| 

• مشهد ضباب

بعد حروب الردّة الثقيلة والمتأخرة في ثمانينيات القرن الماضي، اعتلت أبراج "الأنتين" رايات سوداء في المخيم، حداداً على أرواح الشهداء خارج الوطن، ذُبحوا حينها كالخراف، ولم يصلنا إلا الأخبار البسيطة، وبعض صرخات الأمهات التي شاهدناها على تلفزيون ليس وطنياً، بل من دولةٍ أخرى.

• مشهد غياب

ذاكرة فارغة ما بين 1982 ولغاية 1987.
الكل مُعرّض للمعركة راضياً أو مُجبراً، والدليل أن لا حقيبة تخلو من رأس البصل.

• مشهد الصف الخامس

مجموعة من الشباب الملثمين، طلاب في المدرسة، يخرجون يومياً لمواجهة المحتلّ بصدورهم، وما يثير اهتمام الطلاب أن امتحان اليوم مؤجل، وهي فرحة للذين لم يحفظوا الدروس جيداً.
يحملون حقائبهم ويهربون، بعضهم يعود إلى البيت برأس البصل الذي لم يُستعمل بعد، والبعض الآخر يهيم في الشوارع يستنشق الغاز المسيل للدموع، ويجري مقارنة بينه وبين البصل. علّه يأتي سؤالاً في امتحان الغد. أما البعض الأخير فيلتحق بالشباب ليشاركهم الغضب، ويجدّد دورته الدموية بالتبرّع بدمه للأرض.

• مشهد خيانة

تحايل على الأمهات، وبحث عن كوفية الأب المزركشة في سلّة الغسيل لسرقتها ووضعها في الحقيبة بين الكتب، والخروج مبكراً للمشاركة بإخراج الطلاب من المدرسة وليس الانتظار.
اختيار "زقة" صغيرة، عابروها قليلون، واعتمار الكوفية، والسير في مجموعةٍ تحاول أن تنظّم نفسها، وتضرب بأرجلها بقوةٍ على الأرض، كأنها جيشٌ جرّارٌ آتٍ لتحرير الطلاب من صفوفهم العفنة.

• مشهد مراهقة

يتطور الأمر، وتصبح مدرسة البنات شريكاً في الثورة.
يخرج الطلاب في مسيرة متردّدة، لتصل إلى مدرسة البنات، وتلتهب المسيرة كالنار، وتصبح التظاهرة أكثر قوةً وثباتاً وإصراراً للوصول إلى مناطق الاحتكاك.
تصطف البنات في الخلف، والشباب في المقدمة، ويزغرد الهتاف مع الرصاص، وتبدأ مسيرة الشهداء والإضرابات، وتتحول المشاعر من حالة تضامنٍ إلى شراكة جماهيرية تلفّ المكان والبيوت والأفراد.

• مشهد تحديات

يتحوّل الفعل من حدث صباحي مرتبط بالطلاب، إلى حدث جماهيري وتنظيمي بعد الظهر. تُغلق المحال التجارية، ويشارك الكبار في المسيرات والتظاهرات، ويصبح "الخط الرئيسي" منطقة اشتباك دائمة على طول النهار، ويستطيع اللحاق بها أيّ كان ومتى شاء.
ثقافة عامة يشارك فيها النساء كالأمهات والأخوات والبنات، والآباء والأبناء والجيران. لا يتخلف عنها إلا البعض اليسير. ومن لم يشارك في الميدان، يكون دوره في حماية الشباب ونقل المعلومات، ومراقبة الأماكن، وفتح أبواب البيوت لاستقبال الهاربين من الرصاص.

• مشهد تضامن

في منع التجوّل الذي يستمر أياماً، تشارك القرى والمدن المجاورة في دعم الأهالي بما أتيح لهم إدخاله إلى المخيم من خضارٍ وفواكة، حليب وشوكلاتة وغيرها.
أرواحٌ تهيم معاً في تشكيل أسطورةٍ نضالية لا يمكن قياسها على شعوبٍ وأماكن أخرى، يحفها التضامن والتآخي، والحب والخير، وتُفتح الأبواب للجميع، فلا غرباء على هذه الأرض سوى المحتلّ.
مقاطعة حقيقية من دون مواربة، ويعيش الناس في بساطةٍ، يخبزون على النار، ويطبخون طنجرة العدس التي ستصل سابع جار.

• مشهد طموح

ينام الأطفال ليحلموا بشيءٍ واحد: عندما نكبر، سنصبح مقاومين.

• مشهد شوارع

لا مناسبة تمرّ من دون ذكرى، والذكرى ميدانٌ مفتوح للجميع، كل ما يجب عليك فعله هو أن تكون ضمن فريق، سلاحك الأول الكوفية والحجر، وإن كنت محظوظاً فيمكنك سرقة سكينك من البيت لتحمله في العرض العسكري، والأكثر حظاً هم أولئك الذين يحصلوا على "شبرية" أو سكّين مختلف، أو بدلة خاصة لهذا الحفل الجماهيري الحاشد.
يبدأ الاحتفال في ساحةٍ في وسط المخيم يحيط بها مجموعة من الملثمين، يقودهم شخصٌ يحمل مسجّلاً ضخماً، يديره على "بطاريات" مشعلاً المسيرة بأغانٍ وطنية ممنوعة، كسميح شقير وفرقة العاشقين وغيرها.
تدبّ الحياة في المخيم، ويعتلي السطوح أفراد من العائلة لم يخرجوا للاحتفال، وكلّ النوافذ يطلّ منها الصغار، وأبواب البيوت تقف عندها النسوة الأمهات، يزغردن وينثرن السكّر والورد.
أهل البيوت يتذكرون في حديثهم المناسبة، يستحضرونها. والشباب يتذكرون عبر المناسبة رمي المحتلّ بحجارتهم. أما المحتلّ فيكرّر الذكرى برشق المزيد من الرصاص، وتكبر الحكاية.

• مشهد ثورة

"بالروح بالدم نفديك يا ******".
وتستمر الثورة في الدم، وفي الكلام، في التنفّس وفي الأحلام، في المدرسة وفي البيوت، في الأسرّة وفي الشارع.
الشعار مجتمعي، الكلّ يرددونه بلا استحياء.

• مشهد ننتظر

الأطفال الذين في المشهد 8؛ ما زالوا نائمين.