| 

"اليوم كُتبت لنا حياةٌ جديدة، المستوطنون أطلقوا النار باتجاهنا في أثناء ذهابنا إلى حقل الزيتون. لاحقونا من حقلٍ إلى آخر على دراجات الدفع الرباعي"، يقول المزارع علي عوده من بلدة يانون (شرق نابلس - شمال الضفّة الغربية). عاد عودة لقطف ثمار حقله برغم المخاطر: "سأعود في كل موسم لقطف الثمار رغماً عن المستوطنين، ولكن خوفي على أطفالي من اعتداءات المستوطنين المسلحين يجعلني أتردد في الذهاب للعناية بالحقل كما يجب، وهذا يؤثر سلباً على الإنتاج".

يستغل المستوطنون وقوع حقول الزيتون في المناطق المصنّفة "ج" وفق اتفاق أوسلو، للاعتداء يومياً على الزيتون في مختلف مناطق الضفّة. فالمناطق "ج" تقع بالقرب من المستوطنات وأبراج حراسة جيش الاحتلال والحواجز والطرق الالتفافية.
ويعدّ الزيتون مصدر رزقٍ أساسيّاً وثانويّاً لأكثر من مئة ألف عائلة فلسطينية، بينما يبلغ عدد أشجار الزيتون وفق "مجلس الزيت الفلسطيني" نحو 30 مليون شجرة.
تفوّق التمور على الزيتون
يتوقّع رئيس "مجلس زيت الزيتون الفلسطيني" فياض فياض انخفاضاً في إنتاج الزيتون للموسم الحالي بسبب اعتداءات المستوطنين ونسبة الأمطار التي هطلت خلال شهر أيار الماضي، وأدت إلى سقوط براعم الزيتون. وأشار في اتصال مع "السفير" إلى أن "حصاد الموسم الحالي من الزيتون في الأراضي الفلسطينية لن يتجاوز 15 ألف طن، وهي كمية أقل من الموسم الماضي، حيث يصل إنتاج الزيتون في الضفّة الغربية قرابة 12 ألف طن، بينما يبلغ في قطاع غزة قرابة 4 آلاف طن".
وأضاف أن الإنتاج المتوقع من الموسم الحالي يعد "ضعيفاً" نتيجة عدم قدرة المواطنين على الاعتناء بحقولهم القريبة من المستوطنات، ومقارنة بالموسم الماضي الذي بلغ إنتاج الزيتون فيه نحو 20 ألف طن.
وبحسب فياض، فإن متوسط سعر كيلو زيت الزيتون للعام الجاري 2014 سيتراوح بين سبعة وثمانية دولارات، وهو مبلغ يتناسب مع تطلعات المزارعين، لكنه يعدّ مرتفعاً بالنسبة إلى المستهلكين.
ويقدّر حجم الاستهلاك المحليّ من زيت الزيتون في الضفّة الغربية بنحو 12 ألف طن، بينما يبلغ 6 آلاف طن في قطاع غزّة، بحسب أرقام "مجلس الزيت". ويتوقّع المجلس أن يبلغ دخل فلسطين القومي من زيت الزيتون نحو 105 ملايين دولار في العام 2014، ما يعني تراجعاً في الإنتاج إلى أدنى مستوياته على الإطلاق.
في المقابل، أكّد رجل الأعمال نبيل البنا لـ"السفير" تفوُق الدخل القومي الفلسطيني من إنتاج التمور على الزيتون، موضحاً: "نتوقع أن يبلغ دخل فلسطين من التمور نحو 250 مليون دولار للموسم الواحد بحلول العامين المقبلين، في حين قد يتجمد الدخل من الزيتون عند أقصى حد إلى مبلغ 170 مليون دولار في الموسم الواحد فقط". من هنا، تبرز الحاجة لبناء عددٍ كبير من مصانع التمور، ما يعني "تشغيل آلاف العمال في هذا القطاع الواعد"، وفق البنا.
وشرح البنا أن "تركيا هي أكبر المستوردين للتمور الفلسطينية"، علماً أن التمور تصنف تبعاً لدرجات عدة، أفضلها "السوبر جامبو". ويبلغ متوسط سعر الكيلو غرام الواحد منه حوالي 18 دولاراً، في حين يبلغ أدنى سعر للتمور في البلاد نحو 7 دولارات للكيلو غرام الواحد.
ويتوقع الخبراء أن تتفوق زراعة النخيل على الزيتون بحلول العامين المقبلين، نتيجة الإقبال الكبير من رجال الأعمال على الاستثمار في هذا القطاع.
"سنة شلتونة"، والأسباب عديدة
إن محاولات الاعتداء على الكروم الفلسطينية كثيرة ومستمرة، خاصة في المناطق المتاخمة للمستوطنات المقامة على أراضي المواطنين، شمال الضفّة الغربية. وعلى غرار السنوات الماضية، بدأت الاعتداءات قبل القطاف. وبما أنّ المزارعين عاجزون في عدد كبير من الحالات عن الوصول إلى أراضيهم من دون تنسيق مع جيش الاحتلال الذي يسمح بوصولهم إليها لأيام معدودة فقط في مواسم القطاف، فإنهم لا يكتشفون الأضرار التي لحقت بكرومهم إلا عند وصولهم لقطف الزيتون.
وشرح مسؤول ملف الاستيطان في الضفة الغربية غسان دغلس لــ"السفير"، أن "المستوطنين اعتدوا على العائلات وعلى متضامنين أجانب كانوا يساعدون العائلات في قطف ثمار الزيتون.. ناهيك عن ارتكابهم لعشرات المجازر سنوياً ضد أشجار الزيتون الفلسطينية". وتابع دغلس: المستوطنون يعتبرون شجرة الزيتون رمزاً للبقاء الفلسطيني، لذا يقدمون دائماً على إحراق الحقول وتحطيم كل ما تطاله أيديهم".
منذ خمسة أعوام، شهد إنتاج الزيت أو "الذهب الأخضر" كما يحلو للمزارعين تسميته، تراجعاً ملحوظاً، نظراً لعوامل عديدة، لعل أبرزها التغيرات المناخية، وقلة الاهتمام والعناية بالأشجار. فمنذ العام 2010، لم يكن الإنتاج جيداً كما في السنوات "الماسية" التي كان ينتج فيها المزارعون أكثر من 30 ألف طن زيت.
ويقول الخبير الزراعي المهندس فارس الجابي لـ"السفير"، إن "بعض العائلات لم تتمكن من الدخول إلى حقولها نتيجة انتهاكات المستوطنين، بالإضافة إلى أن إنتاج الزيت لهذا العام وفقاً للتقديرات لن يتجاوز 15 ألف طن، وهذه كمية قليلة مقارنة مع سنوات الإنتاج الجيدة قبل 2010".
والمعروف في فلسطين أن المزارعين يطلقون على الموسم الذي يأتي انتاجه قليلاً تسمية: "سنة شلتونة"، بحيث تصل كمية الإنتاج أحياناً إلى النصف أو الثلث أو حتى الربع. أما الموسم الوفير غزير الإنتاج فيطلق عليه "سنة ماسيّة"، ويطمح المزارعون أن تأتي المواسم المقبلة "ماسية" لتعوّض سنوات "الشلتونة" السابقة وما لحق بهم خلالها من خسائر.