| 

كان لتحسّن مدخول الفرد وارتفاع القدرة الشرائية لفلسطينيي 48 تأثيرٌ مباشر على نشوء ثقافة المقاهي، وإن أتت بدرجات خدمة وبأشكال متفاوتة. مظاهرها باتت جلية في كل المناطق، حتى نكاد لا نجد اليوم بلدة عربية من دون مقهى واحد على الأقل يحمل اسم «كوفي شوب». وكما تتطبع المدن بطبائع أهلها، تتطبع المقاهي هي الأخرى بطبيعة المجتمع المحيط بها. فيكثر عددها وتنوعها في المدن الكبرى، كحيفا والناصرة وأم الفحم، بينما تميل المقاهي إلى التشابه في البلدات الصغيرة. بيد أن جميعها لم يكف عن التطوّر والتجدّد على مدى العقد الأخير.
باقة الغربية هي بلدة تعتبر متوسطة الحجم بتعدادٍ سكاني يبلغ نحو 30 ألف نسمة. سيأخذها هذا التحقيق كمثلٍ يعين على فهم واقع المقاهي في القرى والبلدات الفلسطينية داخل الخط الأخضر، ما الذي تعنيه وما الذي تضمره، وكيف تنمو..

«المتقوقعون وحبّيبة الهدوء»
الناشط جمال دقه (56 عاماً) هو ابن باقة الغربية، ويروي لـ«السفير» أن «المقاهي موجودة بباقة من قبل السبعينيات، لكن عددها بلغ اليوم 43 مقهى». قبل أن يمدّ الشارع السريع، كانت باقة تربط الشمال بالمثلث والجنوب، ما ساعد اقتصادياً على نمو الشارع الرئيسي في البلد. عندما يقول شخص من هنا «نازل على الشارع»، فهو لا يعني أنه ذاهبٌ للجلوس عند حافة الطريق، وإنما سيقصد أحد المقاهي المنتشرة على طوال الشارع الرئيسي. وفي ظلّ الارتفاع المتواصل في حجم المصالح التجارية وخدمات الضيافة الذي تشهده البلدات والقرى العربية منذ تسعينيات القرن الماضي، وفي مقدمتها المطاعم والمقاهي، يشير دقة إلى التغيرات التي طرأت على خارطة المقاهي في باقة موضحاً أن «المبنى الاقتصادي مكّن الناس من الخروج إلى المقاهي وتمضية الوقت مع بعضها البعض. في الماضي، كانت المقاهي مخصصة للعب الورق فقط، وكانت مقبولة اجتماعياً لفئة عمرية محددة من الرجال. فلم يكن الأمر متاحاً لمن هم تحت سن 25 عاماً. أما لمن هم فوق 45 عاماً، فكان الأمر معيباً. اليوم، لدينا مقاهي للشباب فقط، ومقاهي للعاطلين عن العمل، ومقاهي لمستوى إجتماعي معين، ... هناك مقاهي حتى للمتقوقعين وحبّيبة الهدوء!».
إلى المقاهي المختصة بالأرجيلة، تطوّرت في باقة الغربية وغيرها من البلدات مقاهٍ أكثر اتساعاً من العادة، توفر قائمة أطعمة خفيفة وشاشة كبيرة لعرض مباريات كرة القدم وبرامج التلفاز الأكثر رواجاً، ترافق الأرجيلة طبعاً. فهي متوفرة تقريباً في كل مكان وزمان: «أكثرية المقاهي في باقة تعتبر من هذه الأصناف أما الصنف الثالث الأقل انتشاراً فهو المقاهي الصغيرة «الخالية من الأراجيل» والتي توفر قيمة تربوية أو ثقافية بشكل أو بآخر. ما يحدّد طابع كل مقهى هو صاحب المكان والزبائن، فإذا أتت اهتماماته رياضية سيجذب بشكل طبيعي جمهور الرياضة، ومن يكون لديه اهتمام بالأخبار والسياسة سيجذب قراء الصحف».

مرفق عام.. بلا نساء
محمد مجادلة (29 عاماً) هو صاحب مقهى «آي كافيه» المكوّن من بضعة طاولات تملأ فضاءه الحميم الصغير. ويشرح يوميات مقهاه بالقول: «صارت هناك حاجة لدى كثيرين لأن يعرجوا صباحاً على المقهى للحصول على جرعة الاسبرسو والدردشة لبعض الوقت قبل أن يتوكلوا لمزاولة أعمالهم. بالإمكان القول ان المقاهي أخذت مكان المرافق العامة، فلطالما حاول الناس ملء الفراغ العام ببدائل التلاقي، ولهذا قصدوا الديوان في الماضي وتراهم يقصدون المقهى اليوم. المراكز الجماهيرية، إن وجدت، ليست متاحة لاستخدام الجمهور، ولا تزوّد الناس حتى بطاولة سنوكر كما تفعل بعض المقاهي. كل ما يتعلق بأمور البلدية والبلد يقرر اليوم في المقاهي. فمن يريد أن يطرح قضية، يبادر إلى عقد لقاء بمقهى كذا، كما تظهر الألوان السياسية من خلال المقاهي خلال الانتخابات».
ويكمل مجادلة قراءته للواقع المرتبط بعمل المقاهي: «الحياة السياسية هنا في باقة تأثرت جداً بالمقاهي، إذ ساهمت بتعزيز نوع من التفاهم وتقبل الآخر. فحين تتواجد في المكان ذاته مع من تختلف معهم اجتماعياً أو سياسياً، ينشأ بينكم نوع من الودّ. مرة تلو الأخرى، وقد تجد الفرصة للرد على مواقفه بوضعية أكثر اجتماعية».
وعن النساء المغيبات تقريباً عن هذا الحيز، يردّنا مجادلة مباشرة إلى صيغو المقاهي العائلية: «هناك اثنان من المقاهي العائلية في باقة ولكنهما يعملان في الصيف فقط. ومع أنه لا يوجد أيّ مقهى يعرّف نفسه كمقهى للرجال، ولكن هذه من الأمور المتعارف عليها والمفهومة ضمناً بين الناس. هذا المقهى الذي أديره لا مشكلة لديه باستقبال النساء أيضاً، ولكن ذلك يتطلب بعض الجرأة من قبلهن كما أفترض. بكل الأحول، هذا لا يعني أن نساء باقة لا تخرجن إلى المقاهي بتاتاً.. فبعضهن يذهبن إلى أم الفحم أو إلى «جان شموئيل» القريبة».

المخرج «الشرعي»
بعض المقاهي تستقبل الرجال والنساء على حد سواء في المدن الكبرى والبلدات المنفتحة نسبياً. وقد أتى البديل الناشئ في البلدات المحافظة على شكل ما يسمى بالمقاهي العائلية، التي ظهرت في السنوات الأخيرة كمخرجٍ «شرعيّ» لاستقبال جمهور النساء، لا سيما بعدما انخرطن بشكل أكثر فاعلية بالحياة الاقتصادية، مع ارتفاع نسبة الشابات المتعلمات والعاملات في المجتمع العربي. وقد بات متعارفاً عليه أن المقاهي العائلية هي تلك التي تفتح أبوابها أمام النساء، ولو أن الإسم يوحي بأن تأشيرة الدخول الممنوحة للمرأة منوطة حكماً باصطحابها لعائلتها.
تشرح هالة عالم (28 عاماً)، ابنة قرية كفر مندا في الجليل وتعمل كمستشارة تربوية بالبلد، طبيعة زياراتها إلى المقاهي لـ«السفير»: «صرنا نجد الوقت والمكان القريب للخروج، فأذهب إلى الـ«كوفي شوب» برفقة زوجي أو صديقاتي، وقد نخرج أنا وزوجي أحياناً من دون الأولاد. الأسعار معقولة هنا أكثر منها في شبكات المقاهي مثل «كافيه كافيه» في الناصرة، والأجواء هنا مريحة وبسيطة، فنشعر بأن البيت بيتنا، وقد نصادف بعض الاقارب والمعارف من البلد. ومع العلم بأن هذه الاماكن ليست مختلطة تماماً، فقد تم تحديد قسم خاص بالعائلات يبقى متاحاً أمام الصبايا والنساء. ما يشجع الأهل والأخوة والأزواج على عدم ممانعة ريادتهنّ لهذه المقاهي. قد تجدي من يعارض ذلك ولكنهم باتوا قلائل اليوم باعتقادي».
وتروي حنان شناوي (22 عاماً)، وهي تعمل في مقهى «فانيلا» الذي تمتلكه عائلتها، عن بدائل متاحة أمام النساء، خاصة الشابات منهن والفتيات: «ربما لا يعرّف هذا المكان عن نفسه كمقهى، ولكنه أقرب ما يكون إلى ذلك من ناحية الأسلوب والتصميم الجديد وما يقدمه للزبائن من مشروبات ومأكولات. الناس ببلدنا - كفر مندا- لم يتعودوا بعد على الخروج من البيت لاحتساء القهوة فقط. لهذا، نقدم مجموعة من المشروبات كالفخفخينا و«ميلك - شيك» والقهوة المثلجة التي تستبدل بالـ«هوت شوكليت» في أيام الشتاء، بالاضافة إلى المأكولات الحلوة، وأكثرها طلباً هو الوافل البلجيكي والكريب الفرنسي والبان ـ كيك».