| 

جلس الحضور ينتظرون دخول صاحب الكوفية. كان المسرح ممتلئاً عن بكرة أبيه. للرجل، برمزيته وحضوره وصوته وتاريخه، حكاية بدأت مع انطلاق ثورة الكفاح المسلح، وازداد الغرام بها يوم بدأت الانتفاضة. لحظات قليلة كان المسرح خلالها يهدأ حيناً ويستسلم للوتوتات أحياناً، ثم يدخل، ومن ورائه فرقة لامست قلوب الثائرين على مدار الثورة الفلسطينية. ولما أطّل على وقع "توتة الدار"، انقلب المسرح بركانا، وبدأ الجميع يغنون مع الراحل أبو عرب "هدي يا بحر هدي".

حكاية الغرام مع أبو عرب من جهة و"فرقة العاشقين" و"ترشحيا" وغيرها من الفرق الفلسطينية من جهة أخرى، بدأت بشكلٍ حقيقيّ مع اندلاع الانتفاضة الثانية في العام ١٩٨٧. لكنها لم تتوقف إطلاقا بل استمرت مع حناجر احمد قعبور وجوليا بطرس وسميح شقير، ثم واصلت مع صوت أبو نسرين وكاميليا جبران وثائر البرغوثي ووليد عبد السلام، وغيرهم من الأصوات ذات الأغاني التي عاشت معنا على مدار سنوات الانتفاضة، وكانت بمثابة البطارية التي كلما نفدت طاقتها، أعيد شحنها مجدداً، لتشحن بدورها طاقات المنتفضين، وهو أمر "لم يعد واقعياً في الزمن الحالي".

"شدّي انتفاضة شدّي"

ثائر البرغوثي، فنان وملحن فلسطيني عايش الانتفاضة، وهو من صنّاع الفن الملتزم. أصدر خلالها ألبوماً لاقى رواجاً كبيراً، ويشرح لـ"السفير" أن "الاغنية الوطنية كانت محركاً، ومحرضا بشكل تعبوي لمقاومة الفلسطينيين للاحتلال، وكان لها دور في توحيد جهود المنتفضين لمقاومة المحتلّ، وكانت الأغاني تتحول دوماً إلى هتافات في التظاهرات اليومية.. كانت بمثابة روح الانتنفاضة".
البرغوثي هو صاحب أغنية "شدّي انتفاضة شدّي على الاحتلال / يا نار الثورة لا تهدّي حتى الاستقلال"، وأغنية "من حياتي شرفي أغلى ومن دمي اللي سال، صوت الانتفاضة أعلى من الاحتلال". ويرى أن "العلاقة بين الأغاني والناس متبادلة، إذ كنا نستمد المعاني من الناس لشحذ هممهم في العمل النضالي. وكانت الأغنية الشرارة والمحرك لرفع معنويات الناس خلال الفعاليات الشعبية الوطنية". وهو يرى أن "هناك اغاني كثيرة تركت بصمة خلال الانتفاضة، كأغاني فرقة الفنون الشعبية، لكن لا يمكن أن ننسى الفنان أبو عرب وبصماته الثورية، ولا فرقة "صابرين"، ولا أعمال أحمد قعبور، وجوليا بطرس، وسميح شقير، ومرسال خليفة، التي كانت تساند حالة الغليان، والمقاومة".

أبو نسرين: يويا

من عاشروا الانتفاضة الأولى لا يمكن أن ينسوا الأغنية التي عبّرت عن العفوية التي امتازت بها تلك الانتفاضة: يا ولاد حارتنا، نصبوا طارتنا، طارتنا تطير، طير العصافير... ممنوع تشكي، يويا.. وممنوع تحكي، يويا.. طب نسكت ليش، يويا.. لقمة العيش، يويا.. يلعن أبوها، يويا.. علّي جابوها، يويا.. ليش السكوت، يويا.. ما كلو موت، يويا..
"كنتُ أشعر بالانتفاضة، وأنا أغنّي بين الناس والمنتفضين وضاربي الحجارة والمقلاع وكل مواطن حاضر في الشارع"، يقول صاحب الأغنية، الملقّب بأبي نسرين، وكان من أبرز مغني الانتفاضة الفلسطينية الاولى.
محمد أبو هلال، أو أبو نسرين، يقارب اليوم الستين من العمر، وقد أمضى ما يزيد عن أربعين عاماً في الغربة. يؤكد لـ"السفير" أن الانتفاضة الأولى كانت من "الثورات الفلسطينية الموضوعية، والأغنية الوطنية كان لها دور في تعبئة الشارع في ذلك الوقت. وكان لها دور في تجسيد الروح الوطنية وعنوان وصمود الشارع".
عاد أبو نسرين إلى فلسطين، وواصل تقديم الأغاني الوطنية الملتزمة، لكنه بدا حزيناً على حال الأغنية الوطنية التي يعتبر أنها تراجعت في الزمن الحالي، والتي "ساهم الإعلام الثوري وقت الانتفاضة في تعزيزها"، على عكس الواقع اليوم: "فلا وجود بشكل كبير للأغنية الوطنية للأسف بعد مرور الوقت، ولم يعد لها قيمة".
لما يتذكر، يجد أبو نسرين أن أغنيته "يويا" أخذت صدى في الشارع وأثّرت على الفلسطينيين خلال الانتفاضة الأولى، "أغنيتي كانت بمثابة الروح للانتفاضة التي كانت تلقائية شعبية، وبالتالي أثّرت الأغنية على الانتفاضة واستمرارها".
من جهته، يرى وليد عبد السلام، صاحب اغنية "نزلنا على الشوارع" التي انتشرت بقوة في الانتفاضة الأولى بين الفلسطينيين، أن الاغاني "كانت وسيلة نضال، ولم تكن فقط كلمات وألحانا". تقول أغنية عبد السلام: "نزلنا ع الشوارع رفعنا الرايات، غنينا لبلاد أحلى الأغنيات، أغاني للحرية، الوحدة الوطنية، والحرب الشعبية، طريق الانتصارات". وهو يجد أنها "كانت تعبر عن حالة الغضب الجماهيري، والعمل الشعبي في الشارع بشكل يومي، وهي جاءت نتاجاً للهمّ العام وشكلا من اشكال النضال وأدّت دوراً في الانتفاضة الاولى".

المزاج العام بين انتفاضتين

يشرح الفنان الفلسطيني محمود عوض أن الانتفاضة الفلسطينية، رغم عفويتها، "كانت شمولية، وطالت كل القطاعات، بما فيها قطاع الفن والأغاني. الفن الفلسطيني والعربي انتفض هو الاخر بشكل سريع ومذهل ليتجاوب مع أحداث الإنتفاضة وتفاعلاتها". يشير إلى أن ما شهدته ساحة الغناء الملتزم خلال الانتفاضة هو "انتفاضة إنتاج أغان داخلية وأخرى خارجية نتج عنها أغان أثرت جداً في الفلسطينيين، مثل "وين الملايين" و"فلسطينيين"، لجوليا بطرس.. و"اناديكم" و"نبض الضفة" لأحمد قعبور، وكذلك ألبوم "موت النبي" لفرقة صابرين، و"انهض للثورة" و"نشيد الانتفاضة" لمرسال".
يرى عوض أن حال الأغنية في الانتفاضة كان منسجماً مع الواقع: "فالأغنية كانت وسيلة مقاومة مساندة، وتميزت بالبساطة في الكلمات، والسرعة في الانتاج، والبساطة في اللحن إلى حدّ ما، كما أنها كانت تتفاعل مع الأحداث، وتعكسها، وكانت حقيقية واقعية، وليست مجرد شعارات".
ووفق عوض، فإن الانتاج الفلسطيني للاغاني تعرّض لملاحقة من قبل الاحتلال الذي كان يمنع تداول الأغاني الوطنية أو الكاسيتات، وكانت عقوبة من يبيعها السجن. لكن، وبرأيه، فإن أهم ما ميز الأغنية والإنتاج الفني في الانتفاضة، هو "انسجامها مع البوصلة العربية الفلسطينية الشعبية التي تهدف إلى تحرير فلسطين، وهذا بدوره أثّر على الانتاج ايجاباً، والتجاوب من قبل الجمهور بشكل كبير".
وفق عوض، فإن الانتفاضات التي تلت 87، صغيرة أو كبيرة، لم تحظَ بذات الزخم من الانتاج ولا التأثير: "فالانتفاضة خلقت نظاماً اجتماعياً جديداً يحكمه العمل الوطني، انعكس أيضاً على الفنانين الذين انهمكوا في إنتاج أغان تدعم المزاج العام.. على عكس الواقع اليوم، وعكس الواقع في الانتفاضة الثانية، حيث كان المزاج العربي لا ينجسم مع المزاج الفلسطيني الذي كان يعاني انقساماً بين القيادة والشعب، ما خلق في النهاية حالة محزنة ومؤلمة بانتاج أغاني مجاملة للحالة وليست داعمة لها ولا مؤثرة في الجمهور".