| 

كانت الانتفاضة الأولى، ولم تزل، محل خلافٍ سياسيّ وبحثيّ في إسرائيل، خصوصاً في ما يتعلّق بتساؤل: هل كان بالإمكان منع اندلاعها؟ وهل كان بمقدور الاجهزة الاستخبارية الإسرائيلية توقّعها؟ في خضم تلك السجالات، يبقى في الإمكان ملاحظة إجماعٍ بحثيّ وسياسيّ إسرائيليّ على أن انطلاقة الانتفاضة كانت أمراً عفوياً، وأنها اتخذت في بدايتها طابعاً شعبياً.
مع ذلك، تربط الأدبيات الإسرائيلية اندلاع الانتفاضة الأولى بتحرير أسرى ضمن صفقة جبريل في 20 أيار/مايو 1985، التي أدّت، بحسب يوفال ديسكين، الرئيس السابق لجهاز المخابرات الإسرائيلية "الشاباك"، إلى نمو قيادة جديدة وأكثر فاعلية في الضفة وغزة.

إسرائيل ترصد الأسباب

بموجب صفقة جبريل، أفرجت إسرائيل عن 1,150 أسيراً، جزء كبير منهم أطلق سراحه الى الضفّة وغزّة. وكان من بينهم الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة "حماس"، وأسرى آخرون أصبحوا لاحقاً العمود الفقري للانتفاضة كما وصفهم زئيف شيف، المعلّق العسكري لصحيفة "هآرتس" العبرية في كتاب "الانتفاضة"، الذي شارك في إعداده المستشرق والصحافيّ الإسرائيلي الشهير يهودا يعاري.
أما العامل الآخر الذي تواظب الأدبيات الإسرائيلية على ذكره عند تفسير ظاهرة الانتفاضة الأولى فتختصره الأجواء الغاضبة التي نجمت عن معركة الشجاعية في غزّة في 6 أكتوبر عام 1987، والتي أسفرت عن استشهاد أربعة من نشطاء حركة "الجهاد الإسلامي" الذين هربوا من سجن غزّة المركزيّ، قبل عدّة شهور ونفذوا عدّة هجمات.
وتُرجع التفسيرات الإسرائيلية سبب اندلاع الانتفاضة أيضاً إلى تصعيد اليمين الإسرائيلي من دعواته لتهجير الفلسطينيين، وإعلان آرييل شارون عزمه على الاستيطان في الحيّ الاسلاميّ من البلدة القديمة في القدس، ونمو قيادة فلسطينية مستقلّة في الضفّة الغربية وغزّة، واليأس من حلّ القضية الفلسطينية عن طريق الدول العربية، وسياسة توسيع المستوطنات.

"لا يوقفهم إلا الرصاص الحيّ"

يستذكر رئيسٌ سابقٌ لجهاز "الشاباك" آفي ديختر، اللحظة التاريخية التي شهدت إنطلاق الانتفاضة، وقد كان ضابطاً في تلك الفترة: "كنت آنذاك رقم اثنين هنا في قاطع عسقلان، اندلعت موجة أحداث جماهيرية على نطاق لم نعهده في السابق، المئات والآلاف يسيرون ولا يوقفهم إلا الرصاص الحيّ."
ويشخّص ديختر تلك اللحظة التاريخية قائلاً: "العنصر الجوهري، كان انهيار الانصياع الأعمى تقريباً لسلطات، كان قد انتهى العصر الذي بالإمكان التجول فيه بغزة أو يهودا والسامرة بسيارةٍ عادية مع شخص آخر يكون حارساً، هذا الوضع انقضى من العالم".
في البداية، كانت غالبية فعاليات الانتفاضة تعتمد على وسائل بسيطة: العشرات من الأطفال والشبّان اليافعين نظموا كمائن لدوريات جيش الاحتلال، وأمطروها بالحجارة. كما تم تنظيم تظاهرات احتجاجية. وعن حالة الشلل التي أصابت "الشاباك" عند اندلاع الانتفاضة، يقول رئيس الجهاز آنذاك يعقوب بيري: "أنت تتحول إلى جسم يجمع معلومات لإحباط الاحتجاجات التي تسمى إخلال بالنظام، ليس بالإمكان وصفهم بالارهابيين بالمفهوم التقليدي للكلمة، لقد كانوا شباناً يافعين جداً، وجزء كبير من رشق الحجارة أو من اعمال الاخلال بالنظام العام كان يقوم به أطفال أصبح قذف الحجارة بالنسبة إليهم رياضة قومية".
توقعت اسرائيل أن تصل الانتفاضة إلى نهايتها خلال شهر، مثلما كانت قد انتهت جولات مواجهات سابقة، وتجلّى هذا الاستهتار الاسرائيلي عبر زيارة رئيس الحكومة آنذاك اسحاق رابين إلى واشنطن لمدة أسبوعين، بعد انطلاق المواجهات.
عدم توقف الانتفاضة من تلقاء نفسها، دفع في 21 من شهر ديسمبر رئيس أركان جيش الاحتلال اللواء دان شمرون إلى الزجّ بالمزيد من قواته في الضفّة الغربية وغزّة. ومع مرور الوقت، حاولت إسرائيل استعادة زمام المبادرة، وحاولت قمع الانتفاضة بالقوة. وصدرت تعليمات غير رسمية للجنود، نقلت عن لسان رئيس الحكومة اسحاق رابين تدعوهم إلى اعتماد سياسية "تكسير الأيادي والأرجل".
ونفذت اسرائيل سياسية فرض حظر التجول (60 في المئة من السكّان خضعوا خلال العامين الأولين لنظام حظر التجول المتواصل)، بالإضافة إلى الاعتقالات العشوائية وتدمير وإغلاق المنازل (في عام 1988، تم تدمير وإغلاق 180 منزلاً)، وأغلقت المدارس بموجب قرارات عسكرية (في عامي 1988 و1989، فتحت المدارس أبوابها 40 يوماً فقط).
قال يعقوب بيري في شهادته في فيلم "حرس البوابة": "الانتفاضة الأولى كانت بمثابة الصاعق الذي فجّر الغرف التي تُخزّن فيها أكياس المتفجرات، لقد جاءت بشكلٍ عفويّ، فنهض شعبٌ وحاول القيام بثورة، والثورة كانت تعني طردنا".

بداية المسار السياسيّ

على الرغم من أن اندلاع الانتفاضة كان عفوياً وغير منظّم طبقاً للتقييمات الاستخبارية الإسرائيلية، سرعان ما تنظّم المشاركون بالاحتجاجات، وبرزت مجموعتان رئيسيتان: القيادة العامة الموحدة التي ارتبطت بقيادة "منظمة التحرير" وتحولت إلى جزء منها. أما المجموعة الثانية فقد ضمت حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي".
ويُقر يعقوب بيري بالفشل في توقّع اندلاع الانتفاضة: "هل ثمة جهاز مخابرات كبير في العالم توقّع سقوط جدار برلين؟ من ناحية المبدأ، كان يتوجب عليه توقع ذلك، ومن أجل ذلك يشغّل الجهاز منظومات وورش معلومات ضخمة، ولكن يجب قول الحقيقة: تقريباً، كلّ أجهزة المخابرات في العالم فشلت بتوقع أحداث تاريخية كبرى".
بعد استنفاد الوسائل العسكرية في قمع الانتفاضة رأى اسحاق رابين رئيس الحكومة الاسرائيلي آنذاك، ضرورة اللجوء الى المسار السياسي. ويقول عن ذلك بيري: "أعرب رابين عن الكثير من الشكوك حول نيات عرفات. ورابين حتى يوم موته، لم يؤمن أنه بالإمكان التوصل لأيّ تسوية مع عرفات. ولكن رابين كان يدرك أهمية البدء بالتقدّم في مسارٍ سياسي، بموازة المسار العسكري والاستخباري".
وتكشف شهادة كارمي غيلون، رئيس جهاز "الشاباك" التي خلف بيري وشغل منصبه لسنتين (1995 – 1996)، في فيلم "حرس البوابة" أن الدافع الأساسي خلف دخول رابين في عملية السلام هو الثمن الاقتصادي الباهض للانتفاضة.

*معطيات جيش الاحتلال (1987 - 1993)

تظاهرات وحوادث رشق حجارة وزجاجات حارقة 43,4520
الشهداء 985
الجرحى بنيران جيش الاحتلال 16,824
القتلى من جنود جيش الاحتلال 66
الجرحى من جنود جيش الاحتلال 4918
القتلى من المستوطنين 157
الجرحى من المستوطنين 4195
هجمات اطلاق نار نفذها فلسطينيون 940