| 

في نصّه المعنون "كيف يمكن القول إن الثوار انتصروا؟"، يقول المفكّر والمناضل العالم-ثالثي المناهض للاستعمار إقبال أحمد إن المهمة المركزية للثوار والثورة ليست عملية القتال الفعال أو الانتصار العسكري على الدولة الاستعمارية، بل خلق إدارة بديلة للسلطة الاستعمارية. إن عملية بناء الإدارة البديلة تتطلب إسقاط مجمل آليات السيطرة التي تقوم بها الإدارة الاستعمارية، وإقامة سلطة جديدة لإدارة المجتمع المستعمر، وإعادة تصويب مساره باتجاه عملية مقاومة ممنجهة تسلب الشرعية من سلطة الاستعمار أو تفقده قدرة السيطرة على المستعمرين وضبطهم.
ما يقوله أحمد، في الواقع، هو جوهر ما قامت عليه الانتفاضة الفلسطينية الكبرى في ثمانينيات القرن الماضي. من الصعب على المؤرخ أو الباحث الأنثربولوجي تحديد نقطة القطع التي ساهمت في عملية الانتقال من قبول الواقع الاستعماري إلى رفضه وتجاوزه أو بناء سلطة بديلة، كما يشير أحمد.. إلا أن دارسي المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال يؤشرون إلى مجموعة من التحولات الاجتماعية - السياسية التي عملت على تشكيل واقعٍ ساهم في عملية الانفكاك من هيمنة السلطة الاستعمارية.

ثلاثة مشاريع سلطة

يشير الباحث جميل هلال في عديد كتبه إلى أنه، بعد احتلال الضفّة الغربية وقطاع غزّة، تصارع في الأراضي المحتلة (تحديداً الضفّة) ثلاثة مشاريع سياسية. أولها، سلطة دولة الاحتلال التي اعتمدت على القهر العنيف وصناعة مجموعات اجتماعية منتفعة من وجودها عبر بناء شبكة اقتصادية اعتمادية تعمل على تدمير الاقتصاد المحلي، ولكنها تبني فرصا لمجموعة منتفعة على أمل إعطاء شرعية ضمنية (قبول مضمر) للواقع الاستعماري.
أما ثاني المشاريع السياسية فتجسّده الدولة الأردنية التي أدارت الضفّة منذ العام 1948 وحتى الاحتلال. وقد اعتمد الأردن على شبكة من القيادات التقليدية، واجهات عائلية ومخاتير، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من موظفي الإدارة البيروقراطية، فاستمرت بتوفير رواتبهم بعد الاحتلال.
المشروع الثالث هو "منظمة التحرير الفلسطينية"، وقد اعتمد على دورها الرمزيّ ومجموعات متفرقة من الناشطين والمثقفين المنتمين إلى تنظيماتها والمتعاطفين معها، وحتى التشكيلات السياسة كالجبهة الوطنية داخل الأراضي المحتلة، التي كانت قد بدأت تظهر ولم تعمل طرح مشروعٍ مغاير، واستقت شرعتها من "المنظمة" (أو، هي عزّزت شرعية "المنظمة"، طوعياً).
في ظل الصراع بين المشاريع الثلاثة، كانت هناك نقطة قطعٍ واضحة للعيان تؤشر على أن فصائل العمل الوطني انتصرت على المشروعين. هذه النقطة هي الانتخابات البلدية في العام 1976 التي راهن فيها الاحتلال على فوز مرشحي العشائر والموالين له أو للأردن، ففازت الحركة الوطنية وممثلوها (لم تشارك المخيمات في الانتخابات البلدية، ويمكن الادعاء بأن المواجهة مع الاحتلال أخذت شكلاً شبه يومي في المخيمات منذ أواخر السبعينيات).

تقليديون بلا سلطة

التحوّل المذكور في التجمعات المدنية، جعل الاحتلال يعيد بناء استراتجيته في السيطرة، ناهلاً من الفهم الاستشراقيّ في تعزيز القيادات التقليدية (كما يوضح تيد سويدنبرغ)، وساعياً إلى إرساء شرخٍ اجتماعيّ بين مدنٍ ومخيمات من ناحية، والقرى في الناحية الأخرى. إذ بدأ الاحتلال في تلك السنوات ببناء ما سمي "روابط القرى"، التي يصفها الباحث سليم تماري بحجر زاوية لبناء "سلطة اصلانية" داعمة للاحتلال، في مواجهة فصائل "منظمة التحرير".
إن عملية بناء السلطة الأصلانية المعتمدة على القوى التقليدية في المجتمع، كانت تسير سيرا متوازيا مع العمليات العميقة الجارية على المستوى الاجتماعي الجارية، ولكن بشكل معاكس ضمن السياق ذاته. إذ كانت دولة الاحتلال، بإيديولوجيتها الاستيطانية القائمة على السيطرة على أكبر مساحة من الأرض، تنفّذ عملية الدمج الاقتصادي، عبر تحويل سريع لأغلبية أهل الضفّة الغربية من فلاحين إلى عمّال مأجورين. ما أضعف المكانة الاجتماعية التي امتلكتها القيادات التقليدية والمحافظة عبر امتلاكها للأرض. وبالتالي، أضعف الاحتلال ودمجه الاقتصادي دورها في التأثير على بقية أجزاء المجتمع، حتى الفلاحيّ منه.
أما العامل الآخر الذي يشير إليه الباحثون في هذا السياق فهو التعليم، حيث إن زيادة التعليم في الأراضي المحتلّة خلق رساميل جديدة زعزعت السلطة التقليدية في العائلة والمجتمع ككل.

صناعة الذوات الثورية المثقفة

في الواقع الاجتماعيّ – السياسي آنذاك، كانت فصائل العمل الوطني تقوم بعملية البناء البديلة للسلطة الاستعمارية. وهنا، لا بد من التوضيح أن عملية البناء كانت تعتمد على نموذجين: أولهما، تغذية الذات الوطنية المغايرة للذات التي أرادها الاحتلال. وبينما كان الاحتلال يؤسّس لذاتٍ فردية غير آبهة بمجتمعها ووطنها، وخاضعة لسلطته، كانت الفصائل الوطنية تعمل على نشر منظومة قيمية تعاونية معطاءة لا ترى تقدّمها الفرديّ إلا من خلال التحرّر الجماعي، معزّزة روح التضحية من أجل مستقبلٍ أفضل للمجتمع ككلّ. أما النموذج الثاني الذي اعتمدته الفصائل في البناء المجتمعي، كما توضح الباحثة ليزا تراكي، فقد قام على تأسيس شبكة كاملة من المنظمات والاتحادات النقابية والاجتماعية، من نقابات العمال والنقابات المهنية إلى اتحادات المرأة والفلاحين والطلبة، موازية للمنظمات الحزبية. وقد أطلق عليها اسم المنظمات الجماهيرية أو المنظمات الديموقراطية، وهي كانت، على عكس المنظمات الحزبية الصارمة في اختيار أعضائها، مفتوحة للجميع من الموالين والناشطين. وكان هدفها نشر القيم الوطنية، والروح الطوعية، وتقديم خدمات أولية للمجتمع.
هنا، لا بد من التذكير بأن الدور الأهم في مرحلة السبعينيات أدّاه الشيوعيون، لجهة بناء تشكيلات مثل لجان العمل التطوعي والنقابات، التي فتحت عيون ناشطي فصائل "منظمة التحرير" على تبنّي النفس ذاته في بداية الثمانينيات.
في تلك اللحظات، كانت الثقافة السياسية مرتكزةً إلى حدّ بعيد على تعزيز القيم الوطنية والسياسية. وهنا، كانت الرموز الوطنية والثقافة أعضاء مركزيين في عملية إسقاط السلطة الاستعمارية رمزياً، واستبدالها بسلطة شعبية، تبقى رمزيّةً وان يجسّدها التنظيم الاجتماعي. فالرموز الوطنية كانت أدوات مركزية في إعادة تشكيل الذوات الوطنية الفاعلة، حيث للعلم الفلسطيني الذي يعلق ليلاً على أعمدة الكهرباء مركزيةٌ رمزيّة في إعلان منطقة ما كـ"محرّرة" من الاحتلال. أما المنتجات الثقافية كالاغنية والشعر الوطني والسياسي فقد ساهمت في صناعة هذه الذوات، بحيث أصبحت الذائقة ذات التوجّه الوطنيّ هي عنصر تمييز إيجابي للناشط عن غيره. حتى القراءة كجهد تثقيفي أدّت هذا الدور التمييزي، ولم تكن تمسّ فقط المنشورات السياسية، بل الأدب أيضاً. فقد كانت إحدى أدوات صناعة الثوري-المثقف.

لحظة انتصار مشروع

ما حصل في الانتفاضة الشعبية الكبرى هو أن تحوّلات سياق سياسي - اجتماعي تزامنت مع صيرورة من عمليات بناء الذات والمجتمع، كسلطة بديلة لسطلة الاحتلال. هذه السلطة البديلة حلّت بمثابة إعلان انتصار، من خلال إفقادها الاحتلال قدرته على السيطرة إلا من خلال أدوات العنف الماديّ أو القوة الخشنة، بحسب تعبير أنطونيو غرامشي.
ففي الانتفاضة الأولى، ظهرت مرحلة الانتصار السياسي على الأرض. وقد أتى قرار فكّ الارتباط الإداري الذي اتخذه الأردن مؤشراً على انتصار "منظمة التحرير" في فرض مشروعها، وانهيار منظومة السلطة التقليدية واختفائها تماماً (إن قتل مختار قرية قباطية حلّ كلحظة رمزية في تحطيم البنية التقليدية التي رعاها الاحتلال)، وتفكيك الإدارة الاستعمارية من خلال فرض الاستقالة على موظفيها، وتعزيز دور جيل "منظمة التحرير" الذي استند إلى التعليم والعمل الوطني كرأسمال في قيادة المجتمع.
إلى ذلك، يمكن للمرء أن يضيف في سياق الانتصار المشروعيّ على الاحتلال، المحاولات الجادّة في بناء الاقتصاد البديل، من تعاونيات ومشاريع زراعية وصناعية صغيرة تخفّف من سيطرة منظومة الاقتصاد الاستعماري. وكذلك، تحضر المحاولات الجادّة لتأسيس بناءٍ تربويّ جديد، من خلال التعليم الشعبيّ واللجان الشعبية التي أمّنته وأدارت الحياة اليومية في الأراضي المحتلة، خلال الانتفاضة الشعبية الأولى.

(*) النص جزء من ورقة موسّعة يعمل عليها د. علاء العزّة باللغة الإنكليزية، تشمل المراجع المستخدمة كلها