| 

أهم المبادئ التي تميّز اليسار بمختلف توجهاته عن اليمين هو مناهضة الاستعمار. غير أن مواقف اليسار الفرنسي لم تسجّل اختلافات كبيرة عن مواقف اليمين تجاه الكولونيالية الفرنسية، وبشكل خاص تجاه الكولونيالية الإسرائيلية. وارتبطت التغيرات البسيطة أو "التعديلات" بتاريخ الأحزاب اليسارية وتحولاتها وتحالفاتها الدولية. ويجوز القول ان مجمل مواقف اليسار الفرنسي، وخصوصاً "الحزب الاشتراكي" (SFIO قبل العام 1969) اتسمت بالسلبية والغموض والالتباس تجاه الاستعمار، وغلبت عليها الضرورات الاستراتيجية الاقتصادية التي "تفرضها" السياسة الخارجية للحكومة الفرنسية.

أعادت الأزمة الاقتصادية صياغة الأولويات الاستراتيجية الفرنسية، وأصبح تشجيع الاستثمارات الخارجية، بما فيها داخل إسرائيل، ماثلاً على سلم الأجندة. مثلاً، عقدت فرنسا في عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا هولاند العديد من الاتفاقيات الاقتصادية الاسرائيلية، تشمل أكثر من 150 شركة فرنسية خاصة. ومن أهم هذه المشاريع المشتركة: بناء مفاعل نووي لإنتاج الكهرباء وتأهيل سكة الحديد التي تربط القدس بالمستوطنات المقامة على أطراف القدس الشرقيّة (يخدم القطار نحو مئة ألف مستوطن يوميّاً). كما قدمت إسرائيل لفرنسا خطة "لدعم التنمية" كنموذج للتطور الاقتصادي الناجع.

سابقةٌ تاريخية منذ ديغول

يتشكل اليسار الفرنسي من الاشتراكيين والشيوعيين، بالإضافة إلى الأحزاب الصغيرة مثل: "الحزب الاشتراكي الموحد"، و"حزب اليسار"، و"راديكاليو اليسار"، و"النضال العمالي"، و"الماويين" و"أنصار البيئة". وتنحصر مشاغل معظم هذه الأحزاب بالدفاع عن القضايا الاجتماعية داخل المجتمع الفرنسي، وآخرها معركة حقوق زواج المثليين بالإضافة إلى النضالات البيئية وغيرها. لم يعتذر الإشتراكيون الفرنسيون سواء في زمن حكمهم أو في المعارضة عن الجرائم التي ارتكبتها فرنسا إبان احتلالها للجزائر. ويعتبر فرنسوا هولاند من أكثر الرؤساء الفرنسين لجوءا للتدخلات العسكرية - ليبيا، مالي، العراق -، بذريعة "محاربة التطرف والإرهاب".
وفي سابقة خطيرة منذ حكم شارل ديغول، تفهّم الرئيس الاشتراكي هولاند المبررات الإسرائيلية للعدوان الأخير على قطاع غزة، وعكس هذا الموقف علاقة فرنسا المقربة من إسرائيل. وأثار اختيار هولاند لمانويل فالس رئيساً للحكومة الفرنسية جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية. ففالس يعتبر "الأكثر يمينية في حزبه"، واشتهر بسياسته الأمنية والطرد على "خلفية الأمن ومكافحة المهاجرين والإسلام"، وهو صاحب كتاب "الأمن، يستطيع اليسار تغيير كل شيء" (منشورات مومونت، 2011). وله مواقف صريحة متضامنة مع اسرائيل، فقال مثلاً في 17 حزيران 2011 لراديو جوداييكا (ستراسبورغ): "عن طريق زوجتي، أَصبحت مرتبطاً بطريقة أبدية بالجماعة اليهودية وبإسرائيل". بالإضافة إلى ذلك، وصف فالس المتظاهرين المتضامنين مع الشعب الفلسطيني بـ"المعادين للسامية".
يتقاطع موقف هولاند مع فالس في إدانة "الأصولية الإسلامية"، وقد جاء ذلك في البيان الذي أصدره هولاند حول العدوان الإسرائيلي الأخير، عندما دمج مقاومة "حماس" بالأصولية وأدانها بشدة، وعبّر عن تضامن باريس مع اسرائيل التي تعرضت لـ"إطلاق صواريخ فلسطينية"، من دون ذكر للضحايا الفلسطينين. وقال إن فرنسا "تدين بشدّة هذه الإعتداءات، وبرر إجراءات الحكومة الإسرائيلية لحماية شعبها ". ولم يغيّر من جوهر موقفه المؤيد للعدوان استدراكه بالطلب من إسرائيل "تجنب الخسائر البشرية في صفوف المدنين الفلسطينيين".

اليسار الفرنسي وفلسطين.. تاريخياً

يتعاطف اليسار الفرنسي، وخصوصاً "الحزب الاشتراكي الفرنسي" مع إسرائيل منذ العام 1948. وارتبط وجود اليسار الاشتراكي في السلطة ببذل التأييد إسرائيل، ما عكسته معظم تصريحات الاشتراكيين - كريستيان بينو، دو غي مولي، الراديكالي موريس برجس مونوري، أو أندريه فيليب - الذين تبنوا نظرية "صدام الحضارات " و"المخاطر الإسلامية في إفريقيا والشرق الأوسط".
في العام 1948، رحب "الحزب الاشتراكي" و"الحزب الشيوعي الفرنسي" بولادة إسرائيل، علماً بأن الحزب الشيوعي كان عضواً في الأممية العالمية الشيوعية والتي توجب أعضاءها الالتزام بالشرط الذي ينص أنه يتوجب على "كلّ حزب منضو تحت لواء الأممية الشيوعية الثالثة الكشف دون شفقة أو رحمة عن كل الانتهاكات التي تحدث في المستعمرات الإمبريالية ومساندة حركات التحرّر، على أن لا يقتصر ذلك على الجانب المعنوي فقط وإنما مادياً والعمل على طرد الإمبريالية من المستعمرات". بعد المخالفة الصريحة لهذا المبدأ، تبنى الحزب الشيوعي لاحقاً، وتحديداً في العام 1956، سياسة أكثر نقدية تجاه إسرائيل. أما "الحزب الاشتراكي" فقد وطد علاقته باسرائيل باعتبارها "بلداً يسارياً" خصوصاً تحت حكم "حزب العمل" الإسرائيلي. وتصادق غي مولّيه مع دايفيد بن غوريون، وبعد ذلك اشتهرت صداقة فرنسوا ميتران وشمعون بيريز. مع ذلك، تسجّل حالات استثانية أبداها اليساري الاشتراكي ميتران مع القضية الفلسطينية أو ربما مع شخص الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات. فلا ينكر ميتران إعترافه بـ"منظمة التحرير الفلسطينية" وإجراء وساطات ساعدت عرفات في العام 1982 على مغادرة بيروت وطرابلس عام 1983 وتوجيهه الدعوة الأولى لياسر عرفات كرئيس دولة. ولكن فترة حكمه التي امتدت 14 عاماً تميزت بتحسّن كبير في العلاقات الفرنسية - الإسرائيلية أيضاً. وكانت فرنسا تدعم الإستيطان الإسرائيلي وتورد السلاح إلى إسرائيل، كما قال شمعون بيريز في أكثر من مناسبة. نذكر هنا قوله: "بفضل فرنسا، استطعنا حيازة أسلحة للدفاع عن أنفسنا". وكان لفرنسا دور في بناء المفاعل النووي الإسرائيلي.
وخلافاً لذلك، فإن معظم المواقف المتضامنة مع القضية الفلسطينية كانت تأتي من طرف اليمين الفرنسي. وقد شهدت سنة 1967 تغيراً كبيراً في العلاقات الفرنسية - الإسرائيلية، إذ أدّى خطاب ديغول الذي مدّ فيه يده إلى العالم العربي دوراً هاماً في تقليص حميمية العلاقات مع اسرائيل. ولكن، لم تقطع العلاقات الاقتصادية طبعاً، وتم تسليم طائرات الميراج التي أبرمت صفقتها قبل حرب 1967. بيد أنه حدث فعلياً تقلصٌ في حجم ما تشمله العلاقة بين الدولتين بشكل ملحوظ، وطرأ توتر في العلاقة الفرنسية - الإسرائيلية. إذ كانت فرنسا هي أول دولة غربية تلتقي رسمياً مع سلطة ياسر عرفات في العام 1975 عبر وزير الخارجية جان سوفنارغ. واستمر توتر علاقة إسرائيل مع الرئيس الفرنسي اللاحق جورج بومبيدو الذي تعاطف مع القومية العربية. وجاءت حقبة جاك شيراك (1995- 2007) امتداداً للحقبة الديغولية.
اكتسب شيراك شعبية عند الفلسطينين عندما صرخ بوجه شرطي إسرائيلي قائلاً أنه "لستُ بحاجة إلى حمايتكم"، وهدد بقطع زيارته و"العودة إلى طائرته" إذا لم تتوقف المضايقات ويتم التراجع عن منع الفلسطينيين من الاقتراب منه في أحد شوارع القدس القديمة في العام 1995. وتقع هذه الصورة التي رسمها الرئيس اليميني في تناقض حاد مع مشهد رئيس الوزراء الاشتراكي ليونيل جوسبان وهو يخرج من "جامعة بيرزيت" تحت حجارة طلاب غاضبين من تصريحاته في العام 2000. لاحقاً، استقبل شيراك ياسر عرفات المريض في مستشفى في ضواحي باريس ليموت هناك.
قد يلخّص موقف جان بول سارتر في إفتتاحية مجلة "الأزمنة الحديثة " في العام 1967، ارتباك اليسار الاشتراكي الفرنسي تجاه إسرائيل والقضية الفلسطينية، وهو ارتباك لم يتغيّر فحواه كثيراً أو جذرياً منذ ذلك الوقت. كتب سارتر:
"أريد أن أذكّر فقط أنّ هناك، عند الكثيرين منا، هذا العزم العاطفيّ، وليس هو سمة بقدر ما هو نتاج التأثير العام للظروف التاريخية والموضوعية التي لا يبدو أنّنا سننساها قريباً. ولذلك، نحن حسّاسون إزاء كلّ ما يمكن أن يشبه، من قريب أو من بعيد، العداء للسامية. وهذا ما قد يجيب عليه عدد من العرب بالقول: "لسنا معادين للسامية، بل للإسرائيليين". وهم على الأرجح على حقّ: لكن، هل يمكنهم أن يمنعونا من أن ننظر إلى هؤلاء الإسرائيليين على أنّهم يهودٌ أيضاً؟".

الشارع الفرنسي وحكومته.. اليوم

لم تمثل مواقف هولاند وحكومته المشاعر السائدة في الشارع الفرنسي تجاه القضية الفلسطينية، فضلاً عن مواقف سياسية متضامنة أخرى من اليمين واليسار الراديكالي ومن بعض الشخصيات في "الحزب الاشتراكي". ومن المفيد التذكير بأن الموقف الفرنسي التقليدي بعد العام 1967 بقي "متوازناً" إزاء الصراع العربي والفلسطيني - الإسرائيلي، وتحديداً بعد إتباع ديغول ما عُرف بالسياسة العربية لفرنسا. وحتى الرئيسين فاليري جسكارديستان (اليميني المعادي للديغولية) وفرانسوا ميتران (اليساري المعادي للديغولية)، كانا قد حاولا بطريقةٍ ما الإستمرار بسياسة ديغول المتوازنة. خلافاً لذلك، اعتبر البعض أن هولاند هو "الأكثر انحيازاً لإسرائيل" خصوصاً لتعاطفه معها في أثناء قصفها لأحياء سكنية وقتلها 1.454 من المدنيين الفلسطينين، بينهم 491 طفلاً بحسب أرقام "منظمة العفو الدولية". وفي هذا الصدد، كتب إدوي بلينيل بتاريخ 20-8-2014 رسالة وجهها إلى هولاند بعنوان: "سيدي: لقد ربحت العار"، جاء فيها:
"لقد اقترفتم خطأ سياسياً صادماً، بعدما حدتم عن الموقف التقليدي المتوازن لفرنسا إزاء الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، كما جعلتم وطننا ينحاز إلى صفّ المعتدين واليمين الإسرائيلي الحاكم، بعنصرية ظاهرة من دون أخلاق أو مبادئ إلا مِن وَسْم الفلسطينيين وكُره العرب".
إلى ذلك، خرج عشرات آلاف المتظاهرين في حوالي ستين تظاهرة على مدار أيام العدوان الإسرائيلي ضد غزة، وشملت عدة مدن فرنسية كان أكبرها في باريس. رفع المتظاهرون علم فلسطين بطول أمتار وصور الأطفال الضحايا وطالبوا بوقف العدوان الإسرائيلي فوراً و"رفع الحصار غير المشروع والمجرم عن غزة " وفرض "عقوبات فورية على إسرائيل حتى تحترم القانون الدولي". واعتبر الإعلام الفرنسي أن التظاهرات الكبيرة وغير المسبوقة في استمراريتها وجهت "صفعة" لموقف الحكومة الحالية. ومع أن الشرطة قد قمعت المتظاهرين وأصدرت أربعة قرارات تمنع التظاهر، فقد استمرت التظاهرات والفعاليات، ووقعت مشاحنات بين أفراد من "رابطة الدفاع اليهودية" ومتظاهرين متضامنين مع الشعب الفلسطيني تحولت إلى اشتباكات وأعمال عنف وتخريب في ضاحية سارسيل الباريسية، ما دفع بهولاند إلى المطالبة بـ"عدم تصدير الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي إلى فرنسا".

المجتمع المدني: أنت "أسوأ رئيس"

أكثر ما يلفت الانتباه في غضب الشارع الفرنسي الأخير، هو الدور الفاعل الذي مارسته مؤسسات المجتمع المدني الفرنسية: نقابات، جمعيات مدافعة عن حقوق الإنسان، منظمات مؤيدة للفلسطينيين، بالإضافة الى أحزاب سياسية ومؤسسات عالمية. فمثلاً، قدّم رئيس "منظمة العفو الدولية" في فرنسا أيلول الماضي 21.265 توقيعاً على عريضة تطالب الحكومة بعدم توريد أسلحة إلى إسرائيل. وبرز دور أحزاب وقيادات يسارية في الفعاليات المؤيدة للشعب الفلسطيني، مثل زعيم "حزب اليسار" جان لوك ميلانشون، والأمين العام لـ"الحزب الشيوعي الفرنسي" بيار لوران، والوزيرة السابقة دومينيك فولينه التي تنتمي إلى حزب الخضر "أوروبا البيئة" وبرلمانيين من "الحزب الاشتراكي" الحاكم. واستنكرت عشرات المنظمات الحقوقية مواقف الرئيس الفرنسي الداعمة للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، ولموقف هولاند الذي وصف بـ"المتحيز لإسرائيل ضد العرب والفلسطينيين". وطالبت مؤسسات أخرى فرنسا (باعتبارها مُوقِّعة على معاهدة جنيف الرابعة) بفرض الضغوط على إسرائيل لتوقف القصف وترفع الحصار وتطبّق قرارات الأمم المتحدة. كان من أهم هذه المراسلات رسالة صادرة عن عشر منظمات حقوقية بعنوان "عار عليك" وصفته بـ"الجبان" و"أسوأ رئيس"، واتهمته بـ:
"تجاوز حدود التواطؤ مع المجرمين الإسرائيليين، أنت تعرف أن من يتواطأ في جريمة يصبح شريكا فيها بحكم القانون، وتعرف أيضا أنك تدعم جرائم دولة مارقة تضرب عرض الحائط بكل القوانين الدولية، وإن كنت تحترم فعلا الإتفاقيات والقرارات الدولية التي وقعتها فرنسا فكان عليك أن تعلم بأنه ممنوع عليك دعم الاحتلال الإسرائيلي ومباركة ما يقوم به من مجازر وأعمال سرقة واضطهاد شعب أعزل بأكمله.. نحن لم نعد نعتبرك ممثلا لنا وما جاء في بيانك لا يمثلنا ولا يعنينا كفرنسيين".
جدير بالذكر أن مؤسسات المجتمع المدني الفرنسية كانت قد فعّلت دورها الداعم للقضية الفلسطينية في السنوات الماضية. فقد رفعت قضية قانونية في المحاكم ضد مساهمة الشركات الفرنسية في بناء سكة الحديد التي ستربط القدس بالمستوطنات، وأخرى حول جدار الفصل العنصري، وثالثة حول عدم التزام إسرائيل بشروط اتفاق التبادل التجاري بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي، والمتعلقة باحترام القانون الدولي وحقوق الانسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وثمة أنشطة أخرى تنظمها قوى المجتمع المدني، كمقاطعة السلع الاسرائيلية. فقد تم تنظيم حملة واسعة شارك فيها مئات المتطوعين والمتطوعات لتنظيف بعض المراكز التجارية من السلع الاسرائيلية، ومساعدة المزارعين الفلسطينيين على بيع إنتاجهم من زيت الزيتون وبعض الصناعات اليدوية، وتنظيم إرسال المتطوعين الفرنسين إلى الضفة الغربية لمشاركة الفلسطينين في الاحتجاج وفي دخول الحقول الزراعية المهددة من قبل المستوطنين وفي مناهضة جدار الفصل العنصري.
وقد خصص "عيد الانسانية" الذي يقيمه سنوياً الحزب الشيوعي الفرنسي في باريس للتضامن مع غزة وفلسطين والاسرى ومروان البرغوثي. وقد جاءت هذه الاحتفالية في يوم 24 ايلول /سبتمبر 2014 التي حضرها نصف مليون فرنسي تتويجاً للتضامن مع الشعب الفلسطيني. وبالمثل، خصص "مهرجان شاتو" السنوي الذي ينظمه "الحزب الشيوعي" و"جبهة اليسار" ومنظمات مجتمع مدني وجمعية التضامن الفلسطينية الفرنسية، احتفالات هذا العام للتضامن مع الشعب الفلسطيني ولعم قطاع غزة.
قد لا يشعر المرء بالتطوّر الذي يرافق نمو المواقف الشعبية العالمية من القضية الفلسطينية، لكن التاريخ لا يهمل هكذا نمو. فينتبه المرء إلى أن تضامن الشباب الفرنسي اليوم مع الشعب الفلسطيني جاء على نقيض تضامن شباب الأمس مع إسرائيل إبان تأسيسها. فحينها، اتجهوا للعمل في التعاونيات الزراعية الإسرائيلية "الكيبوتزات" باعتبارها بناءً اشتراكياً. في ذلك الزمن الماضي، نجحت الكيبوتزات بالتواطؤ مع الأحزاب اليسارية في جذب شريحة من الشباب اليساري الفرنسي، الذي سافر هناك للتطوع والعمل في الأرض غير الآهلة وفقاً للأكاذيب الصهيونية. وفي هذا المجال، وثق آلان غريش (2012) الصحافي الفرنسي في كتابه "علامَ يُطلق اسم فلسطين؟"، رسالة قنصل فرنسا في القدس إلى وزير خارجيته التي جاء فيها:
"في المستعمرات التعاونية، تكون الأشياء كلها مشتركة، التربة وأدوات العمل والأرباح، وحتّى الوجبات يتمّ تناولها غالباً بصورة جماعية، كما يجمع الأطفال كلهم في حضانة واحدة، حيث تقوم إحدة السيدات برعايتهم. وعلى المستوى الثقافي، يحمل هذا النظام مضارّ جسيمة غنيّة عن الذكر، لكن القادة الصهاينة يسلّمون به لكونه يشبع ذلك النوع من الفضول والقلق المواكبين للصيغ الاجتماعية الجديدة التي تؤرق أغلبية القادمين الجدد. فهؤلاء لا يدعون إعمار أرض فلسطين فحسب، وإنما شقّ سبل جديدة للإنسانية جمعاء. فنظراً إلى كون الصهيونية لا تحيا إلا عبر استدعاء القوى المعنوية والتقاليد القومية، يجدر بها استخدام كل ما يختمر داخل إسرائيل من ميول شيوعية قديمة".