| 

قامت الحداثة – من ضمن ما قامت عليه - على مفهومٍ يؤطر بشكل مغاير – وصدامي - لما سبقه، كمنطقٍ لفهم العلاقة الجدلية بين الزمان والمكان، وصولًا إلى القول بأن السيطرة على المكان – تحديدًا - وتنظيمه غدت في "ثقافة أواسط القرن العشرين المسألة الجمالية الأساسية". ولعل نموذج هدم جدار برلين شكّل لحظة فارقة في مفهوم المكان في العقل الأوروبي، وهو ما لا يمكن فصله عن فكرة انفتاح المكان أمام التكنولوجيا في عصر الصورة – كصيرورة. فما يحدث في أقصى الأرض، بات في لحظاتٍ بين أيدينا، وبات "زمن" معرفته متجاوزًا لقيده الـ"مكاني".

المكان له مفاتيحه الأساسية كالاتجاه والمساحة والشكل والنمط والمسافة والبنية، إلا أن التجارب الذاتية الهوياتية (فرادى وجماعات) بوسعها أن تهندس إدراكنا وخيالنا وتعاملنا معه. ما أدّى إلى إنتاج أمكنة وخرائط في الذهن، لا تقلّ واقعيةً عن تلك الواقعية، وهو ما كان منوطًا بالخرائط كأداة إمبريالية، تضع الأماكن ضمن تصور خرائطي/مكاني تؤسس له عين الإمبريالي، حيث لا يمكن لتلك العين أن تدرك المكان وتتعامل معه بمعزل عن زمنيتها الحداثية الخاصة بها، والتي ارتأت لنفسها الحق في ادعاء تشكيل واستغلال "المكان" كما تريد، بدوافع حداثية: كاكتشافه علميًا وتصنيف سكانه، ونشر الدين فيه والتقانة وغيرها. وهنا لا بد لنا أن نعود إلى مواريث الاستشراق في إدراك فلسطين – كغيرها - مكانيًا ورسمها في المخيال الغربي أولًا واليهودي ثانيًا، لجعلها مكانًا هوياتيًا غير محايد وغير موضوعي.

"عذرية الأرض"، مثلاً

السكان الأصلانيون (الهنود) في ما تسمى بالولايات المتحدة الأميركية، اليوم، لا يملكون إزاء المكان (الجغرافي) التصور نفسه الذي امتلكه المستوطنون البيض. ولذا، فإن اتفاقيات "الأراضي" بين الجماعتين قامت على مفهومين مغايرين للمكان ذاته. فإذا كان المستوطنون البيض قد صبوا زمنهم في هذا المكان، والزمن ها هنا بالنسبة إليهم زمن الحداثة البيضاء، والرأسمالية والذكورة/الفحولة الفوقية الثيولوجية أيضًا، فإن المكان اتسع ولو بدرجات مغايرة سردية أخرى موازية بل وأقدم، مثلتها زمنيته الخاصة لسكانه الأصلانيين، في مقابل تلك الآتية مع القادم الأبيض (لا يذكر السرد الاستكشافي والأنثروبولوجي الأبيض ولا حتى علم الخرائط، أنّ سكّان أميركا الأصليين كان لديهم معمار مميز ومتقدم، ناهيك عن منظومة قضائية، بل صَوَّرهم باعتبارهم أشباه عراة متخلفين، يسكنون خيامًا). فمقولة "عذرية الأرض"، مثالًا، هي مقولة تُخضع المكان لنوع من السلطة الجنوسية، حيث يبدأ وجود المكان/الأرض/الجغرافيا فعليًا من لحظة التلقيح/التزاوج الذكوري مع الرجل/الذكر الأبيض، أي زمن الذكر/الفحل هو اللحظة التي يأخذ فيها المكان وجوده ومعناه، بانتهاء عذريته، وتلك المقولة لا تختلف عن مقولة "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض".
من هذا المنظور، يمكننا تبيان ما للممارسات والعمليات المختلفة المستخدمة في إعادة إنتاج "الجماعة" هوياتيًا، من دور في نحت وبناء المكان وموضعته في الزمن، وإن كان سلوك البشر لا يتحدّد عبر "شكل" المكان، إلا أن معاني جديدة ومتغيرة وغير محايدة، تنبثق من أشكال مادية قديمة لصورتي الزمان و المكان.

السياسات الجغرافية: عقدٌ في الرقبة

وجبت تلك التوطئة، بنطاقها العام لفهم هندسة المكان بفعل العمليات السياسية والاجتماعية الزمنية، حيث إن الكثير من المقاربات في السياق الفلسطيني بُنيت في تناولها لمفهوم المكان المحتل، على تأثير وقوع المكان الفلسطيني تحت الاحتلال، وتأثير ذلك على زمنية تعريف الفلسطيني لهويته وتجدداتها وأشكالها وتعبيراتها السياسة والثقافية، بل وحتى السياسات الجغرافية التي تحكم مفهوم الوطن فلسطينيًا (منذ أيام، صرح محمود عباس – أبو مازن - بأن السلطة الفلسطينية تقبل بقيام دولة فلسطينية على أقل من 22% من مساحة فلسطين التاريخية. وفي المقابل، فثمة تعليق كُتب تحت ذلك الخبر الوارد على الصفحة الرسمية لما يسمى بـ"الرئيس الفلسطيني" على فايسبوك: "كيف رح أهدي حبيبي هلأ خارطة فلسطين يعلقها برقبته، وهي صارت قطعتين؟!"). وبالتالي، فالحاجة لتناول تأثير "المكان" على الهوية الإسرائيلية بات حاجة ملحة لهدم مفهوم السيطرة على المكان صهيونيًا، وبالذات في ظل مشروع قانون تعريف إسرائيل الأخير باعتبارها وطنًا قوميًا لليهود (وليس ديموقراطيًا). فإذا أقررنا بأثر هندسة المكان على الطرف الواقع تحت الاحتلال، وزمنه الهوياتي، فيجب ألا نغفل تأثيره على سلطة هندسة المكان والزمان، وهي بنية الدولة الحداثية، التي انبثقت هويتها من زمنها الوجودي.

"نفي المنفى"

يقول الكاتب أ. بـ . يهو شواع في محاضرة له في المنظمات اليهودية في أميركا، في أيار 2006: "اليهودية لا تكتمل إلا بوجود اليهودي في إسرائيل"، أي أن المنفى بالنسبة لليهودي انتقاص من يهوديته، وبالتالي فيهودية الوطن، هي اكتمال سياسي للمُنتقَص دينيًا من الهوية والوجود. وبالتالي فالتجربة الوجودية اليهودية "المكتملة" تقوم على فكرة "نفي المنفى". ووفقًا لآشر غنزنبرغ (بالعبرية "آحاد هاعام")، فإن "نفي المنفى"، هو إقامة ثقافة قومية جديدة قائمة على إنكار كامل ثقافات المنافي اليهودية، وبالتالي فالهوية اليهودية هي حالة من النقاء الانعزالي عن عناصر الهوية الأخرى.
بنيويًا، "نفي المنفى" لا يحدث دون مقولتين أساسيتين في الوجود اليهودي (المتصهين): "المنفى" و"العودة". ولكن "العودة" من "المنفى" الوجودي إلى الوطن، تحولت إلى إعادة خلق لمنفى هوياتي جديد، منه انبثقت سياسات الهوية الذاتية في النظر إلى مكونات الهوية المنفوية – كما يشير غنزنبرغ - والتي تطورت إلى سياسات مكانية إقصائية وانعزالية (كالجدار الفاصل، مثلًا).
تلك السياسات المكانية عملت على جعل الزمنية الهوياتية اليهودية، زمنية ترفض أي عنصر هوياتي مرتبط بالمنفى، (ولو كان يهوديًا) مهما كان حيًا، وهو ما أدى إلى تغلغل مقولتي: "الذاكرة والنسيان"، باعتبارهما من أدوات الهيمنة وبناء القومية/الزمنية. فهما وجها "المحو" و"الخلق" في المكان والزمان، ليؤسسا لحصار الهوية اليهودية، بقدر ما هي حصار للفلسطيني. فبات اليهودي محاصرًا بالأشياء "الواجب نسيانها" (الييديش وطرد الفلسطينيين وقتلهم واحتلال أرضهم وتاريخهم، بل وطمس الهوية العربية من اليهود العرب)، في مقابل وفرة من الأشياء "الواجب تذكرها" (كالمعاناة اليهودية). فحتى "غيتو وارسو" بات حاضرًا وبشدة في الذاكرة والوجود، إلا أنه يجب ألا يُعلن تمرّده كما كان، بل أن يظل غيتو، فقط.

إبليس، أول المنفيين

إذا كانت الحداثة قد مسّت التجربة الإنسانية بمسّ من منفى، بدايةً من السرديات الكبرى حيث أعادت قراءة تجربة النفي من منظور تمجيد الرفض والعصيان والتمرد على السلطة، تلك التي تمثلت في أول الزمن الوجودي السردي بإبليس (أول المنفيين)، فبات المنفى استجابة للعصيان والرفض الذي قاد للمعرفة والحرية (وباتت معاناة/مأساة إبليس محمدة، كما رآها صادق العظم وأدونيس وغيرهم).
إلا أن الأمر مختلف في ما يتعلق بالحداثة والصهيونية. يقول يتسحاق لاؤور: "إن قصة الدولة لا تستطيع السماح بالقراءة المزدوجة التي تتطلبها القصة الحداثية" وجوديًا، فإن العلاقة بين المعاناة والنفي والمحرقة وغير ذلك لا يمكن أن تخضع "للفحص، حتى باعتبارها افتراضًا، إلا إذا كانت هذه العلاقة تخدم الدولة، أي تابعة لما هو مفهوم ضمنًا"، وهو ما يضمن قتل الهوية بالمزيد من النفي الذاتي.
يمتد هذا المنفى إلى اللغة، يقول غيرشوم شوليم: "في لغة يُستحضر فيها الله آلاف المرات كي يدخل حياتنا، لا يمكن له أن يبقى صامتًا (...) أرجو ألا تفضي اللامبالاة التي قادتنا إلى هذا السبيل القيامي إلى خرابنا"، في تقديس تلك اللغة على حساب الله الأخرس، تُفهم مقولتا "صهيون" و"الهيكل" المجازيتان الزمنيتان، فهمًا صهيونيًا، قائمًا بالحصر على التأويل الواقعي والسياسي. وبالتالي، يتضاعف نفي المعنى الوجودي لليهودي داخل يهوديته ورموزها ومجازاتها، فيُقيِّد معنى الهيكل الزماني والهوياتي بمعناه السياسي الواقعي، وتُرفض تأويلاته في المخيال اليهودي الجمعي كتجربة مجازية قيمية. ولعل القاباليين والناطوري كارتا نموذجان لهذا النفي في المخيال اليهودي.

"تبدو يهودياً جداً"

حنة أرندت كانت ترى في الصهيونية ما هو أكبر من مجرد مشروع قومي أو صراع استعماري، ولكن سرعان ما فشلت قياداتها في فهم معاداة السامية التي أسّست للمنفى والغيتو اليهودي. وبالتالي، فالمطالبة بدولة يهودية هو تبني للمبادئ ذاتها التي مكّنت من صعود معاداة السامية وانتصارها. فالغيتو الصهيوني الذي أسّس له الاحتلال الكولونيالي المكاني، وسياسات الضبط والسيطرة والرقابة عليه، التي نبعت في رأي أرندت من "صورة المنتصرين"، في حين أنها –أرندت - نادت بوجوب كتابة الهوية والتاريخ اليهوديين من "تراث المضطهدين". فالمكان/الدولة هاهنا – بحسب فوكو - هو رمز لموقع سلطة، تُقيد عمليات تحرير الصيرورة حتى وإن ادعت الحداثة ("إسرائيل واحة الحرية و التقدم في المنطقة"): "فلقد أكدت الحداثة الرجعية من النوع النازي باستمرار على دور الخرافة (الدم والتراب والعرق والوطن)، (...) وتطبيق هذا الحس الذاتوي الخاص على السياسة، سيحول التاريخ ]الوجودي[ برمته إلى سلسلة من أعمال الثأر"، كما يقول ديفيد هارفي.
يقول ثيودور أدورنو: "إن فكرة الوطن بطلت في القرن العشرين، وأنا أفترض أن جزءًا من نقدي للصهيونية يتأتى من إيلائها الوطن أهمية مبالغًا بها، قائلة نحتاج إلى وطن وسنفعل أي شيء لنحصل على وطن، ولو كان ذلك يعني تشريد آخرين. (...) أريد نسيجًا غنيًا من نوع ما لا يمكن لأحد أن يدركه كله، ولا يستطيع أحد أن يمتلكه كله. لم أفهم قط فكرة أن هذا مكاني وليس مكانك. أنا لا أحبذ العودة إلى الأصول، إلى النقاء، وأعتقد أن الكوارث السياسية والفكرية الكبرى نجمت عن حركات اختزالية حاولت أن تبسط وتنقي، فهي تقول إن علينا أن ننصب خيامًا أو كيبوتسات أو جيشًا ونبدأ من الصفر. أنا لا أؤمن بذلك كله، وما كنت لأريده لنفسي، ولو كنت يهوديًا، لقاتلت ضده".
ولعل مقولة آري شافيط الشهيرة لإدوارد سعيد "تبدو يهوديًا جدًا!"، والمُتعجِبة، تعكس منطق الغيتو. فيهودية آري شافيط لا يمكن أن تلتقي مع غيرها لا عدلًا ولا مساواة. وهنا، يغدو الوطن اليهودي منفى وغيتو يهوديين.