| 

في ذروة إضراب أخي وصديقي عبد الرازق ورفاقه الإداريين عن الطعام صيف هذا العام، عملتُ مع أصدقاء لي من الإعلاميين والقانونيين في فلسطين والولايات المتحدة ولبنان ومصر على متابعة قضية الإضراب على مستويين: الأول إعلاميّ، بهدف ايصال رسالة إلى العالم مفادها أن معتقلي رأي فلسطينيين يخوضون إضراباً مفتوحاً عن الطعام وأن مطالبهم سياسية وقانونية؛ والثاني قانونيّ، بهدف مناصرتهم في مؤسسات حقوق الإنسان العربية والدولية، بالإضافة إلى تمثيلهم في المحاكم الإسرائيلية، بما يلبّي هدفاً ثالثاً مضمونه أنهم ليسوا وحدهم في هذه المواجهة.
نجحنا ولو بعض الشيء في تداول قضيتهم عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، كما تمكّن العديد من المحامين من زيارتهم في أثناء الإضراب، ومتابعة قضيتهم في المحاكم العسكرية الإسرائيلية. كذلك، تعاملت "منظمة العفو الدولية" وغيرها من المؤسسات الحقوقية العالمية مع القضية وتبعاتها. لم اكتب، في تلك الفترة، عن شقيقي وصديقي عبد الرازق المضرب عن الطعام، وآثرتُ أن أنشط للحديث عن عدم قانونية الاعتقال الإداري الذي ورثته دولة الاحتلال عن دولة استعمارية أُخرى (المملكة المتحدة) كقانون طوارئ يفتقد أية صفة قانونية محترمة، ويفتقد أيضاً أية قيمة أخلاقية ممكنة.

الاضراب

خاض الأسرى الإداريون إضراباً عن الطعام استمر نحو خمسة وستين يوماً، خسروا خلاله عشرات الكيلوغرامات من أجسامهم التي أمست هزيلة لا تقوى على حملهم. نقلت غالبيتهم إلى المشافي الإسرائيلية التي اكتظت بهم، وتم تحويل بعضها الى ثكنات عسكرية مدججة برجال الشرطة والأمن.. واللافت حينها أن سلطات السجون أصرت بشكل غير قابل للمساومة على تقييدهم بأسرة المستشفى من دون احترام المشافي او خصوصية أجسام الأسرى المضربين والمرضى.
لقد اضطر المضربون عن الطعام إلى ايقافه بعد أيام من بدء الهجوم الإسرائيلي الدامي على قطاع غزّة. لم تتضمن قائمة مطالبهم ما هو غير منطقي أو غير ممكن، فقد كانت تتمثل في وقف الاعتقال الإداري وتحديد سقفه. ومعظم من خاضوا الإضراب كانوا ممن أكل الاعتقال الإداري من جلودهم سني عمرهم وأعمار عائلاتهم، على مرّ الاعتقالات السابقة.
في ما بعد، علمنا أن ضباط الشرطة والأمن ومصلحة السجون الإسرائيلية أبلغوا الأسرى المضربين عن الطعام، بتبجح واستعلاء، بأن عليهم وقف إضرابهم من دون أي اتفاق ومن دون أية شروط، لأن العالم ووسائل إعلامه ووسائل ضغطه ملتفتة إلى ما يجري في قطاع غزة، والشارع الفلسطيني برمته لم يعد مهتماً بإضرابهم. أبلغوهم بأن موت أيّ واحد منهم لن يهزّ الرأي العام، على اعتبار أن أعداد ضحايا العدوان على غزة ستكون بالمئات، ولن تكترث إسرائيل ومعها العالم باستشهاد أحد الأسرى المضربين عن الطعام. أيقن حينها المعتقلون بأنه لا جدوى من استمرار إضرابهم، لأن ما جرى في القطاع من حرب تدميرية أكبر بكثير من جزئية الإضراب.

البحث عن فرح

كانت الهواتف النقالة "المهربة" متوفرة بكثرة في السجون الإسرائيلية مطلع الانتفاضة الثانية، وفي مختلف السجون الإسرائيلية التي فتحت أبوابها لاستقبال آلاف الأسرى والأسيرات الفلسطينيين في ذروة الحرب التدميرية التي شنّها الثلاثي شارون وبن اليعزر وموفاز على المدنيين في الضفة الغربية والمتعارف عليه في ما بعد بـ"اجتياح الضفة الغربية".
في يوم الجمعة 12 كانون الأول/ديسمبر من سنة 2003، وضعت زوجتي ناي مولودتنا البكر. وبسبب كثرة الهواتف النقالة، اتصلت بصديقي وشقيقي عبد الرازق في سجنه لأنقل إليه هذا الخبر السار، وتشاورنا بالتسمية. فالمقترح الأول لاسم المولودة كان زينة، والمقترح الثاني كان فرح، فكانت إجابته السريعة والبديهية: "فرح علّ يوماً من أيامنا القادمة يكون فرحاً". هذا ما قاله بالضبط، ومنذ ذلك الحين، أيّ منذ أحد عشر عاماً وشقيقي عبد الرازق يدخل ويخرج من الاعتقال الإداري ولا يجد في حياته متسعاً للفرح. فقد اعتقل في نيسان/أبريل 2001، وأُفرج عنه في تموز/يوليو 2006. وأُعيد اعتقاله في العام 2009 لمدة عام وخرج. وبعد عام في أواخر 2010، أُعيد اعتقاله لعام آخر. وفي شباط/فبراير من سنة 2014، أُعيد اعتقاله مرة أُخرى إدارياً لمدة ستة شهور، وجدد حبسه لستة شهور أُخرى، ولا يزال رهن الاعتقال الإداري. وكان قد اعتقل في سنة 1994 مدة عامين ونصف العام. لقد قارب عدد أعوام اعتقال عبد الرازق إدارياً عشرة أعوام يُضاف إليها ستة أعوام بين عامي 1985 – 1990، أي ما مجموعه ستة عشر عاماً، أي أنه أمضى ما يعادل ثلث عمره بين إداري ومحكوم قبل ولادة فرح وبعدها. لم يرَ فرحاً كاملاً بحريته الشخصية ولا بخلاصه وشعبه من الاحتلال، ولا يزال ينتظر فرحاً في حياته. فعبد الرازق متفائل دوماً، لم أره يوماً متشائماً، لم أره يوماً محبطاً، لذا سيبقى عبد الرازق قليل الكلام ينتظر لحظة الفرح.

رب ضارة نافعة

أكاد أجزم بأن عبد الرازق قد أقام وعاش في معظم المدن الفلسطينية، سواء التي احتلت في سنة 1948 أو التي احتلت في سنة 1967. وهنا، لا أشير إلى المدن بمكتباتها لقارئ نَهِم كعبد الرازق أو بمقاهيها لشخص له ذوقه الخاص بالقهوة ولا بساحتها الخضراء أو شواطئها، إنما في سجونها التي بناها مهندسو الانتداب البريطاني ومهندسو دولة الاحتلال من بعدهم. فعبد الرازق مكث في سجون الجنوب نفحة والنقب والخليل، وفي الوسط حيث سُجن في القدس "المسكوبية" وفي رام الله ونابلس (إذ كان قد سُجن قبل توقيع اتفاقية أوسلو)، وفي الشمال أيضاً حيث سُجن في قمم جبال الكرمل "الدامون"، وسجن في طبريا وعلى سواحل عسقلان. يمكن القول إن عبد الرازق قد جرّب مختلف مناخات فلسطين من مناطقها المنخفضة في طبريا إلى جبالها في الخليل إلى صحرائها في أنصار ونفحة إلى سواحلها في عسقلان. وكان قد سجن في الرملة حيث المكان الأقرب للمكان الذي هُجّرت منه عائلته سنة 1948، مدينة اللدّ. لكن، للأسف، وعلى الرغم من محبته لكل مكان في فلسطين، تمت هذه التنقلات بقسوة الاحتلال وجبروته.. فلو عاد الأمر إلى عبد الرازق، لما اختار سوى اللد، من حيث اقتُلعت عائلته وهُجرت.

المشكلة بعقولهم وطرق تفكيرهم

في إحدى جلسات المحكمة الإسرائيلية العليا في سنة 2005، والتي كانت تنظر في التماس قدمته محامية عبد الرازق ضد الأوامر العسكرية القاضية باستمرار حبسه نظراً إلى ما يشكّله من تهديد "لأمن المنطقة والمواطنين"، قال له أحد القضاة بأن المشكلة ليس في يديك الناعمتين ووجهك المبتسم، إنما في طريقة تفكيرك، فهي التي تهدد السكان والمنطقة.
أيها الناس! دولة الاحتلال تزجّ بالناس في السجون ليس لذنوب اقترفوها، إنما لطريقة تفكيرهم ولأحلامهم بالحرية والخلاص من احتلال كلما استمر تزداد وحشيته، وتتدنى إلى العدم قيمُه الأخلاقية، فدولة الاحتلال بأدواتها المتنوعة تسجن الناس بسبب طريقة تفكيرهم. ألَيس هذا ذروة في الاستبداد لدولة تدّعي تفوقها الديموقراطي والأخلاقي؟ ألا تكفي سبعة عقود لإعادة النظر في قانون جرى اعتماده كقانون طوارئ؟
عبد الرازق ورفاقه ضحايا لقوانين عنصرية أنتجتها منظومة استعمارية بهدف قتل البشر وتفريغهم من قيمهم.
إن أكثر ما يقلق والدة عبد الرازق على وجه الخصوص، أن لا سقف يُذكر للاعتقال الإداري. وبهذا، لا أمل مؤكدا بالإفراج عنه بعد ثلاثة أشهر أو ستة أو سنة أو حتى خمس سنوات كما حدث لها مع ابنها عبد الرازق ذاته، بين السنوات 2002 و2006. إذ جرى تجديد اعتقاله خلال هذه المدة أكثر من خمس عشرة مرة، وهذا يعني أن الوالدة والزوجة والأبناء والأخوة والأخوات والأصدقاء قد بنوا أملاً بقرب موعد الإفراج لكنه تبدد بقرارات احتلالية 15 مرة متتالية، من دون النظر إلى مشاعر الأم التي قضت جزءاً غير يسير من حياتها متنقلة بين سجون الاحتلال لزيارة أبنائها.
وفي هذه الأثناء، لا يزال عبد الرازق المتفائل ينتظر فرحاً له ولفرح. ولا تزال فرح تنتظر عمًّا يكون إلى جانبها، كأية طفلة في عالمٍ طبيعي لا يحتجز الناس ويعتقلهم بسبب آرائهم وطرق تفكيرهم.