| 

نعم، كنت متردّداً. هل أراجع دفاتري القديمة، واختار منها نصّاً عن الانتفاضة الأولى كتبته في حينها؟ أم أكتب نصّاً جديداً من الذاكرة، ولكن أين هي الدفاتر وأين منها الذاكرة‫؟
إن بعض القصص والحكايات التي كنا نتداولها شفاهة ونستمتع بها مرات بسبب طرافتها أو بسبب البهارات التي نضيفها ويضيفها الزمن عليها، تستحق أن تروى.. وهذه واحدة منها.

قصّة الباص والتفاحات الحمراء

الأحد، تشرين الأول ١٩٨٩، في باب الزاوية - مركز مدينة الخليل، لم يكن يوماً عادياً، إذ كانت تقف الحافلة التي تقلّ المسافرين إلى القدس عند ناصية المكتبة، بعدما أُغلق كراج الباصات القريب من البلدة القديمة والدبويا بسبب الاستيطان وتمدّده. تم نقل الكراج برمّته إلى منطقة وادي التفاح، البعيدة نسبياً عن حركة الناس. والحال كانت أن تأتي حافلة واحدة كل ساعة لتحميل الركاب من وسط المدينة المكتظّ، ثم تنطلق إلى وجهتها.
اشتعلت في هذه الأثناء مواجهة مفاجأة بين بعض الشبان وجيب عسكري إسرئيلي كان يعبر شارع الشلالة باتجاه الباب، وقد كان الجنود فيه يجاهدون للخروج من أزمة السير بينما تنهال عليهم الحجارة من الأزقة والأـسطح الملاصقة‫. وبينما يجيبون على الحجارة بالرصاص المطاطي وقنابل الغاز المسيل للدموع، احتمى الجنود حينها بمحطة بنزين مجاورة. وفي لحظاتٍ، تحوّل مركز المدينة، وبلا أية مقدمات، إلى ما يشبه ساحة حرب‫.
‫- يا فتّاح يا عليم يا رزاق يا كريم على هذا الصباح وعلى هذه الحال المفعمة بالمفاجأت غير السارّة والغاز!
بدت المدينة غارقة في ضباب الغاز، وبحالةٍ من الإرباك والهرج والمرج بينما صوت الرصاص يلعلع، قبل أن يدرك سكانها الساعين إلى رزقهم وأعمالهم ما حدث‫. جاء جيب عسكري آخر لإسناد زملائه المتورطين في بيئةٍ معادية، ولتخريب يوم المدينة المكفهر. جاء مسرعاً متخطياً كل شيء أمامه، وهو يطلق زامور الرصاص في الهواء‫.
نتحدث الآن عن مصابين، وإغلاق محلات، وتخريب بسطات، وضرب وكرّ وفرّ. اختلط الحابل بالنابل، إذ نتحدث الآن عن محتجزين بالعشرات في محطة البنزين كدروع بشرية، وكنت أنا لسوء الحظ من بينهم ‫ومعي كتبي، إذ كنت في طريقي إلى الجامعة.
لمّا شارفت إحدى مناطق المدينة على الخراب، هدأت الحال تدريجياً، وانقشع بياض الغاز، وتوقف ضرب الحجارة، ومعه إطلاق الرصاص وعمليات المطاردة. وبقي المحتجزين على ذمّة الموقف في محطة البنزين كرهائن‫.
في هذه الاثناء، قام الجنود بتقييد ايدي البعض منا، وعصب عيون البعض الآخر، بعد أخذ الهويات طبعاً وتوجيه أوامر الشبح على حائط المحطة المكسو بالسخام، بانتظار ما سيأتي.
‫ستة جنود مسلّحين، مدججين بالأسلحة، يقومون باعتقال أكثر من ثلاثين شخصاً أعزل، بينهم طلاب وعمال ومارّة، وحتى عامل البنزين بزيّ المحطة الأزرق الملطخ بالزيت. كان لا بد من نقل هؤلاء البشر، نحن، واقتيادنا إلى مكان آخر، وفي الغالب سيكون العمارة حيث مقرّ الحاكم العسكري في المدينة، المقرّ الضخم المبنيّ على تلّة منذ أيام الإنتداب البريطاني.
ولأنه لا يمكن وضعنا كلنا في الجيبات العسكرية الصغيرة تلك، بدأت الاتصالات باللاسلكي، وصوت الخشخشة يملأ الآذان. ونحن ندعو الله أن يلبّي المستقبل رسالة المرسل، وينتهي هذا اليوم على خير‫. ولكن الجنود اختاروا فجأة استخدام الحافلة الواقفة، تلك التي يفترض أن تكون متجهة إلى القدس، بدلاً من انتظار ناقلة خاصة بالجنود أو الأسرى لن تأتي على ما يبدو.
كانت الحافلة المدنية فارغة، أو تكاد تفرغ، فأمر جنودٌ السائق بأن يأتي بالباص فارغاً إلى محطة البنزين تحت تهديد السلاح، لنقل كومة المعتقلين التي تملأ المحطة عن بكرة أبيها. في هذه الاثناء، اكمل جنودٌ أخرون عصب الأعين والتقييد بالكلبشات البلاستيكية‫.. لحظات، وبدأنا بالصعود إلى متن الحافلة، وجلسنا مثل المسافرين في انتظار بدء الرحلة المجانية.
أعطى الجنود الأوامر بأن تتحرّك الحافلة وهي مغلقة الأبواب، بينما يسيرون هم بجيباتهم خلفها، يحتمون من رشقات الحجارة التي داهمتنا وداهمتهم من جديد، وقد أصابت جسم الحافلة الكبير أكثر مما أصابت الجيبات العسكرية الرشيقة.
سارت الحافلة ببطءٍ شديد وسط احتقان السير، ساكلة خط سيرها المعتاد قبل أن تتجهّز لتنعطف يساراً بعد خروجنا المفترض من وسط المدينة. استمر الجنود باطلاق رصاصات تحذيرية في الهواء، علّها تفتح الطريق أمام الموكب وبوسطة المعتقلين على حين غرّة هذه.
ولكن، ويا لسوء حظ من لم يحضر حفلة الصباح هذه، فمن لم يحضر السوق لن يتسوق.. ها هو رجلٌ يأتي مستعجلاً من مكانٍ آخر بعيدٍ ربما، ويسير بالاتجاه المعاكس لخطّ سير الحافلة، يحمل أكياساً بلاستيكية وحقيبة سوداء في يديه الإثنتين. أخذ يشير بالحاحٍ إلى الحافلة التي تحمل رقم خط سير القدس ولونه، يرفع الحقيبه ة طالباً من السائق التوقّف ليقلّه إلى القدس، كما جرت العادة.
امتنع السائق عن فتح باب الحافلة، متجاهلاً توسلات الرجل وأكياسه الثقيلة التي وضعها أمام الباص مستغلاً بطء الحركة. راح يطرق زجاج الباب بيده وهو يتكلم ويبرطم وربما يشتم السائق الذي أومأ له بأن ينظر إلى خلف الحافلة ليفهم الموقف، والرجل لا يفهم رسالة السائق ولا حاله كمضطر للامتثال للأوامر التي تمنعه من فتح الباب لانزال أو إدخال أيّ كائن حيّ. لا يفهم. ففتح السائق باب الحافلة أخيراً علّه يخبره وسط ضجيج المحيط بسرعة ما الخبر، وأن الحافلة ليست متجهة إلى القدس أو إلى أيّ مكانٍ آخر قد يودّ الرجل أن يذهب إليه. وقبل أن يحكي السائق، كان المسافر التعس والعجول قد اندفع إلى داخل الباص، ومعه أكياسه والحقيبة.
لمّا صار في الداخل، لم تعد الحال بحاجة إلى تفسير. فقد شاهد المسافر الجديد بأم عينيه بعض الركاب وهم معصوبي الأعين والبعض الأخر مقيّد اليدين. بادر بعضهم لإخباره بطبيعة الموقف، وعلى وجهه علامات لا يمكن رسمها فقد أسقط في يده. القليل الباقي من علامات غضبه على السائق تبدّدت أمام ارتباكه واستغرابه وعدم فهمه أو تصديقه لما يحدث. المهم، عرف المسافر التعس أن الحافلة غير متجهة إلى القدس وأنها في طريقها إلى السجن. ومن دون كيف أو لماذا، طلب من السائق انزاله فوراً، وقد كان ينظر إلى الركاب شذراً، فهو يرى نفسه بريئاً في هذه الرحلة المشبوهة، في هذه الورطة.
أوضح له السائق ما يدور حوله. وامتنع بطبيعة الحال عن فتح الباب لانزاله من جديد. فقد يراه الجنود لحظة نزوله، ولربما سهوا عن صعوده. إذ كانوا حينها يسيرون ملاصقين للحافلة تماماً، بينما هي تسير الآن على مسافة تمكّنم من مراقبتها بالكامل. حرصاً على حياته، قال السائق: مستحيل أن افتح الباب الآن وأنزلك، الجنود خلفنا، سوف يطلقون النار ونصبح في ورطة. الأوامر عندي ألا افتح الباب الذي كدت أن تكسره أنت بيديك. وقد صعدت الى الباص برجليك، وما عليك إلا أن تنتظر وتفسّر لهم الأمر لاحقاً.
اغتاظ المسافر الجديد من هذا الكلام الحاسم كالسيف، وصار يصرخ ويشتم نفسه، آمراً بالسائق: توقّف، افتح الباب وانزلني هنا والآن.
تدخّل بعض الركاب لشرح الأمر وحلّ سوء الفهم الحاصل بين السائق والمسافر سيء الحظ، ولكنه لم يكن يصغي كفاية للرهائن ولم يستسلم بعد وهو بالكاد يفهم ما يجري. وضع أغراضه على كرسيّ فارغ قريب من السائق، وراح يمشي على طول الباص، يضرب الكفّ بالكفّ، لا حول ولا قوة الا بالله. سار باتجاه مؤخرة الحافلة وهو يرمق بارتياب بعض الركاب، ربما تعرّف إلى بعضهم من دون أن ينبس ببنت شفة أو يرسل تحية، وهو ماضٍ في اللعنات والهمهمة الغامضة التي يُفهم منها أنه كان في عجلة من أمره، وأنه مسافر إلى القدس، وأنه في ورطة‫.
ومن النافذة الخلفية الواسعة للحافلة النكدة، شاهد المسافر الجنود في الجيب العسكري يسيرون خلف الباص شاهرين أسلحتهم نحو غنيمتهم. بدأ يطرق على الزجاج الخلفي ليلفت نظر الجنود إليه، وراح يحدّثهم بالإشارة عن براءته، وأن لا علاقة له بشيء، وأن سبب وجوده في الباص مجرد خطأ. بالطبع، لم تسعفه الإشارات ولا الكلمات التي بلغت ىذاننا نحن فقط. فجأة، ذهب من جديد إلى مقدمة الباص، أخذ أغراضه عن الكرسي، وعاد إلى نافذة الحوار وهو يرفع أكياسه وحقيبته مفسراً أنه في طريقه إلى القدس، وأنه ليس واحداً من المحتجزين، وها هي الأدلة‫.
أخرج حبات تفاح حمراء من أحد الأكياس، ولوّح بها للجنود الذين لم يكونوا ليحسدوا عليه، وعلى عدم فهمهم لما يجري في الحافلة. وكأن الموقف كان يستدعي مزيداً من العبث والسريالية، إذ أخرج الرجل قطعاً من لحم خروف، وألصقها بزجاج النافذة إمعاناً في محاولة تفسير موقفه‫. أثار الفضول وطرافة الموقف بعض الركاب المحتجزين طبعاً، فاقتربوا من النافذة لمشاهدة ردّ فعل الجنود عن كثب. ما جعل الجندي الجالس في خلفية الجيب يقف وهو يتحدث لزملائه مستغرباً ربما، ويشهر سلاحه باتجاه المسافر وتفاحاته وقطع اللحم التي غبّشت الرؤية بعد ملامسة الدهن لسطح الزجاج المستطيل‫.
أخيراً، استسلم الراكب الجديد وراح يتحدث بهدوء ما مفاده أن عليه أن يخرج من هذه الورطة، وأنه ما كان عليه أن يصعد إلى هذا الباص اللعين، وأن السائق كان عليه ألا يفتح الباب فيدخله إلى هذا الفخ برجليه. وأضاف ما معناه أنه ربما من الأفضل الانتظـار قليلاً، وسوف يفسر الأمر للجنود مباشرةً. وكانت الحافلة في هذه الأثناء قد انحرفت يسارًاً بعيداً عن الطريق القدس، وباتت تسير صعوداً نحو التلة والمبنى الضخم للعمارة والسجن ومقر الحاكم العكسري والخشبية، وهي مكان احتجازٍ أوليّ للمعتقلين.
شارفت الحافلة على الوصول إلى غايتها.
دقائق قليلة مرّت قبل أن يصبح المسافر الجديد محتجزاً في "الخشبية"، علماً أنه قبل وفي أثناء نزوله من الحافلة، كان ينأى بنفسه عن الجميع، وكأنه البريء الوحيد في هذه الدنيا‫. ولكن مصير حكاية المسافر وتفاحاته الحمراء ورطل اللحم الطازج وكذلك مصير باقي ركاب الحافلة، ربما يحتاج إلى نصّ آخر طويل، ربما رواية، ليس هنا مكانها.
ولكن، يمكن للمرء أن يحكي أنه، على الأقل، وقبل حلول ظلام ذاك النهار الغامض، وزّع البريء تفاحاته على المحتجزين، وجلس. راح يقضم تفاحته بهدوء، فقد أحس الآن، في الخشبية، أنه واحد منهم، وبدا الزمن له وكأنه قد توقّف‫.