| 

"بألمٍ أقول: في إسرائيل، هناك العديد من المعاهد المختصة باللغة العربية، فيما السلطة لا يوجد فيها مركز متخصّص بالدراسات الإسرائيلية سوى "جامعة القدس" و"مدار". والطلاب الذين يتخرجون منهما لا يمتلكون اللغة بمستوى يؤهلهم إعداد أبحاث بالعبرية أو عنها". الكلام هنا للبروفسور أوري ديفيس، أستاذ الدراسات الإسرائيلية في "جامعة القدس"، وعضو المجلس الثوري في حركة "فتح".
وبعد الخبرة الرسمية، يخلص مدير عام المناهج الإنسانية والاجتماعية في وزارة التربية والتعليم علي مناصرة إلى القول: "تربوياً، لا فائدة ترجى من تعلّم اللغة العبرية في مدارس السلطة الفلسطينية. وأساساً، يوجد نقص بخبراء اللغة في التربية".


الرأيان الأكاديميان يعكسان سؤالاً يثير جدلاً في المجتمع الفلسطيني بشأن عدم تعلّم اللغة العبرية في المدارس التي تتبع للسلطة الفلسطينية، لا سيما أن إسرائيل تفرض على الفلسطينيين داخل الخط الأخضر تعلّم العبرية، وعلى الإسرائيليين تعلّم العربية.

"التربية": مباحث.. وقلة كفاءة

تفرض وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية على التلاميذ الفلسطينيين داخل الخط الأخضر تعلّم اللغة العبرية ابتداءً من الصف الثاني ابتدائي، وتعتبر اللغة العبرية ومادة التوراة مادتين أساسيتين في امتحانات الثانوية العامة الإسرائيلية "البجروت". كما تفرض تعليم اللغة العربية على التلاميذ اليهود في المدارس الإسرائيلية، ابتداءً من الصف الخامس ابتدائي.
يقول مدير عام المناهج الإنسانية والاجتماعية في وزارة التربية والتعليم علي مناصرة، إن خطة المناهج التي وضعتها وزارة التربية والتعليم الفلسطينية في العام 1990 سمحت بإدخال العبرية كلغة اختيارية للطلاب الفلسطينيين، إلا أن كثرة المباحث الاستقصائية وعدم وجود طاقم أكاديمي يستطيع أن يدرّس اللغة العبرية بشكل ممتاز، أعاق تنفيذ الخطة في مدارس الضفّة الغربية وقطاع غزّة.
عن مسألة "المباحث"، يقول أنه "من الصعب الوثوق بأي شخص يأتي إلى مدارسنا لتعليم اللغة العبرية، إذ نحتاج إلى إخضاعه لمراقبة دورية. ويحتاج تدريس اللغة العبرية إلى مختصين في التعليم حتى لا يسمحوا للمصطلحات والأفكار الإسرائيلية أن تُغرس في عقول الطلبة الفلسطينيين".
وعن إمكانية جلب معلمين من الفلسطينيين المقيمين داخل الخط الأخضر، قال مناصرة أن "إسرائيل يمكن أن تمنعهم من الدخول الى هنا في أية لحظة". وهو يرى أن تعليم العبرية كلغة اختيارية لن يكون مفيداً على المستوى التربوي، "إذ لا تستطيع حصّتان في الأسبوع أن تُخرّج طالباً قوياً باللغة العبرية"، ويوضح: "نعلّم اللغة الإنكليزية بشكلٍ أساسيّ، والطلاب يتخرجون من دون إتقانها بشكل ممتاز.. فكيف العبرية وهي لغة اختيارية!".
تجدر الإشارة هنا إلى أن وزارة التربية والتعليم في قطاع غزّة اعتمدت قراراً في العام 2012 يقضي بتعليم اللغة العبرية في مدارسها للطلبة الراغبين، في المرحلتين الإعدادية والثانوية، ابتداء من العام 2013، بحسب تقارير صحفية سابقة. وقد أفادت تقارير صحافية بأن الهدف من اعتماد اللغة هو "معرفة ما يقوله الاحتلال الإسرائيلي عن القطاع ومعرفة العدو".

"الاهتمام" المتبادل

على الرغم من أن إسرائيل تعتمد اللغتين العربية والعبرية كلغتين أساسيتين داخل الأراضي المحتلة في العام 1948، غير أن "العبرية" تسبق "العربية" بطبيعة الحال. ولا يعود ذلك إلى أسبابٍ قانونية وإنما نتيجة السياسات الفعلية. فمن خلال فرض إسرائيل العبرية في مرافق الحياة المختلفة كالمؤسسات والحكم والإدارة، أجبرت الفلسطينيين على تعلّم العبرية. ويرى ديفيس أن تعليم العبرية في الداخل يختلف معناه عن خارج الخط الأخضر: "تعليم العبرية في أراضي 48 مؤلم بالنسبة إلى كثيرين في الداخل لأنه اضطراري ووجوديّ، إذ تحاول إسرائيل عبره فرض انتماءٍ صهيونيّ في مواجهة الهوية الفلسطينية".
أما على المستوى الفلسطينيين خارج أراضي 48 فيلاحظ أستاذ الدراسات الإسرائيلية في "جامعة القدس" أوري ديفيس وجود اهتمام فلسطيني بالتخصص على مستوى الماجستير بالدراسات الإسرائيلية في "جامعة القدس"، لا سيما من قبل الأسرى المحررين، لكن "متطلبات التخصّص لا تكفي ليتقن الطالب اللغة العبرية ليترجم أو يعدّ الأبحاث العلمية بعد تخرجه".
ويرجع بداية إهتمام الفلسطينيين الواسع بتعلّم اللغة العبرية إلى العام 1964، إذ أن "منظمة التحرير منذ نشأتها في العام 1964 اهتمت في اللغة العبرية. لكن، بعدما غادرت إلى تونس خلال الإجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، قلّ اهتمام المنظمة باللغة"، يقول ديفيس لـ"السفير". وهو اليوم يطالب "المنظمة" بضرورة الاهتمام باللغة العبرية، مؤكداً حاجة فلسطين إلى الكثير من المختصين بالشأن الإسرائيلي.
وعلى الرغم من أن تعلّم العبرية في فلسطين قد يبدو بديهياً لأيّ معنيٍّ بالقضية، إلا أن الواقع يقول غير ذلك. لا بل هناك من يذهب حدّ وسم تعلّم اللغة اختيارياً بأدوات التهويد.
يحدّد الكاتب والناقد الأدبي انطوان شلحت سببين أساسيين لتظهير أهمية تعلّم العبرية في فلسطين، ضمن منطق الصراع، هما: "اولاً، لأنها تكشف النقاب عن عدوانية الفكر الصهيوني والثقافة الإسرائيلية المؤدلجة بالفكر من مصادرها الأولى، وثانياً، لأنها تتيح مواجهة العدوانية من خلال إبراز التناقضات القائمة داخل إسرائيل". ويقول لـ"السفير" إن تعلّم اللغة أتاح للنخب في أراضي 48 أن تكون السبّاقة إلى معرفة عدوانية الثقافة الإسرائيلية، "فالشاعران الكبيران محمود درويش وسميح القاسم كانا الرائدين في وصف إرهاصات المواجهة، في عقر الكيان الإسرائيلي".
ولذلك، يرفض شلحت الفكرة التي تقول بأن تعلم العبرية يأتي في إطار "التهويد"، إذ "نتعلم العبرية ليس حباً فيها وإنما لفهم المشروع الصهيوني والصراع الفلسطيني الإسرائيلي وآلية مواجهته".
وأكد شلحت وجود "نسبة من النخب التي تعلّمت العبرية، لكننا بحاجة إلى المزيد! فهناك الكثير من القضايا التي تحتاج الى إجراء بحوث وترجمات حولها".

ترجمة من العربية إلى العبرية

يعتقد انطوان شلحت أن الترجمة من اللغة العربية إلى العبرية في دور النشر والصحافة في إسرائيل، بدأت مع هجرة نخب اليهود العراقيين إلى إسرائيل. وبحكم اطلاعه، شرح لـ"السفير" أن غالبية ما يترجم في المناهج التي تفرضها الحكومة الإسرائيلية على طلاب المدارس في أراضي 48 المحتلّة، "يصب في غاية تشويه الشخصية العربية والجغرافيا والتاريخ.. فإسرائيل كدولة نشأت حديثاً على أنقاض الأرض الفلسطينية، ولذلك اعتمدت سياسة تسمّى "عمليات تنشئة إجتماعية" لإقناع الإسرائيليين أن هذا المكان هو موطنهم".
اما الترجمة المنهجية المتعلقة بالشأن العسكري التي استخدمها صنّاع القرار في الحركة الصهيونية فهي بدأت مع تشكيل قسمٍ خاص تابع لإدارة الوكالة اليهودية في مطلع عشرينيات القرن الماضي، تمّ فيه جمع وتحليل ما تنشره الصحف الفلسطينية الصادرة بالعربية، ثم الصحف اللبنانية والسورية والمصرية، بحسب الباحث في الشؤون الإسرائيلية أنس أبو عرقوب. ومع إنشاء العصابات الصهيونية (الإرجون والهاجاناه)، تأسّست أجهزة استخبارات تمحور جزء من عملها حول ترجمة الصحف في الدول العربية، وجمع معلومات تفصيلية حول الحياة الثقافية والشخصيات المؤثرة في كل قرية ومدينة فلسطينية. وأقامت منظومات لتأهيل أشخاص للعمل في هذه الأقسام، فكانت تعلّمهم اللغة والثقافة العربيتين.
في تلك المرحلة، كان الاعتماد الأساسيّ على اليهود من أصل فلسطينيّ، فاليهود الوافدين من الدول العربية، وتحديداً اليهود اليمن الذين هاجروا إلى فلسطين، يقول أبو عرقوب لـ"السفير".