| 

في التاسع من كل شهر، كان يصدر بيان "القيادة الوطنية الموحدة" للانتفاضة الاولى، وكان التاسع من كل شهر يوم اضرابٍ شامل.
وضعت إسرائيل أولاً خططاً استراتيجية تقضي باتباع سياسة الابعاد ضد من تشكّ بأنهم أعضاء في "القيادة الوطنية الموحدة". فكان القيادي في حركة "فتح" حسام خضر أول من أصدر الاحتلال بحقه قراراً بالإبعاد إلى خارج الوطن، بعد عملية اعتقاله من منزله في مخيم بلاطة في شرق نابلس، بسبب مشاركته في قيادة الانتفاضة.


نشأت لجان محلية داخل المخيمات عملت على تنظيم الغضب غير المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي المسلح، والشد من أزره والتقريب بين صفوفه وذلك عن طريق توفير المؤونة والتعليم والأدوية وباقي الخدمات الضرورية للمخيمات والمناطق التي يطبق فيها حظر التجول.
عملت هذه اللجان في البداية بشكل مستقل، ولكن سرعان ما توحدت في هيئة تضم "فتح" والجبهتين "الشعبية" و"الديموقراطية" وحزب "الشعب" الشيوعي، وكانت لهذه الهيئة علاقات تنظيمية مع "منظمة التحرير الفلسطينية" التي كانت حينئذ تتخذ من تونس مقراً رئيسياً لها.

الكفاح المسلّح

على الرغم من أن الانتفاضة عرفت بطابعها السلمي، فإن النشاط المسلح كان موجودا بنسبة 15 في المئة منها، وقد استهدف أساساً الجنود الإسرائيليين والمستوطنين والمتعاونين معهم.
تم إنشاء القوات الضاربة، بعد تكوّن "القيادة الوطنية الموحدة"، وكان أعضاء "فتح" و"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" أول من تمت الاستعانة بهم. ومن ثم تشكل تنظيمي "الفهد الأسود" التابع لحركة "فتح" و"النسر الأحمر" التابع لـ"الجبهة الشعبية".
تمثّلت مهمة هذه القوات في تطبيق توصيات "القيادة الموحدة"، ومعاقبة من يبتعد عن نداءات الوطن. لكن تعدّد القوات المسلحة بعد ذلك لم يلق قبولاً من الجميع، وتمكن ملاحظة ذلك من خلال منشورات كل فصيل.
وشهدت الانتفاضة عدداً من العمليات ضد الأهداف الإسرائيلية، مثل عملية ديمونا في النقب (1988) حيث تمت مهاجمة حافلة تقل عاملين متوجهين إلى مفاعل ديمونة.
كذلك، تم خطف جنود إسرائيليين لمبادلة الأسرى بهم، وملاحقة العملاء وسماسرة الأراضي وقتلهم فردياً وجماعياً.
وعرفت الانتفاضة ظاهرة "حرب السكاكين"، إذ كان الفلسطينيون يهاجمون الجنود والمستوطنين الإسرائيليين بالسكاكين ويطعنونهم.
كان الأسير المحرر أحمد عوض ("أبو العوض") قائد مجموعات "الفهد الأسود" في قباطية شمال الضفة الغربية، وقد تحرر من السجون مؤخراً بعد 23 عاماً من الاعتقال. يؤكد أبو العوض انه يحتفظ بقصص وحكايات من الانتفاضة الأولى، يقصّها كما لو أنها حدثت بالأمس ويبتسم قائلاً: "أتمنى الإفراج عن أسرانا في سجون الاحتلال، وهذه مناسبة لمطالبة القيادة بتغيير أساليب العمل للإفراج عمن تبقى من الأسرى خاصة ذوي الأحكام العالية، وكبار السن والأطفال والنساء".
قائد "الفهد الأسود" ما زال يحتفظ بـ"ذكريات جميلة من الانتفاضة الأولى.. وما زال ملف الفهد الأسود ومواقف أبطاله ماثلة في كل تفاصيلها أمامي وفي مخيلتي، كأنها حدثت منذ أيام قليلة".
كذلك، يُحكى الكثير عن مجموعات "النسر الأحمر". يحكى مثلاً أن المجموعة الضاربة للجبهة الشعبية التي تزعمها الشهيد أيمن الرزة في جبال نابلس، واصلت قتل الجنود والعملاء أينما طالتهم. وفي صباح خميس في تشرين الثاني 1989، حلقت ثلاث طائرات عمودية في سماء قرية جنيد غرب نابلس، وانتشرت أعداد كبيرة من دوريات الاحتلال الراجلة. بدلاً من محاولة الهرب، قرّر أيمن ورفاقه المواجهة والتصدي. وما أن أصبحت إحدى الدوريات في مرمى نيرانه، حتى هاجمها بقنبلة يدوية، وتابع إطلاق النار من مسدسه حتى أصاب أحد الجنود في وجهه. في تلك اللحظة، أطلقت عليه عدة عيارات نارية أصابته في وجهه وصدره وذراعيه. لكن "أيمن" بقي صامداً حتى أتت طلقة الموت التي كان رقمها 18 في رأسه.

الإبعاد

قامت دولة الاحتلال بإبعاد أول مجموعة من القيادات الميدانية بتاريخ 13/8/1988. ضمت المجموعة بشير الخيري من "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، وجبريل الرجوب وجمال جبارة وحسام خضر من حركة "فتح"، وكذلك محمد اللبدي. ولاحقاً، أبعد الكثيرون من القيادات، كان من بينهم ابن نابلس القيادي بلال الشخشير، في محاولة لإنهاء الانتفاضة.
يشرح الشخشير لـ"السفير": "صحيح أن أحداً لم يمتلك أو يمكن أن يدّعي امتلاكه توقيت انطلاقة الانتفاضة، إلا أن القيادات الميدانية داخل الوطن نجحت بالتقاط قوة الجماهير واندفاعها، وشكّلت القيادة الوطنية الموحدة".
رفعت القيادة الموحّدة شعار "لا صوت يعلو فوق صوت الانتفاضة". وكان له الأثر الكبير في توحيد القوى والفصائل والشعب بكل مكوناته. واعتبرت الانتفاضة وما مثلته، "حرب استقلالٍ" سارعت قيادة "منظمة التحرير" في الخارج إلى التجاوب والانسجام معها ومع القيادات الميدانية، بحكم العلاقة العضوية بين فصائل المنظمة في الخارج وفصائل العمل الوطني بالداخل. وعملت القيادة من تونس والأردن وسوريا على توفير وسائل الدعم المالي والسياسي والاعلامي والمعنوي، أدّت إلى خلق حالة من الالتفاف الشعبي والرسمي العربي والدولي حولها.

المبعدون

تميزت الانتفاضة بحركة عصيان مدني كبيرة وتظاهرات ضد الاحتلال الإسرائيلي. وكانت حركة العصيان المدني مطروحة قبل بدء الانتفاضة، ولكن قادة "منظمة التحرير" اختلفوا في ما بينهم حول إمكانية التطبيق.
ولكن، عندما خرج الناس من بيوتهم، يروي الشخشير أن حتى "حكومة الاحتلال تفاجأت بقوة التجاوب مع الانتفاضة، والمشاركة الجماهيرية في جميع أنحاء فلسطين، والمواجهات الشعبية واستنباط أشكال المقاومة. وكذلك، فاجأها تشكيل اللجان المختلفة، لجان الردع والرقابة والتمويل والتكافل الاجتماعي، واعتقدت المؤسسة الامنية ان استراتيجية تشديد الخناق سيمكنها من إجهاض الانتفاضة وكسر النواة الصلبة فيها". وقد صرّح اسحق شامير حينها: "أستطيع كسر الانتفاضة بيدي كالبيضة"، أما اسحق رابين "فقد كان يشغل منصب وزير الجيش، وهو صاحب نظريات تكسير العظام وتشديد العقوبات واغتيال النشطاء وتوسيع دائرة الاعتقالات الإدارية ونسف البيوت ووضع البوابات وفرض أنظمة منع التجول لفترات طويلة".
يكمل الشخشير: "اتبعت سياسة الإبعاد والطرد بحق القيادات الميدانية حتى وصل عدد المبعدين منذ العام 1967 إلى 1260 مبعداً، رغم صدور 12 قراراً عن مجلس الامن يدين سياسة الابعاد ويطالب بإعادة المبعدين إلى ديارهم، كون سياسة الابعاد تتعارض واتفاقية جنيف الرابعة".
وفي تلك الفترة، أقامت إسرائيل العديد من معسكرات الاعتقال (معتقل النقب الصحراوي والفارعة وبيتونيا)، ووصل عدد المعتقلين قبل توقيع اتفاق اوسلو الى إثني عشرة ألف معتقل، وما يزيد على ألف وخمسمئة شهيد. إلا أن اسحاق رابين، وبعد فترة، تراجع عن سياسته ليصرّح بأن "العنف يولد العنف ويجب البحث عن حلول سياسية".

ردّ إسرائيل

قررت إسرائيل تطبيق إجراءات عقابية ورادعة لإعادة السيطرة للإدارة المدنية الإسرائيلية والحد من انتشار حركة العصيان، وتمت مراجعة القانون الجزائي ليسمح بالقيام بعمليات إيقاف موسعة، بالإضافة إلى بناء عدد من مراكز الإيقاف لاحتواء العدد الكبير من الموقوفين الفلسطينيين لفترات طويلة. وقرر جيش الاحتلال المدّ من فترات حظر التجوال. وخلال العام الأول للانتفاضة، تم إحصاء 1600 حظر تجوال منها 118 لفترة لا تقل عن خمسة أيام، كما تشير الاحصائيات الفلسطينية.
عاش جميع سكان قطاع غزّة حالة منع تجوال، كما أغلقت الجمعيات التي أبدت رغبة في الاستقلال أو انتقاد إسرائيل، ومنع الوافدين من الأردن من إدخال مبالغ مالية تفوق مئتي دينار أردني من أجل الحد من الدعم الخارجي للانتفاضة، وقد كان قبلها يُسمح بإدخال ألفي دينار.
وتم تنظيم حملات من أجل إجبار الفلسطينيين على دفع الضرائب الإسرائيلية، واشترط دفع الضرائب لتجديد رخص التصدير، وتم إرساء حصار على عدد من المناطق المأهولة بالعرب فقط، ما منعهم من التحرك أو تصدير ما ينتجونه.
ووصل الأمر حد قطع التيار الكهربائي والإمدادات بالماء وخطوط الهاتف، وزاد الوضع تدهوراً عندما منعت الأردن استيراد عدد من بضائع الضفة. وقد أدت مجمل هذه السياسات إلى انقلاب ميزان القوة وتدهور مستوى المعيشة لدى الفلسطينيين بنسبة تتراوح بين 30 و40 في المئة.
ومن الأمثلة على العصيان المدني، تسليم سكان منطقة بيت ساحور لهوياتهم للحاكم العسكري في المنطقة في إطار رفضهم لدفع الضرائب، ما وضع الحاكم العسكري في وضع بالغ الإحراج، حيث أن إسرائيل بدأت تخشى من أن تفقد حتى القدرة على التعرف على الفلسطينيين.

المطالب

خرجت الانتفاضة الأولى بمجموعة من الأهداف والمطالب، التي صاغتها قيادتها الموحدة، ويمكن تقسيمها إلى "ثوابت فلسطينية" و"مطالب وطنية"، وهي كالتالي: إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس وتمكين الفلسطينيين من تقرير مصيرهم. تفكيك كافة المستوطنات. عودة اللاجئين من دون قيد أو شرط. تقوية الاقتصاد الفلسطيني، تمهيداً للانفصال عن الاقتصاد الإسرائيلي.
أما المطالب الوطنية فكانت التالية: إخلاء سبيل الأسرى الفلسطينيين والعرب من السجون الإسرائيلية. وقف المحاكمات العسكرية الصورية والاعتقالات الإدارية السياسية والإبعاد والترحيل الفردي والجماعي للمواطنين والنشطاء الفلسطينيين. لمّ شمل العائلات الفلسطينية من الداخل والخارج. وقف فرض الضرائب الباهظة على المواطنين والتجار الفلسطينيين. وقف حل هيئات الحكم المحلي المنتخبة من مجالس بلدية وقروية ولجان مخيمات. إتاحة المجال أمام تنظيم انتخابات محلية ديموقراطية للمؤسسات في البلاد.