| 

فوجئ كثير من المراقبين مع اندلاع الأحداث التي فجرت الانتفاضة في 9 كانون الأول عام 1987 بصور المرأة الفلسطينية كمشاركة وبقوة في الأحداث. (..) لم يكن الدور السياسي المباشر الذي قامت به المرأة جديداً عليها خاصة في حالات المدّ الوطني. ولكن ما كان جديداً قد يكون حجم هذا الدور وتنوع أشكاله، حيث ظهرت النساء في شوارع المدن والقرى والمخيمات، وشاركت في الأحداث من كل الخلفيات الاجتماعية والفئات العمرية، ألقين الحجارة على جنود الاحتلال، وأقمن الحواجز على الطرق ورفعن الأعلام الفلسطينية، وحرقن الإطارات، كما حمين بأجسادهن المتظاهرين من الاعتقال. وقد تصعدت وتكاثفت تلك الأنشطة بين النساء في الأحياء الفقيرة في المدن كذلك في القرى والمخيمات.
وبالرغم من بعض المواجهات العنيفة، وكما دور النساء بشكل عام يتمحور حول أشكال مقاومة سلمية، نظّمت عدد من النساء تظاهرات احتجاجية من دون إلقاء حجارة على الجيش لتجنب المواجهات الدموية، علما أن ذلك لم ينجح دائماً. مع اتساع حجم مقاومة الشعب، صعدت قوات الاحتلال من قمعها سواء بزيادة عدد القتلى والجرحى وإغلاق المدارس في الضفة الغربية في شباط 1988 ملقية بثلاثمئة ألف طفل في الشوارع. وبادرت النساء إلى تنظيم صفوف منزلية لكثير من الأطفال، وساهمن بقوة في تشكيل لجان شعبية لهذا الغرض. كذلك، عندما تم عزل المدن الرئيسية بعضها عن بعض، وعزل القرى عن المدن، تم إطلاق شعار الاعتماد على الذات، وهو ما استلزم العودة لاستخدام طرق قديمة لتخزين الأطعمة وزراعة الأرض قامت بها أساساً النساء. ونشط الآلاف من النساء في حملات مقاطعة للبضائع الإسرائيلية ومراقبة عدم استهلاكها.
ومع زيادة عدد الجرحى والشهداء، تم إدخال برامج تقدم تأمينا صحياً لزوجات الشهداء وتبني أبنائهم، بالإضافة للزيارات التضامنية اليومية مع العائلات المتضررة. وأسهم ذلك في تطوير برامج عمل جديدة من قبل الحركة النسوية بمشاركة واسعة من النساء.
مع تنامي دور النساء وتنوعه واتساعه، ظهرت مؤشرات متناقضة قد يفسرها البعض لصالح نمو وتطور الحركة النسوية، وقد يفسرها البعض الآخر كعوامل تأخر وضرب للدور السياسي الجماهيري الذي أدته المرأة الفلسطينية في الانتفاضة. وللوصول إلى حكم قد يكون من المهم استعراض العوامل التي سواء اعتبرت مكسب أو خسارة قد أدت إلى تراجع مستمر في قلب الحركة النسوية وفي الدور السياسي للنساء.

الحزب الأم وإطاره النسوي

توحّدت الأطر النسوية في بداية الانتفاضة في الهيكلية التنظيمية والبرامج والأنشطة، بقوة، مع أحزابها السياسية. حيث سعى الطرفان طويلاً للوصول إلى تحقيق الهدف في تعبئة الجماهير وتحريضها للنزول للشارع ومقاومة الاحتلال. فتوجّب وضع برامج وأنشطة تعمل على تنظيم مقاومة الجماهير اليومية وتوجيه نضالها ودعم المتضررين. لذا، "اندمجت أفرع الإطار النسوي في المنطقة مع فرع التنظيم الحزبي الذي كان في معظم الحالات مختلطاً ويرأسه رجال، وكان هناك عدد من الشكاوى المستمرة من عدم تقدير هؤلاء الرؤساء للملاحظات التي تبديها النساء أو الاقتراحات التي يحضرنها من الشارع في ما يتعلق بالنساء، وكان التركيز ينص فقط على كم عدد النساء اللواتي تنظمن للحزب". ومرت كل الأطر النسوية تقريباً في المرحلة الأولى من الانتفاضة بالتجربة نفسها، وهي فرض الحزب السياسي ـ أوامر من أعلى ـ البرامج التي يجب اتباعها في الإطار النسوي، وأصبحت المساحة التي كانت تحوز عليها النساء داخل هيئاتها تضيق عند العمل في داخل الخلايا الحزبية المشتركة، مما أدى هذا فيما بعد إلى زيادة حساسية النساء من التوجه الفوقي لقيادة التنظيم الذكورية، وعندما سنحت الفرصة فيما بعد بدأت أشكال واضحة من الصراع تظهر بين الإطار النسوي والحزب الأم.
في الوقت نفسه الذي كانت الأطر تفقد فيه استقلالها السابق ـ على مستوى البرامج والأنشطة -، كان دورها يتوسع بين الجماهير، نظراً للاحتياج له، خاصةً في مجال تقديم خدمات سريعة ورعاية المتضررين. حيث أجمعت معظم الأطر على أن عام 1988 كان عام الذروة في قبول عضوية النساء، يليه عام 1989، وذلك منذ بداية العمل النسوي تحت الاحتلال. وترافق ذلك مع زيادة الدعم المالي الخارجي سواء من المنظمة أم من منظمات متضامنة مع الشعب الفلسطيني. وأدّت زيادة المصادر المالية إلى تفريغ كثير من الكوادر للعمل بأجر بدلاً من العمل التطوعي كالسابق في عدد من المشاريع التي بدأت تظهر لتقوية شعار الاعتماد على النفس، ومقاطعة البضائع الإسرائيلية التي لها بديل وطني. وتم الانغماس في عدد من المشاريع "التنموية" من دون خبرة مسبقة، حيث أديرت من قبل كوادر تكمن كفاءتها الأساسية في الولاء للتنظيم ومناصرته. أدّى ذلك إلى تحوّل عدد كبير من المناصرين إلى موظفين، وتحوّل العلاقة التنظيمية الطوعية إلى علاقة موظفين بصاحب عمل مع ميزانيات ضخمة مقارنة بالميزانيات السابقة، وزيادة الاعتماد على مصادر التمويل الخارجية.
كان لهذا التحول آثار سلبية على هياكل الأطر التنظيمية، إذ أصبحت النساء تنظر للإطار كمصدر للعمل والدخل ـ كن فعلاً بحاجة إليه. وعندما بدأت المصادر المالية تجفّ، ترك عدد من تلك الكوادر أطرهن التنظيمية وذهبن ببساطة للبحث عن عمل آخر. وشكّل انسحاب الكوادر الوسيطة فجوة بين قيادة الإطار وقاعدته التي كانت الكوادر الوسيطة هي حلقة الوصل بينهما. "وأصبح المكتب التنفيذي للإطار كرأس بدون جسد". ما أدى إلى زيادة التدخل من قبل التنظيم في شؤون الإطار النسوي خاصة بهدف التحكم في الأموال التي تصل للإطار النسوي من الخارج، أو من تنظيمات دولية ممولة، ووصل الأمر في بعض الأحيان لاستخدام هذه الأموال بقرارات فردية حتى من دون التشاور مع الإطار النسوي. وفي حالات أخرى، كان الحزب يفرض على الإطار الاستمرار في نشاطات كانت تفرضها ظروف معينة سادت في بداية الانتفاضة، ولم يعد لها وجود في ما بعد، مثل استمرارية النفخ في اللجان الشعبية حتى بعد توقفها واختفائها عن العمل.
وقد تعزّز الشعور بهيمنة الأحزاب السياسية في أوساط الحركة النسائية، حيث جذبت الانتفاضة كثيراً من الكوادر النسوية المحلية المستقلة التي لها خبرات بحثية ونظرية بالإضافة لصلاتها بمؤسسات تضامن دولية التي دمجتها مع الخبرة التنظيمية والسياسية الطويلة للكوادر النسوية السياسية. أضف إلى ذلك، الاحتكاك مع عدد من مجموعات التضامن النسوية التي جاءت من أطراف مختلفة في العالم لتعبر عن تضامنها مع نضال الشعب الفلسطيني ونضال نسائه للتخلص من الاحتلال. إذ أثارت تلك الوفود تساؤلات عن علاقة البرنامج النسوي ببرامج الحركة الوطنية وكيفية تأثيره عليها. وأسهمت تلك التساؤلات بعصف فكري في بعض أوساط الحركة النسوية تأثر بفكر التيارات النسوية المختلفة في العالم.
ومن العوامل الأخرى التي أسهمت في توتر العلاقة بين الحزب الأم والإطار النسوي، محاولة الحزب إبعاد الكوادر النسائية عن الواقع القيادية المهمة التي وصلتها أثناء سجن الكوادر القيادية من الرجال. إذ، بعد الإفراج عنهم، عادوا ليحتلوا مواقعهم القديمة من دون الأخذ بعين الاعتبار الكوادر النسائية في قيادة التنظيم بأكمله ولفترات ليست قصيرة.
وقد زاد من التوتر بين الطرفين ظهور حركة الإسلام السياسي ("حماس") بما تحمله من رؤية أيديولوجية سياسية واجتماعية حول الأدوار التي ينبغي أن تقوم بها النساء في مجتمع مسلم. ما ولّد الشعور بالتهديد لدى الأطر النسوية النشطة، حيث وصل الأمر في بعض الأحيان حدّ استخدام اشكال متنوعة من العنف لتسييس هذه الرؤية، من دون أن تجد تلك الأطر موقفاً مسانداً أو داعماً من أحزابها السياسية أو حتى إعلان موقف مبدئي واضح.
أدّت هذه التغيّرات ببعض الكوادر النسوية النشطة إلى هجر الأحزاب السياسية والدعوة لتشكيل حزب للنساء لرفع مطالبهن عالياً في المجتمع. وتزامنت هذه الدعوة مع تراجع دور الأحزاب السياسية بشكل عام في التعبير عن القضايا السياسية والمجتمعية اليومية لصالح منظمات أخرى، كالمنظمات الحقوقية وأيضاً النسوية المختلفة. طرح هذا الوضع تساؤلاً حول كون الحزب لم يعد الإطار الوحيد القادر على طرح قضية المرأة، أم هناك اشكال أخرى بالإمكان العمل من خلالها وبشكل لا يتعارض بالضرورة مع اعتبار الحزب إطاراً ملائماً لطرح المسألة من خلاله.

حركة الإسلام السياسي وأثرها في المرأة

لا يختلف المجتمع الفلسطيني عن غيره من المجتمعات في العالم بتعرضه لتأثير ظهور حركات سياسية دينية لها رؤية محددة للأسس التي ينبغي أن يقوم عليها المجتمع ككل، والتي بالضرورة تمس المرأة. من بين التطورات المهمة التي أدت إليها الانتفاضة الإعلان عن حركة الإسلام السياسي "حماس" التي تتبنى أسس للعلاقات الاجتماعية والقيم الثقافية عن المرأة التي تتسم بالتقليدية، وتقوم على انتقاء بعض التفسيرات السلفية لبعض الأصول الدينية والتراثية. فالانطلاق من بعض العادات والتقاليد والجوانب المحافظة في الثقافة السائدة وترسيخهما بتفسير سلفي للدين يعدّ استراتيجية حركات الإسلام السياسي التي ظهرت في العالم العربي، وأيضاً في المجتمع الفلسطيني في الثمانينيات. تختلف تلك الاستراتيجية عن الرؤية التي حاول بلورتها رجال الدين في بداية عصر "النهضة" العربية. فبينما كانت الأخيرة تستند إلى الدين لإيجاد الخطاب الذي يخدم أهداف النهضة في ذلك الوقت، وخاصة في ما يتعلق بتعليم المرأة وإعطائها حقوقها السياسية، نجد أن حركات الإسلام السياسي الحديثة تستند إلى النص أيضاً، ولكن تخرج بتفسيرات تدور معظمها ـ خاصة المتعلقة بوضع المرأة في المجتمعات العربية بجوانب أخلاقية تمس السلوك اليومي للرجال والنساء من دون ربط ذلك بالضرورة بأسباب تخلف تلك المجتمعات الحالي، وبتخلف قواها البشرية ونظمها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وربط ذلك بأوضاع النساء في تلك المجتمعات. ومن دون الغوص في رؤية "النهضويين" العرب عن المرأة ووضعيتها في المجتمعات العربية، وضرورة تقدمها ليتقدم حال المجتمع. يكفي أن نورد مثالاً من فلسطين ذاتها.
من المعروف ان أحداث ثورة 1936 تفجرت بحركة الشيخ عزالدين القسام التي ظهرت وانطفأت أيضاً في 1935 باغتيال الشيخ القسام نفسه. تميز الشيخ القسام في ذلك الوقت، بالمقارنة مع القيادة الوطنية السائدة (برئاسة المفتي الحاج أمين الحسيني)، باعتماده الأساسي في المقاومة على الفلاحين والفقراء، أي على الفئات والشرائح المتضررة بشكل لا مهادنة فيه لسياسة الانتداب البريطاني في تسهيل الهجرة اليهودية وبيع الأرض تمهيداً لاقتلاع الفلاحين من أراضيهم وبلادهم. ونظرا لبدئه مشروع مقاومة وطنية عامة كان من الصعب ـ كما يشير المنطق ـ لتجاهل وضع المرأة. لذا لم يكن مستغربا ـ منذ بدء نشاطه ـ أن يستهدف النساء في دروسه السياسية والدينية وخاصة للفتيات في حيفا، مشجعاً على انخراط الفلاحين في الثورة على الإنكليز سواء أكانوا رجالاً أم نساء. وهو ما دفعه ليس فقط لتأسيس حلقات محو أمية لتعليم النساء، ولكن أيضاً لتأسيس مجموعات نسائية تتلقى تدريبات عسكرية أطلق عليها "رفيقات القسام". إن هذه الرؤية العميقة لكيفية تفعيل عناصر المجتمع المختلفة وتوجيهها للمقاومة بشكل جماعي غير متضمنة الآن في حركات الإسلام السياسي الحديثة في فلسطين التي أخذت اسم القسام لتطلقه على وحداتها العسكرية "كتائب القسام" بل تتجاهل منهج القسام وعمله على تنظيم الشعب رجالاً ونساءً.
ظهرت رؤية "حماس" الأيديولوجية عن المرأة للمرة الأولى في ما يعرف بميثاق حركة "حماس"، في مادة 17 التي تحدد أن "في المقاومة، يتساوى دور المرأة المسلمة مع الرجل، فهي التي تنجب الرجال، ولها دور كبير في تربية وتعليم الأجيال". بدأ نشيطو الحركة الإسلامية منذ نهاية عام 1989 في قطاع غزة ثم في بعض مناطق الضفة الغربية (خاصة نابلس والخليل)، بشنّ حملات منظمة على النساء اللواتي يلبسن ملابس "غربية". ولا يلتزمن بـ"الزي الإسلامي"، بما في ذلك النشيطات سياسياً في الانتفاضة. وطلب من النساء إظهار الاحترام لضحايا الانتفاضة بلبس لباس متواضع، وتغطية الرأس، وعدم التبرج، وأصبح الحجاب يفسر "كالتزام من قبل النساء بالانتفاضة، وكعلامة احترام للشهداء". وقد أدت هذه الحملات المنظمة إلى فرض الحجاب (منديل على الرأس) على كل النساء في غزة بما في ذلك المسيحيات منهن، من خلال كتابة شعارات تهديد على الجدران لمن لا تلتزم بالزي الإسلامي، إلقاء مياه حارقة على غير "الملتزمات"، أو الحجارة أو البيض أو الخضراوات الفاسدة على النساء اللواتي لا يلتزمن بتلك "التعليمات". كذلك الدعوة من الجوامع لتحريض الأهالي وأولياء الأمور ليراقبوا سلوك نسائهم وإلزامهن بـ"الزي الإسلامي". وبدأ الكثير من الرجال سواء من اليسار أو من غير المتدينين بمطالبة نسائهم بتغطية رؤوسهن منعا للمشاكل خاصة بالشوارع، بل شاركت مجموعات سياسية أخرى ـ "فتح" ـ في الحملة كأحد النشاطات الوطنية للانتفاضة.
مع شدة القمع الإسرائيلي للانتفاضة، انحسر الشكل الجماهيري الشعبي عن أنشطة الانتفاضة، ومن ثم ظهرت وسيطرت الخلايا العسكرية الصغيرة والمنضوية أحياناً لبعض التنظيمات السياسية الفاعلة، وهو ما كان مؤذناً بعسكرة الانتفاضة. ومع ظهور هذا الشكل ازدادت بشكل عام درجات العنف المستخدم ضد المجتمع سواء لتصفية من اتهموا بالعمالة والتعاون مع العدو، كما للذين وجهت لهم تهم أخلاقية التي غالباً ما كانت تربط أيضاً ـ بشكل أو بآخر ـ بالعلاقة مع سلطات الاحتلال. النوع الأخير من التهم غالباً ما مسّ النساء، خاصة اللواتي أثيرت "شكوك أخلاقية" حول سلوكهن. لم يحدّد ما هو السلوك الأخلاقي أو غير الأخلاقي الذي يجب معاقبة النساء عليه، ما أدى إلى كثير من التجاوزات. والبلبلة أثرت بشكل سلبي على حرية النساء في التنقل والعمل، ونشرت حالة من الخوف والذعر بين الأهالي. وأصبح ينظر للنساء اللواتي تم التشكيك بأخلاقهن كمن يخن ليس فقط شرف العائلة ولكن أيضاً شرف الوطن، وبالتالي يجب تخليص المجتمع منهن. وقد أدى هذا التوجه إلى قتل 107 نساء في الفترة ما بين 1988ـ 1993، غالبيتهن من قطاع غزة ـ حيث بلغ العدد في غزة وحدها 81 امرأة.
لم يكن الجناح العسكري المرتبط بتنظيم "حماس" المنفذ الأكبر لعمليات قتل "المشتبه بهن"، لكن جاء في المقدمة خلايا تعد قريبة من تنظيم "فتح"، أو خلايا منقطعة عن التنظيم كانت مرتبطة بفتح في فترة من الفترات، يليها في ذلك الخلايا المرتبطة بـ"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين". غير أن استثمار حالة الرعب التي سادت بين أوساط السكان خوفا من "الإسقاط"، وهي التهمة التي كانت توجه للنساء اللواتي تم تصفيتهن، تمّت على يد "حماس". استثمرت حركة "حماس" هذا المناخ لبث أفكارها التي بدت كعلاج ورد على "إسقاط النساء" وهو عدم الاختلاط، وتقييد حرية الحركة للنساء بشكل عام، إضافة لفرض الزي المحتشم والتحجب وفرض سلوكيات عامة أخرى كتحريم الغناء والرقص والاحتفال في الأعراس واعتبار ذلك مخالفاً للدين، ومخالفاً أيضاً "لأخلاقيات الانتفاضة". ولبث هذه الرؤية كتبت عدد من الشعارات على الجدران، كما هوجم عدد من الأعراس والاحتفالات العامة أثر هذاالوضع ـ خاصة زيادة عسكرة الانتفاضة وزيادة درجات العنف الداخلي ـ بشكل كبير في كل أشكال المشاركة السياسية للنساء وخاصة في قطاع غزة وأدى لابتعاد الكثيرين ـ من الرجال والنساء ـ عن العمل السياسي الجماهيري.
وجاء رد الفعل الأول على هذه الحملات بتنظيم مؤتمر تاريخي في القدس بمبادرة من بعض الكوادر النسائية المستقلة والأطر النسوية التي رأت خطورة هذه الحملات على الدور السياسي للمرأة، خاصة وانه تم استهداف الكثير من النشيطات سياسيا في قطاع غزة. وتمخض عن المؤتمر بدء حملة لممارسة الضغط على الأحزاب السياسية لأخذ موقف مبدئي وواضح مما تتعرض له النساء. ويظهر رد الفعل هذا أهمية تنظيم النساء الذي ساعد على إدراك الظاهرة كظاهرة عامة، ولها أثر في رؤية ووضعية المرأة في المجتمع، وعدم التعامل معها كظاهرة تمس أفراداً فقط. إن إدراك هذا الأمر كظاهرة عامة ساعد على بلورة رد فعل عام على المستوى السياسي ـ بضغط من النساء ـ وأجبر القوى السياسية المختلفة على أن تتعامل مع الأمر كأمر سياسي له أبعاد على وجود تلك القوى نفسها وليس فقط النساء. وبالرغم من محاولة القوى الوطنية والقيادة العامة للانتفاضة ـ التي جاءت متأخرة ـ التصدي لسياسات حركة "حماس"، إلا أن الحركة نجحت في تحقيق هدفها في جعل الرقابة الاجتماعية على سلوك النساء إنجازاً من إنجازات الانتفاضة، متجاوزة بذلك انعزالها التنظيمي داخل المساجد والجامعات، لتضع برنامجها الأخلاقي ـ الاجتماعي على سلم أولويات الحركة الوطنية.
أدى ضعف وتأخر رد الحركة الوطنية على سياسة "حماس" في ما يتعلق بنشر برنامجها الأخلاقي ـ الاجتماعي إلى تذمر الكثير من الكوادر النسوية النشطة في قلب الحركة الوطنية. إذ لفت الصراع انظار تلك الكوادر إلى أن دفع المكانة الاجتماعية والسياسية للمرأة ليس بالضرورة أحد أولويات الحركة الوطنية، وبالتالي يقع على عاتق الحركة النسوية نفسها أخذ زمام المبادرة في تحديد رؤيتها للمكانة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تصبو لها النساء أثناء عملية النضال الوطني وليس بعدها، كما سيتم الإشارة لذلك لاحقاً. فقد أثر رد فعل الأطر النسوية على أحزابها السياسية والرأي العام، وأيضاً على حركات الإسلام السياسي نفسها التي بدأت تطور من مواقفها؛ لتقرب من فهم أكثر مرونة للدين في ما يتعلق بالمرأة. ففي تقرير صحفي مع بعض شخصيات تيار الإسلام السياسي، أدين في أكثر من موقع في التقرير "أولئك الذين يرون أن مكان المرأة هو البيت فقط، بل للمرأة الحق في التعليم والعمل وخاصة العمل السياسي". ويشير ذلك إلى تطور موقف بعض تيارات الإسلام السياسي من قضية المرأة، وخاصة بعد عودة عدد كبير من الكوادر الأساسية التي أبعدت في 12/1992 إلى مرج الزهور، والدور الملحوظ الذي قامت به زوجاتهم مع بعض "الأخوات المسلمات"، وأيضاً بقية أطراف الحركة النسوية، في إثارة قضيتهم بشكل دائم في وسائل الإعلام.

(*) النص مقتطف من ملف "المرأة والسياسة" في كتاب "المرأة الفلسطينية: الوضع الراهن"، الصادر عن "معهد دراسات المرأة" في "جامعة بيرزيت" – رام الله، في العام 2000