| 

الساعة الساعة الساعة.. الساعة.. الساعة
أنت اللي كسرت الساعة.. الساعة.. الساعة
ساعة البيه المحترمة
تقطمها بكل شناعة
- أنا معملتش حاجة لحدّ،
أنا ع القدّ وماشي ع القدّ،
أنا جاي أبكي عليك وعليّا،
وعلى عصفورة كانت في اليدّ
(صلاح جاهين)


في بيان "القيادة الوطنية الموحدة" رقم (38) بتاريخ 14/3/1989، أعلنت القيادة الموحدة عن بدء التوقيت الصيفي، في خطوة رمزية لمعاكسة توقيت دولة الاحتلال الذي كان ليبدأ توقيته الصيفي بعد شهرٍ تقريباً من ذلك. كانت تلك خطوة قمّة في البلاغة الرمزيّة، ساعة الاحتلال تكسر وترمى، لنا ساعتنا الخاصة، نفتح محالنا التجارية ونذهب إلى مدارسنا تبعاً لتوقيتنا لا لوقتكم. أصبحت الساعة موقعاً للمقاومة.
أنا كنت قد حصلت على أول ساعة يد في حياتي هديةً من والدي. كانت من البلاستيك، ومصنوعة في الصين. كتب عليها إنها مضادة للماء، تلك الجملة التي كنت أتباهى أمام أصدقائي بها، رغم أن الساعة مصنوعة لمن يريد السباحة. كنت أعدها بأن تكون رفيقتي، عندما نحصل على بحر بعدما نتحرّر. (مع بداية الانتفاضة، جاء صحافي أجنبيّ إلى المخيم، ولأني كنت أعرف بعض الجمل بالإنكليزية، أحضره أصدقائي لي كي أحدثه. سألني: لماذا تشارك في رمي الحجارة؟ أجبت بأني أريد بحراً. وبعد التحرير، سيكون عندنا بحر).
ساعتي البلاستيكية لم تعمّر طويلاً. وبعد بيان "القيادة الموحدة"، صار الجنود المنتشرون في الشوارع يوقفون أيّ شخص ويسألونه عن الوقت. فإذا كانت ساعته مضبوطة على توقيت فلسطين، كان الجنود يوسعونه ضرباً وتنكيلاً. أنا ضبطت ساعتي كما أصدقائي على توقيت فلسطين. ولأتجنب الجنود، قرّرت أن أقطع حزام الساعة وأبقيها في جيبي. ساعة الحرية في جيبي، أراقب دقاتها وأضبطبها، كما قال لي البيان الذي كتبه مجهول ووزعه مجهول في الليل. بيان حدّد لي ولجيلي ماذا نفعل، وأعطانا الأمل بزمنٍ لااستعماريّ.
جاء أوسلو بكل خيباته، وعادت الساعة بعد سنواتٍ قليلة لتطابق الساعات بين الاحتلال والسلطة. أيّ مفارقة قاهرة تلك؟ الساعة أصبحت موقع التواطؤ في رمزيته وحقيقته. ثم تتوالى الخيبات والهزائم، ويتعمّق فعل التشظية الاستعماري. أصبح عندنا سلطتان، في غزة والضفة، وصار لكل سلطة توقيتها. قبل عامين، كان هناك فارق شهرٍ في الانتقال إلى التوقيت الصيفيّ أو الشتويّ، بين توقيت غزة وتوقيت الضفة، بينما توقيت الاستعمار لا يزال قائماً.
في هذا العام، كانت الأقدار تسخر منا جميعاً، وتضيف طبقة جديدة على بلاغة الساعة. إذ استفقت على منبّه هاتفي، وكعادتي بدأت يومي بصوت فيروز وشرب القهوة على شرفتي المطلّة على شارعٍ غير مزدحم إلا في ساعات الذهاب إلى العمل والمدارس. على غير العادة، بدا الشارع مزدحماً. لم أعر الأمر اهتماماً. أكملت قهوتي، رغم أن أصوات السيارات عكّرت مزاجي الصباحي المتقلب. فتحت جهاز الحاسوب، وانتبهت إلى أن هناك فرق ساعةٍ بين توقيت الحاسوب وتوقيت الهاتف. في الواقع، اتضح أن شركة الهاتف المحمول قامت بتأخير الساعة، باعتبار هذا النهار بداية التوقيت الشتوي. لم تكن الشركة الفلسطينية هي التي قامت بذلك، بل الشركة الإسرائيلية. وبما أن شبكة الاتصالات المحمولة مرتبطة بعضها ببعض، فقد تغيّرت الساعة في هواتف الفلسطينيين من دون أن يكون هناك قرار فلسطيني بذلك.
أيّ كثافةٍ رمزيّة في علاقتنا بالساعة، من سلطة الشعب إلى سلطة التواطؤ، إلى سلطة الانقسام، وأخيراً سلطة رأس المال.. أما أنا فسأكتفي بنسخة غير أصيلة من لوحتي المفضلة للسوريالي سلفارور دالي، "الساعة الذائبة"، أو ما أسماه هو بـ"ديمومة الذاكرة".