| 

تشبه الهبّة الجماهيرية المقدسية، التي احتدّت خلال الفترة الممتدة من تموز/يوليو حتى تشرين الأول/أكتوبر، الانتفاضة الفلسطينية الأولى إلى حدٍّ كبير، ولكن ليس تماماً. إذ أن وسائل التكنولوجيا الحديثة كانت حاضرة في الكثير من تفاصيل الهبّة الراهنة، وردود الاحتلال الإسرائيلي عليها.

يجد هذا التشبيه مكاناً له على أرض الواقع: خروج الشبّان إلى الشوارع ملثّمين، إغلاق هذه الشوارع بحاويات القمامة الكبيرة، رشق قوات الاحتلال بالحجارة والزجاجات الفارغة والحارقة، ... كلها مظاهر اعتاد عليها الفلسطينيون في مدينة القدس لسنواتٍ في إطار استذكار ما يطلقون عليه اسم: "انتفاضة الحجارة".
غير أن سنوات طويلة مرّت منذ ذلك الحين. وخلالها، استُحدثت أدوات جديدة للانتفاضة فلسطينياً، وأدوات جديدة لقمعها إسرائيلياً.

جدرانٌ جديدة افتراضية

شعارات الجدران، التي كانت جزءاً لا يتجزأ من الإنتفاضة الأولى، غابت. استبدلت بالتعليقات على جدران صفحات "فايسبوك". وبيانات الانتفاضة الطويلة نسبياً، استبدلت بتغريداتٍ قصيرة على شبكة "تويتر". أما صور المواجهات التي كان يتوق الفلسطينيون لمتابعتها على شاشات التلفاز فقد باتت متاحة على صفحات "يوتيوب".
تحوّل الكثير من الشابات والشبان الفلسطينيين بأجهزتهم الخلوية الذكية إلى صحافيين متنقلين، يصوّرون المواجهات ويبثونها مباشرة على صفحاتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، ويعتبرون ذلك جزءاً من الهبّة الجماهيرية.
لم يصدر ولو بيان واحد للقيادة الموحدة للانتفاضة، التي كان الفلسطينيون ينتظرون، بصبرٍ كبير، الاستماع إلى توجيهاتها عبر إذاعة "مونتي كارلو"، أو بنسختها الورقية التي كان يوزعها ملثمون في ساعات الليل.
في المقابل، برزت قيادات شبابية على شبكات التواصل الاجتماعي، أحياناً بأسماء مستعارة وأحياناً بأسماء صريحة، توجّه الشارع إلى مواقع الاشتباك مع الاحتلال أو تنقل الرواية الفلسطينية لأحداث ميدانية. لقطات الفيديو القصيرة على "يوتيوب" أو الصور على "انستغرام" لعمليات قمع شابات وشبان فلسطينيين، كانت كفيلة في كلّ مرة بتحريك الشارع من جديد.

أدواتٌ جديدة!

كان لاختراعاتٍ جديدة نصيبٌ في أدوات الفعل الجديدة بين أيدي الفلسطينيين.. فانضمت المفرقعات النارية إلى الحجارة والزجاجات الحارقة والفارغة، ما دفع بالحكومة الإسرائيلية إلى إلغاء استيراد هذه المفرقعات وبيعها لمدة 6 أشهر قابلة للتجديد.
وكما كانت الحال في الانتفاضة الأولى، فقد كان للسيارات والحافلات والجرافات نصيب في أدوات الفعل تماماً كالسكاكين. فأوقعت من الإسرائيليين ما يوازي تقريباً عدد الفلسطينيين الذين سقطوا شهداء برصاص الشرطة الإسرائيلية، خلال هبّة القدس.
ولكن، لم تكن الانتفاضة وحدها صاحبة النصيب في التكنولوجيا الحديثة، إذ وجدت أدوات قمعها نصيباً فيها أيضاً. فالشرطة الإسرائيلية لجأت هذه المرة مثلاً، لاستخدام بالونات المراقبة لمتابعة تحرّكات ملقي الحجارة.
وتقوم تقنية "بالونات المراقبة" على إطلاق بالون تثبت عليه كاميرات حديثة، في مناطق المواجهات. وتبث صورها على شاشات في خيم تعتبر مراكز توجيه لعناصر الشرطة الإسرائيلية إلى مناطق تواجد ملقي الحجارة.

عمليات فردية

منذ بدء الهبّة الجماهيرية في القدس، نفّذ مقدسيون 7 هجمات كانت بطبيعتها مشابهة لتلك التي وقعت في الانتفاضة الأولى. وقد شملت عمليات طعن بسكاكين، وإطلاق نار من مسدسات، ودهس بسيارات وجرافات، وقد خلت من العمليات الانتحارية التي ميّزت الانتفاضة الثانية.
وفي استذكار للأسابيع الماضية، تحضر العمليات: معتز حجازي، من حيّ الثوري، أطلق النار على عرّاب اقتحامات المسجد الأقصى الحاخام يهودا غليك. ونفذ الشهيدان عديّ وغسان أبو جمل، من حيّ جبل المكبر، وإبراهيم ابو سنينه، من بلدة العيزارية، عمليات طعن. كذلك، نفّذ محمد جعابيص، من جبل المكبر، عملية دهس بجرافة، وعبد الرحمن أبو سنينه، من بلدة سلوان، وإبراهيم عكاري، من مخيم شعفاط، عمليات دهس بسيارات، بالإضافة إلى شخص مجهول نفذ عملية طعن في منطقة باب العامود، والعمليات مستمرة.
ولعلّ المشترك في جميع هذه العمليات هو أنها كانت فردية، ما شكّل قلقاً كبيراً لقوّات الاحتلال الإسرائيلي التي وجدت نفسها في مأزق بسبب عدم قدرتها على التنبؤ المسبق بهذه العمليات.
وفي هذا الشأن، أقرّ حاتم عبد القادر، وهو مسؤول ملف القدس في حركة "فتح" أن "ما يجري هي ردود فعل ميدانية من عناصر وشباب من التنظيمات غاضبين على الممارسات والجرائم الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في المدينة، ولكن لا يوجد قرار مركزي بانتفاضة". وأضاف: "السكان غاضبون، وهناك احتقان بلغ ذروته مع تصعيد الاحتلال لجرائمه واستفزازاته ضد كل المواطنين في المدينة وعلى كل الأصعدة".

لحظة الانطلاق.. والأيقونتان

انطلقت الهبة الجماهيرية في مدينة القدس صباح الثاني من تموز/يوليو 2014 بعد إقدام 3 مستوطنين على اختطاف ثم إحراق الفتى محمد أبو خضير، حيّاً.
يقول والده حسين أبو خضير لـ"السفير": "محمد فتى خلوق، كان عمره 16 عاماً، مجتهد في المدرسة، كان يحب المزاح ويساعد الناس. وفي بداية رمضان، شارك في إنارة شوارع شعفاط ابتهاجاً بقدوم الشهر. وكان في فرقة دبكة تشارك في الأعراس ومهرجانات المدارس. كان يحب الناس، ويساعدني في المحل التجاري. لا أحد يعرف محمد إلا بكى عليه".
أيقونتا الهبّة الجماهيرية في القدس كانا المحمدين: الفتى محمد أبو خضير الذي يطلق عليه المقدسيون لقب "شهيد الفجر" في إشارة إلى اختطافه من قبل 3 مستوطنين لدى توجهه لأداء صلاة الفجر في مسجد قريب من منزله في بلدة شعفاط، شمالي القدس، قبل قتله. أما ثاني المحمدين فهو الفتى محمد سنقرط الذي يطلق عليه المقدسيون لقب "شهيد العشاء"، فقد أطلق أفراد الشرطة الإسرائيلية النار عليه وهو في طريقه من منزله إلى مسجد حيّ وادي الجوز لأداء صلاة العشاء، ما أدّى إلى إصابته بموتٍ سريريّ ليعلن عن استشهاده بعد عدّة أيام من إصابته.

الأسباب ذاتها.. زائد "السلطة"

لا تختلف دوافع الهبّة الجماهيرية الراهنة في القدس عن تلك التي حرّكت الشارع المقدسيّ خلال الانتفاضة الأولى، غير أن العنصر الجديد قد يتمثّل في المخططات الإسرائيلية بتقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً بين المسلمين واليهود، وما رافق ذلك من إجراءات حدّت دخول المصلين إلى المسجد.
ويقول الشيخ محمد حسين، مفتي القدس والديار الفلسطينية، لـ"السفري": "وضع الناس محتقن لعدّة اعتبارات. ويأتي بالدرجة الأولى منها، منع الناس من الدخول بحرية إلى المسجد الأقصى، مثل تحديد أعمار المسموح لهم بالدخول ومنع النساء من المسجد، ثم اقتحامات جماعات المستوطنين، ومحاولات إقامة طقوس تلمودية.. كل هذا كان له تأثيره".
وأضاف: "إلى ذلك، فهناك ممارسات أخرى لم تتوقف.. هدم بيوت وحواجز على الطرق والملاحقات المواطنين بالضرائب على مختلف أنواعها، والاستفزازات والاعتقالات ومصادرة الأراضي والعقارات وإقامة المستوطنات واعتداءات المستوطنين.. أعتقد أن هذه أجواء تخلق توتراً وتعزّز الكراهية". وتابع الشيخ حسين: "شعبنا لا يرى أفقاً سياسياً نحو حلّ لبداية رحيل هذا الاحتلال وتحقيق أماني وتطلعات الشعب الفلسطيني بالحرية والاستقلال والدولة والعودة.. كل هذا غائب واعتقد أنه في حال وجود مسار سياسي واضح فهو قادر على أن يقود المنطقة إلى الهدوء المنشود".
يتفق زكريا القاق، أستاذ الأمن القومي في "جامعة القدس"، مع الشيخ حسين في ما ذهب إليه بشأن الأسباب التي فجرت غضب المقدسيين، غير أنه يضيف إليها غضب الفلسطينيين على السلطة الفلسطينية التي لم تكن قائمة في أثناء الانتفاضة الأولى. وشرح القاق لـ"السفير": "هناك غضب على السلطة الفلسطينية التي يتهمها المقدسيون بالتقصير. فالسلطة الفلسطينية ناشطة بإصدار البيانات والحديث عن القدس باعتبارها عاصمة الدولة المستقبلية، من دون أن تقدم لهذه العاصمة ما تستحقه، خاصةً إذا علمنا أن موازنة القدس في ميزانية السلطة الفلسطينية تعادل ميزانية مدينة سلفيت في الضفة الغربية".

المدينة تقاتل وحدها

بالانتفاضة الأولى، شارك جميع الفلسطينيين. من قطاع غزة إلى الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية. أما اليوم فإن المواطنين في مدينة القدس يجدون أنفسهم هذه المرة يقاتلون وحدهم.
وجد ذلك تعبيراً له في هتافات أطلقت في مسيرات نظّمت في الشوارع الرئيسة في مدينة القدس، مثل البلدة القديمة وشارعي صلاح الدين والزهراء، فكان أبرزها: "من شان الله / يا ضفّة يلا"، في دعوة للضفّة الغربية لكي تنضمّ إلى هذه الهبة لتحويلها إلى انتفاضة تعمّ الضفّة الغربية بأكملها.
ويقول القاق: "اقتصرت مساهمة السلطة الفلسطينية على إصدار تصاريح الإدانة للممارسات الإسرائيلية، وبالتالي، فإن عملها اقتصر على البيانات. هذا ليس ما كان يأمله السكان في القدس منها، ولذا يشعرون بأنهم وحيدين في معركتهم. فلا القريب في الأراضي الفلسطينية معهم، ولا البعيد على صعيد الدول العربية والإسلامية. حتى لم تخرج مسيرات منددة، على الرغم من أن الحديث عن المسجد الأقصى، وهو جزء من عقيدة المسلمين في كل العالم".

إسرائيل تكرّر الماضي

لإيقاف الهبة الجماهيرية في القدس، لجأ الاحتلال الإسرائيلي إلى الممارسات ذاتها التي استخدمها في الانتفاضة الأولى. فقد نفذت قوات الاحتلال الإسرائيلي عمليات اعتقال غير مسبوقة في مدينة القدس، يقول مدير "نادي الأسير الفلسطيني" في مدينة القدس ناصر قوس لـ"السفير" إنها "طالت ما يزيد عن 1200 فلسطيني منذ شهر تموز/يوليو الماضي". وأضاف قوس: "المئات ممن تم اعتقالهم قاصرون تقل أعمارهم عن 18 عاماً".
وفي هذا الصدد، أقرّ الكنيست الإسرائيلي بالقراءة الأولى قراراً بتغليظ العقاب ضد راشقي الحجارة، ليرفع عقوباتها إلى السجن لمدة تتراوح ما بين 5-20 عاماً، مع فرض غرامات باهظة على أولياء أمور راشقي الحجارة".

القدس المقسّمة

رأى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الهبّة الجماهيرية في مدينة القدس تحدّ كبير لحكومته خاصة، معتبراً أن رحاها تدور في قلب المدينة التي يصفها بأنها "عاصمة إسرائيل". ولذلك، فقد أعلن في أكثر من مناسبة عزمه على "الانتصار". غير أن ردود الحكومة الإسرائيلية على هذه الهبّة كرّست القدس كمدينة مقسّمة.
إن انتشار ما يزيد عن 2500 من عناصر الشرطة وقوات حرس الحدود الإسرائيلي في شوارع القدس الشرقية، ليل نهار، بالتزامن مع وضع المكعبات الإسمنتية على مداخل الأحياء الفلسطينية، وعزل بعضها بالحواجز الشرطية، وامتناع الإسرائيليين عن دخول القدس الشرقية خشية تعرّضهم للرشق بالحجارة.. أكّد مجدّداً على أن المدينة محتلّة، وهي الرسالة ذاتها التي حرص الفلسطينيون على نقلها للعالم في الانتفاضة الأولى.