| 

يمكن التماس ما يجري خلف الكواليس الثقافية، من جلسةٍ واحدة في مقهى. حوارات تتمحور حول الفن بشكل عام، وبالتحديد سرقة الأفكار فيه، وتقليد الأعمال الأخرى. هذه النقاشات غير موثقة بالكتابة أو في الصحافة، ولا هي تبلغها. بل هي حوارات تدور رحاها بالسرّ، تشبه الحياة في انتفاضة العام 1987، لمّا كان الشباب حينها يتناقلون التعليمات بسريّةٍ تامة خوفاً من الاعتقال. وهذا وصفٌ سريع للواقع الثقافي في رام الله.

تميز الشباب الفلسطيني بالعمل السياسي والمقاوم، ولم يتراجع عن أحلامه، بل بدأها بالحجر واستمر على المنوال، إلى أن تفسّخ الزمن بالاتفاق الأثير، "اتفاق أوسلو"، وبدأ الجهد ينصبّ على تفريغ النشاط السياسي من مضمونه من خلال مبادرات كثيرة التي توّجت بتعبير "الممارسة الثقافية". وفي غالب الأحيان، كانت تأتي مفرغة من قيمتها على حساب استقطاب التفاعل الدولي والدعم لتمويل المشاريع وتمكين الشباب.

الترويض بالمال

في فعلٍ غير موازٍ لهوس الفنان بالإنتاج وشقّ طريقه نحو الذاتية في المفردات واللغة الفنية، سعت بعض المؤسسات إلى "ترويض" جنون الفنانين بالتمويل، وقبول أعماله ضمن معايير محدّدة تتناسب مع ذوق الداعم أو الراعي أو المنسّق، غالباً ما تقدم فنّاً "مزاجيّاً"، لا هوية ولا موضوع يحدّده، إلا في حالات نادرة إتسم أصحابها بالمقاومة الذاتية للحفاظ على رؤاهم وأفكارهم.
ولكن، بعد طول انتظارٍ للتغيير، وبعد طول قناعة بأن ما سبق كان حالة تمرّد على كلاسيكيات الفن ودعوة لاكتشاف تقنيات ووسائط فنّ متجدّد، أتت أخيراً بعض المشاريع الفنية على هيئةٍ أقرب إلى صيغة "قتل الأب"، لجهة عدم محاباتها ممولي المشاريع التي تُباد فيها الشفافية وحرية التعبير. الآن، بدأت تتشكل باكورة مُنتجٍ يعيد تعديل النموذج الفلسطيني المقاوم، ويسجّل بصرياً مرحلة النضال بكافة أبعادها، كقضية غير ميتة، وبمعالجة معاصرة قادرة على أن تقدم تأريخاً مسجّلاً. وهي ستجد مطرحها في المتحف الفني المستقبلي لفلسطين، كونها تمكّنت من التعبير عن فترتها الزمانية في سياق هذه الأرض والتجربة.

غزّة في قلنديا

تمكن الاستعانة بـ"بينالي قلنديا" الذي عقد مؤخراً كنموذج، فقد شاركت فيه شريحة كبيرة من الفنانين الفلسطينيين، قدموا عبر مساهماتهم عصارة أعمالٍ تلتصق بالواقع السياسيّ لثيمة الموضوع: "الأرشيف حياة ومشاركة". وتبيّن من خلال القراءة العامة للأعمال توجّه معظمها نحو الفن المقاوم.
من غزّة، حضرت أعمال بمعظمها تناقش قضايا الحصار والمقاومة، مستعيدة تاريخ الانتفاضة الشعبية في العام ١٩٨٧، وما احتفى به ذاك الزمن من أدوات باتت معروفة: كالمقلاع، الشعبة أو النقيفة، السهام، البراميل لإغلاق الشوارع، الكتابة على الجدران، ... وطبعاً، تبقى في مقدمة العلامات الدالة على الانتفاضة الكوفية أو شخصية الملثم. وعلى الرغم من التغيّرات العامة في الزمن، إلا أنها بقيت ذاكرة تحتفظ بنفسها هناك، وقد أعاد العدوان رسم هذه الملامح ليثبت عدم تحوّله من فكرٍ محتلّ إلى فكرٍ شريك في قبول أرض فلسطين كمناطق محررة تدير نفسها بنفسها. تغيّر الطرف الذي يقع عليه الاحتلال، ولم يتغير المحتَل. إذ أنتج تحايل الاحتلال في إدارة الحدث فناً ملامساً للواقع والراهن، وقدّم نفسه عبر وسائط مختلفة، منها التركيب والرسم والفوتوغرافيا والفيديو.. كلها قالت عن فلسطين من دون مواربة أو مغازلة.
في الأعمال الغزاوية، حضرت حالةٌ من الإنتفاض، بين التمثيل والتمنّي، بين الجديّة والاستهزاء، بين الحقيقة والخيال. ففي غضون أسبوع، يمكن التقاط الكثير من الصور لمجموعة شبان تمارس فعلاً مقاوماً، ربما يُمنع هذا الفعل في الضفّة الغربية، وتكون الكاميرا تحت رقابة عصابات المسؤولين هنا وهناك، لكنها ستحافظ على قيمة فعلٍ سيظهر أثره مستقبلاً.

حيفا في رام الله.. ونابلس في غزّة

في الضفّة الغربية، تجاوز الفن حدوده الجغرافيا، وأصبحت المسافة التي سيعبرها العمل الفني أبعد قليلاً مما هو متوقع، إذ لن يتوقف بين مسافات الجدار، بل سيقفز ليسير على طريق البحر، ويقترب من هواء لبنان الذي يمرّ من الشمال. أعمالٌ تنقلت بين الضفّة الغربية وأجزاء فلسطين المحتلة في العام ١٩٤٨، تم فيها التأكيد على تكامل بين الشعب رغم الاختلافات الجذرية أحياناً، ورغم العجز عن تأمين الاجماع على "وحدة موقف". كانت حيفا حاضرة في رام الله، والناصرة في بيت لحم، ورام الله في عكا، وغزّة في الخليل، ونابلس في غزة.
وتجدر الإشارة هنا إلى دور بعض المؤسسات المنظّمة للحدث في تجريد السياسة من عقمها، والمساهمة في إعادة هيكلة الفعل السياسي الفني الذي غاب طويلاً، بعد توجهات غير نزيهة سعت لسنين إلى إحداث تغييرٍ تحتكره مفاهيم مسطّحة، كـ"التعايش".
عبر العروض المختلفة، يتشكّل أرشيفٌ حيويّ عن فلسطين، استطاع الجمع بين معظم الفنانين الفلسطينيين في زمانٍ ومكانٍ مشتركين، ونقل واقع وتاريخ بصريين سيؤديان دوراً هاماً في توثيق الألم والفرح والإحتفال بالحياة تحت ظروف الإحتلال. وربما َيُقدم أيضاً كشهادة تدين الاحتلال مستقبلاً، عند رصد هذه التفاصيل التي لا يمكن إظهارها إلا في حدث يساوي هذه الظاهرة.