضفة وغزة بعد تحول "الثورة" إلى سلطة، فقال لي كبير المرافقين: ثورة مين؟ نحن الآن السلطة ومن يتحرك بالاعتراض سنكسر رأسه! لقد حررناها وخلاص، انتهى زمن الثورة.
-2-
ولقد سألت لأنني كنت من ضمن الخائفين على "الثورة" أن تنتهي في مهرجان الانتقال إلى السلطة، فلا يتبقى منها إلا "الذكريات" التي يجب أن ينساها أصحابها، لأن مجرد الاحتفاظ بفكرة الثورة يشكل مصدراً لعذاب لا ينتهي في قلب العجز، هذا إذا ما افترضنا أن هؤلاء "الموظفين" الآن ما زالوا يحتفظون بذكرياتهم عن "الثورة"، وهذا اضعف الإيمان.
• بديهي أن نسأل: وهل كانت دولة العدو الإسرائيلي ستسمح لطوابير العائدين، ممن كانوا مقاتلين في صفوف الثورة، لو لم تكن على ثقة مطلقة بأن زمن الثورة قد انتهى، وأن هؤلاء الآلاف ممن كانوا ثواراً قد ارتاحوا إلى افتراض أنهم قد أدوا ما عليهم من "واجب"، وأنه قد آن لهم أن يرتاحوا، تاركين لأجيال أخرى أن تؤدي دورها في النضال، وهذه المرة من قلب دولة العدو، من أجل استكمال الثورة بالتحرير الكامل للأرض المحتلة.
ولقد سأل الفلسطينيون في الداخل، كما في الخارج: هل كان اتفاق اوسلو بمثابة إعلان بطي صفحة الثورة، والرضا بالسلطة، طالما أن الثوار قد سلّموا بأن يتحولوا إلى شرطة لسلطة لا سلطة لها، وإن كانت تفيد الاحتلال بترك الشعب الفلسطيني يواجه بمطالبه جميعا - خارج الثورة وبعيداً عنها – هذه السلطة المستولدة قيصرياً والتي لا تملك قرارها في أي شأن من شؤون بلادها وشعبها فيها.
وبديهي أن يسأل آخرون: ومن أين يمكن أن تدخل "الثورة" والحاجز قد بات حاجزين: الاحتلال والسلطة والتي لا مجال للمقارنة بين قدراتهما... وهل من الظلم أن تتهم السلطة، بأجهزتها الأمنية، بأنها صارت في الداخل، بالاضطرار وبغض النظر عن الرغبة، حرساً إضافياً للأمن الإسرائيلي؟
-3-
لقد صدر عن السلطة في مناسبات عديدة ما يفيد "أنها لن تسمح بأية انتفاضة"، و "لن توفر الملجأ الآمن لمن يرتكب ما يخل بالأمن"، حتى لو اتهمت بأنها بهذا الموقف تخدم الاحتلال... فمتى صار الأمن هو الهاجس الأساسي للسلطة تساوت في السلوك مع الاحتلال، وضاعت الحدود بين مصلحة العدو ومصلحة السلطة، بل أن السلطة تتبدى في حالات مثيرة وكأنها تخدم مصلحة العدو، الذي ما زال يحتل البلاد ويتحكم بمقدراتها ويقرر لمن يعطي تأشيرة دخول إلى الضفة وعمن يمنعها بمن في ذلك رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية.
وشهيرة هي الواقعة التي شهدتها "قمة فلسطين" في الدوحة، والتي غاب عنها رئيس السلطة محمود عباس، وكان عذره أن الاحتلال لم يسمح له لمغادرة رام الله... وكانت المفاجأة الصاعقة حين قال له أمير قطر (السابق) حمد بن خليفة آل ثاني: خذ أنت قرارك بالانضمام إلينا وأنا مستعد لأن أتحدث مع الإسرائيليين لكي يعطوك تأشيرة خروج وعودة!
اليوم، وبعد عشرين عاماً على دخول "السلطة" إلى بعض ما "تنازلت" عنه دولة الاحتلال هل صار الحديث عن الثورة وعن التحرير "خارج الموضوع"، لأن ذلك في مستوى الأحلام.
*****
ليس جدياً الحديث عن "الثورة الفلسطينية" بأنها محاولة لخرق المستحيل.
-4-
فالثورة التي انطلقت من خارج أرضها، والتي كان عليها أن تراعي حجم نموها وتعاظم قدراتها حتى لا تكون مبرراً وذريعة لصدام مباشر مع سلطات الدول التي كان "ثوارها" يعيشون فيها، تحت رقابة النظم المعنية، والتي "تستضيف" الثورة بغير رغبتها، وتقبل بإقامة معسكرات التدريب لتزيد من رصيدها في عيون شعبها.. وكذلك من اجل تحسين موقعها التفاوضي مع العدو الإسرائيلي وراعيه الاميركي، وربما لغايات إضافية بينها إحراج أنظمة عربية أخرى، والمزايدة "قومياً" من دون أن تسمح بأي خروج عن "التعليمات".
في دولتين فقط كان للثوار حرية حركة بحدود ما، ضيقة في الأردن وتحت رقابة صارمة، وواسعة في لبنان لأسباب تتصل بضعف دولته وخوفها من طوفان التعاطف الشعبي مع دخول "الثوار" ولكن ضمن منطقة محددة ومحدودة على الحدود مع فلسطين المحتلة... وبطبيعة الحال فان "الثوار" سرعان ما توسعوا ملتحقين بقياداتهم فصاروا في بيروت، وفي معظم أنحاء لبنان، وبقيت قوات رمزية في الجنوب حيث تحولت العمليات الفدائية إلى قصف بالصواريخ من بعيد، ثم الانسحاب ليأتي الرد قاسيا على أبناء المناطق الحدودية الذين اضطروا تدريجياً لإخلاء قراهم الفقيرة، والخروج طلباً للامان، في أي اتجاه، وان كانت أكثريتهم قد استقرت في ضواحي بيروت فزادوا من فقر سكانها، مما اخذ يوسع دائرة النقمة من هؤلاء الذين جاءوا فدائيين ثم أغوتهم بيروت الباهرة فذهبوا إلى السلطة فيها. وهذا حديث آخر.
أما في الأردن فقد أمكن للسلطة القوية أن تنهي الوجود الفدائي فيها بسرعة قياسية: فبين معركة الكرامة (آذار 1968) التي منحت الثورة الفلسطينية الوهج والزخم وبين "أيلول الأسود" 1970 ثلاث سنوات كانت كافية لبروز "الفدائيين" كمنافس للملك الهاشمي على السلطة، فكان الصدام الدموي، وكان خروج القوات المقاتلة (بوساطة القمة العربية الطارئة التي عقدها جمال عبد الناصر في القاهرة، والتي ودع مع نهايتها الحياة.) وقد توزعت هذه القوات بين سوريا، إلى حين، ولبنان، حيث سرعان ما استقرت القيادة والقوات جميعاً.
-5-
ويرى كثير من المتابعين والمهتمين من موقع المتعاطف أن نهاية الثورة الفلسطينية قد حدثت في بيروت الجذابة والمغرية والمفتوحة للعالم جميعاً... ففي بيروت تحديداً تحولت الثورة إلى "سلطة"، وسلطة غريبة، خصوصاً وأن الخلافات اللبنانية – اللبنانية التي تتدرج من السياسة إلى العصبوية الطائفية قد فتحت لها باب التمكن، فانخرطت في تحالفات مع بعضها منزلقة إلى المستنقع اللبناني ملتهم الثورات.
*****
كان الراحل ياسر عرفات ومعه قلة من القادة يدركون خطورة المنزلق الذي اندفعوا إليه في لبنان، لكن التراجع صار مستحيلاً، ... فما في كل يوم تتوفر فرصة الإفادة من هذا الموقع الذي يهم الغرب (والعرب) كثيراً والكل يريد استمرار لبنان كجسر يربط بين الغرب وهذه المنطقة من العالم.
ولقد استدعى إخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان حرباً إسرائيلية شرسة، أفضت الى اتفاق دولي يضمن الخروج الآمن لمقاتليها إلى أبعد ما يكون عن فلسطين، وهكذا تم توزيعهم بين تونس وليبيا واليمن وجهات أخرى.
وستمر سنوات طويلة قبل أن ينفتح باب التفاوض مع العدو الإسرائيلي، بتأثير ارتدادي لهجوم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين على الكويت، ثم إخراجه منها بالقوة، وعبر جيش أممي قيادته وكتلته الأساسية اميركية لكن عددا من الدول العربية وفّر له الغطاء بذريعة تحرير الكويت.
-6-
في غمرة هذه التطورات كانت اوسلو، وكان الوصول إلى الاتفاق بين قيادة المنظمة والعدو الإسرائيلي... وكانت عودة المقاتلين إلى ارض الوطن، منهكين، آتين من التشرد والانكسار بحيث رأوا في "السلطة الوطنية" انجازاً تاريخياً، هو أقصى ما أمكن الوصول إليه.
*****
بعد مرور عشر سنوات علي غياب القائد العسكري والسياسي والمسؤول عن كل ما يتصل بالمقاومة الفلسطينية خلال سنوات الغربة، ثم كل ما يتصل بالسلطة بعد العودة إلى الداخل واتخاذ رام الله عاصمة بديلة من القدس، نستذكر ياسر عرفات الذي استطاع قيادة الثورة طوال أربعين سنة تقريباً بكل ما ملك من قدرات.
ولقد كانت قدرات هذا القائد الفذ عظيمة، فهو الداهية سياسياً، وهو المقاتل المميز ميدانياً، هو المفاوض الذي يعرف حقيقة اوضاع العدو وحقيقة الأوضاع العربية، ويعرف اساساً الطاقات المميزة التي يختزنها شعب فلسطين والتي صنعت ثورة في عصر التحولات الكبرى وأبرزها غياب عبد الناصر المفاجئ، وانحراف السادات، وخروج سوريا من الميدان باتفاق فك الاشتباك مع العدو الإسرائيلي (1974)، والحرب الأهلية في لبنان التي امتدت دهراً ولم تخمد نارها مع خروجه مع قواته من بيروت، ثم سقوط الاتحاد السوفياتي وتبعثر المعسكر الاشتراكي دولاً موالية للغرب.
لقد ظل يناضل، ضمن ظروف قاسية وغير مؤاتية حتى آخر نفس..
-7-
والأمل بداية، في توحد الشعب الفلسطيني مجدداً بقيادة واحدة وبرنامج عمل موحد.
... واساساً في انتفاضة فلسطينية تبدو - كأي ثورة – صعبة إلى حد الاستحالة، ولذلك تدعى "الثورة".
وبالتأكيد فإن دماء الشهداء في فلسطين، كل فلسطين، الضفة وغزة والداخل، ستكون السلاح والذخيرة... وها أن اسم زياد أبو عين قد نقش على الأرض المقدسة ليضاف إلى رفاقه الذين سبقوه.
وفلسطين ولّادة الثورات،