| 

لا فكاك للثقافة الفلسطينية من قضيتها السياسية، كما لا فكاك للفن البصري منها. لكن، بعد الالتصاق المتين بين الفن والشعار السياسيّ الذي أنتج لعقودٍ صورةً واضحة عن كليشيه بصريّ، أصبح المتلقّي والمتابع ينتظران أعمالاً تنأى بنفسها عن السياسة، وكأن ذلك هو الطريق الوحيد لتحطيم الكليشيه. وإن تختلف أدوات الفن وإيحاءاته، إلا أن هذه الصورة تقبع في خلفية ذهن المتلقي، وتثبّت نفسها من جديد بمجرد تلقّي إشاراتٍ من العمل الفني تذكّر بهذه الصورة.

قيّمة المعرض: رلى خوري
في معرض "منام"، الذي افتتحته "جمعية الثقافة العربية" قبل أيامٍ في حيفا كجزء من "بينالي قلنديا الدولي"، حضرت أعمالُ ثلاثين فنانًا فلسطينياً من الوطن والشتات، تنوعت تجاربهم وأعمالهم بين الرسم والأعمال التركيبية والفيديو آرت. فيه، ننكشف على نماذج تحطّم الكليشيه ولكن بلغته وأدواته هو، ملتصقة به حد النفور منه.
تمشي، ضمن رحلة المعرض المصمّمة بذكاء، في ممرات وسلالم خفيفة الضوء، ذات جدران قديمة، من المفترض أن ترمم قريباً، ولكن قدمها مهّد بصرياً ونفسياً لتلقي جزء كبير من الأعمال. تدخل إلى غرفة وكأنها قبو كبير، أثثها العمل التجهيزي "فراغ" للفنان هيثم تشارلز (حيفا). جدران الغرفة وستائرها وكنبتها وأرضيتها وسقفها مغطاة بالكوفية الفلسطينية، يتوسطها جسدان واقفان غطت الكوفية جميع أعضائهما. نجح تشارلز في بعث خليط من الرهبة والاختناق في نفس المتلقي، وهو ما رغب حقاً في إيصاله بالكلمات: "عندما يكون الفرد جزءًا من قضية عليا، عندما يطغى الصراع على طموحات الفرد وقدراته".
أما الفنان عامر الشوملي (رام الله) فكشف في عمله "بين زمنين" عن رغبته في إعادة صوغ لحظات مفصلية في التاريخ الفلسطيني، أو محاولة "تخريبها"، كما يقول. ثلاث صور فوتوغرافية لفلسطينيين التقطت خلال خروج "المنظمة" من بيروت عام 1982، رسمها عامر وأفرغ صورة عرفات من البرواز الذي حُمل بين أيديهم في كل الصور، آتياً بتزاوج ناجح بين ذاك الزمن، زمن الشعار والأمل وحلم العودة إلى فلسطين، وبين الآن، الزمن الذي لا يتحمّل زجّ صورة أحد في أيّ برواز.
يحاول هذان العملان خدش الشعار بنصله، برموزه ودلالاته وأدواته وصورته وكوفيته. ذاك الذي لم تتوقف صناعته عند التاريخ، أو عند خروج الفلسطينيين من بيروت إلى تونس، بدل فلسطين، بل ما زالت اللحظة تولّده وتدلّ عليه، كما يدل عليه عمل تشارلز. يدرك ساعتئذ المتلقي أن الدنو من الشعار الجاهز، بأدوات فنية ذكية، قد يُلبِسه معانيَ جديدةً توائم المرحلة. أو كما تقول الفنانة فيرا تماري في عملها التجهيزي "ستارة هيلانة"، "يصبح الخيال (الفانتازيا) أداة ضرورية للنجاة من هموم الزمن والذاكرة"، ضمن عملها الذي يعرض قطعاً من ستارة جدتها المقدسية الجادة والصارمة في مربعات إضاءة حديثة ومتقطعة وملونة، تترجم هذه الفانتازيا.
إذًا، تشكل هذه الأدوات الحديثة تلاعباً جميلاً في الكليشيه المتصلب، قد يفتح فيه أسئلة وجودية.. بعدما تخيّل المتلقي للحظات أن الوجودية في الفن تقع في مساحة بعيدة عن السياسة، لا بل وقد تكون مخرجاً منها.
عند آخر نقطة من رحلة المعرض، تقف أمام مرآة للفنانة منى حاطوم، نقشت عليها جملة: "أنت ما زلت هنا"، لتشعر وسط كل ما التقطته عينك وَرَكَّبْتَهُ في دماغك على قطع "بازل" الحلم والعودة وفلسطين والأسر، أنك، إن دنوت مرة أو نأيت مراراً، فأنت جزء من هذا كله.

(الصورة بعدسة: علي مواسي)